المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال خبير بارز في الشؤون الدولية: إنه بعد مرور سبعة أشهر على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض واستمراره في اتباع سياساته التجارية الهجومية، تمّ في 27 يوليو/تموز التوصل إلى اتفاق جديد بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن الرسوم الجمركية، وهو اتفاق يرى كثير من المراقبين أنه جاء نتيجة ضغوط شديدة مارسها ترامب وعجز الاتحاد الأوروبي عن مقاومتها.
ترامب دفع أوروبا إلى طاولة الاتفاق بالتهديد
قال علي رضوانبور في حواره مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الدولية: هذا الاتفاق جاء بهدف منع تصعيد الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم. وأوضح محلل الشؤون الأوروبية: “الاتفاق يشمل فرض رسوم جمركية بنسبة 15% على جميع واردات الاتحاد الأوروبي تقريباً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف متوسط الرسوم البالغة 4.8% التي كانت تواجهها السلع الأوروبية قبل تولي ترامب الحكم في يناير/كانون الثاني.”
وأشار الخبير في الشؤون الدولية إلى نقطة مهمة وهي أن “بعض القادة الأوروبيين غير راضين عن هذا الاتفاق، لكن غالبيتهم لم يكن أمامهم خيار سوى القبول به بسبب مخاطر اندلاع حرب تجارية أوسع.”
وفي رده على سؤال حول التغيّر الذي طرأ على حسابات الطرفين وأدى إلى هذا الاتفاق، ذكّر قائلاً: المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كانت تهدف لإيجاد توازن سياسي جديد في العلاقات التجارية الثنائية، خاصة وأن العلاقات شهدت كثيراً من المدّ والجزر منذ أن فرض ترامب، في الثاني من أبريل/نيسان، ما وصفها بالرسوم الجمركية المتبادلة.”
الانقسام الداخلي في أوروبا سهّل الوصول إلى الاتفاق
كما أشار رضوانبور إلى الخلافات الداخلية داخل الاتحاد الأوروبي وعدّها عاملاً رئيسياً في الدفع نحو الاتفاق، قائلاً: كان الاتحاد الأوروبي ينظر إلى المفاوضات من زاوية أن أي اتفاق مع الولايات المتحدة يجب أن يكون عادلاً ومتوازناً، لكن بعد تهديد ترامب في أواخر مايو/أيار بفرض رسوم 50% على هذا التكتل، غيّر الاتحاد الأوروبي موقفه.”
وأضاف موضحاً الانقسام داخل الاتحاد: “فرنسا وإسبانيا فضّلتا بعد فرض الرسوم الجديدة تبنّي موقف أكثر تشدداً مع ردّ فوري، بينما شدّدت ألمانيا وإيطاليا على الحذر وأهمية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة.” وتابع يقول: “وفي النهاية، انتصرت المقاربة الحذرة لألمانيا وإيطاليا، فبدأ الاتحاد الأوروبي بطرح سلسلة خيارات، من خفض الرسوم على السيارات الأمريكية، إلى تخفيف العوائق غير الجمركية أمام الشركات الأمريكية، وزيادة مشتريات الغاز الطبيعي المسال (LNG) والسلاح والمنتجات الزراعية الأمريكية، إضافة إلى زيادة الاستثمارات الأوروبية الخاصة في الاقتصاد الأمريكي. رغم ذلك، رفض ترامب عرض الأوروبيين في 10 يوليو/تموز وهدّد بفرض رسوم إضافية بنسبة 30%.”
دخول اليابان على الخط غيّر المعادلة
ويرى رضوانبور أن نقطة التحوّل في المفاوضات كانت في الاتفاق الذي جرى بين الولايات المتحدة واليابان قبيل القمة التجارية في طوكيو، موضحاً: “بعد أن توصّلت اليابان إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة في 22 يوليو/تموز، أي قبل قمة الاتحاد الأوروبي واليابان، تغيّر مسار المفاوضات.” وأضاف: “لطالما امتلك ترامب مهارة في توقيت خطواته، وقد أدّى الاتفاق مع اليابان إلى تعزيز موقف واشنطن في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي، لينتهي الطرفان إلى اتفاق على رسوم أساسية قدرها 15%.”
وبحسب تحليل الخبير فإن الإطار النهائي للاتفاق تضمّن فرض رسوم بنسبة 15% على السيارات وقطع غيارها، مع استثناء بعض المنتجات الحساسة مثل المعدات الطبية وبعض المواد الكيميائية والسلع الخاصة بصناعة الطيران، وفي النهاية فإن الاتفاق الذي أعلنه ترامب ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في 27 يوليو/تموز بإسكتلندا، لم يكن يختلف كثيراً عن العرض الذي كان على طاولة ترامب في 10 يوليو/تموز.”
أوروبا تجنّبت الكارثة… ولكن بأي ثمن؟
وتطرّق رضوانبور إلى ردود الفعل المتباينة داخل الدول الأوروبية، واعتبرها دليلاً على القلق الاستراتيجي الأوروبي تجاه الولايات المتحدة، موضحاً: “معظم القادة الأوروبيين أبدوا ارتياحاً كبيراً، إذ لم يكن سوى عدد قليل جداً منهم يرغب في الرد بالمثل بفرض رسوم تصعيدية، وهو ما كان سيؤدي على الأرجح إلى حرب تجارية شاملة على ضفتي الأطلسي”.
ويرى محلل الشؤون الأوروبية أن “ألمانيا، بوصفها بلداً يعتمد اقتصاده على صادرات السيارات، رأت في الاتفاق خطوة نحو التهدئة، خاصة وأن الرسوم على السيارات انخفضت من 27.5% إلى 15%، مما وفّر ارتياحاً فورياً لصناعة السيارات لديها. أما فرنسا وإيطاليا فما زالتا تسعيان للحصول على إعفاءات لبعض صادراتهما المهمة”، مشيراً إلى أن “غالبية قادة شرق أوروبا سعداء لأن الاتفاق حال دون اتساع الفجوة التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهي فجوة كان من شأنها تهديد دعم الولايات المتحدة لجهود أوروبا الحربية في دعم أوكرانيا”.
لكن إلى جانب هذه التقييمات الإيجابية، برزت انتقادات حادّة؛ حيث أشار الخبير إلى أن “أوروبا، لتجنّب حرب رسوم جمركية مع ترامب وفي مواجهة خيار بين السيّئ والأسوأ، رضخت للولايات المتحدة وقبلت باتفاق مؤلم”. وأضاف: “في النهاية، استسلمت أوروبا في الحرب التجارية مع ترامب ووافقت على اتفاق وصفه العديد من الخبراء بأنه جاء اضطراراً لتفادي كارثة في العلاقات مع الولايات المتحدة.” ولفت إلى تقرير لوكالة رويترز جاء فيه أن “الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى أدوات الضغط على الولايات المتحدة؛ وأن الاتفاق الذي أُبرم مثّل اختباراً لمدى واقعية طموحات الاتحاد الأوروبي، المكوّن من 27 دولة، في أن يصبح قوة اقتصادية قادرة على مواجهة دول مثل الولايات المتحدة والصين”.
تسوية أم هزيمة لأوروبا؟
وأوضح رضوانبور: هذا الاتفاق، رغم أنه خفّف التوترات ظاهرياً، إلا أنه جاء بثمن باهظ، إذ وصفه بعض المسؤولين الأوروبيين بأنه “هزيمة”، فيما اعتبره رئيس وزراء فرنسا استسلاماً أوروبياً لضغوط الولايات المتحدة، ووصفته مارين لوبان بأنه “فشل سياسي واقتصادي وأخلاقي مدوٍّ”. كما حذّر اقتصاديون ألمان من التكاليف طويلة الأجل لهذا الاتفاق، فمع أن هناك حالياً قدراً من اليقين بشأن شروط التجارة، إلا أن سلاسل الإمداد ستتغير والأسعار ستشهد ارتفاعاً.”
وحذّر محلل الشؤون الأوروبية من أن “الرسوم البالغة 15% ستظلّ ذات آثار سلبية كبيرة على صناعة التصدير الألمانية، كما أن الاتفاق يرسل إشارة واضحة وخطيرة عن استعداد الاتحاد الأوروبي لقبول رسوم باهظة بدافع الاضطرار.”
0 Comments