جدیدترین مطالب
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أحدث المقالات
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
الجيواقتصاد؛ الساحة الأهم لتنافس القوى الكبرى

سعيد ملك زادة ـ خبير في الاقتصاد الدولي
بعد انتهاء الحرب الباردة، اعتقد كثيرون أن العولمة ستحوّل الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى ضمانة للسلام. وقد استند هذا التصور إلى فرضية مفادها أن أية دولة لن تُعرّض مصالحها الاقتصادية للخطر من أجل مواجهة سياسية.
غير أن تطورات السنوات الأخيرة، بدءاً من الحرب الأوكرانية، مروراً بتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وأزمات سلاسل الإمداد، وحروب الرسوم الجمركية، والقيود المفروضة على تصدير التكنولوجيا، والتنافس على المعادن النادرة، أثبتت أن الاقتصاد لم يحلّ محل السياسة، بل أصبح هو نفسه الأداة الأهم لممارسة النفوذ.
وفي ظل هذه الظروف، يتحدث كثير من منظّري العلاقات الدولية عن دخول العالم عصر “الجيواقتصاد”؛ وهو العصر الذي تؤدي فيه التجارة، ورؤوس الأموال، والتكنولوجيا، والعملات، والموارد الاستراتيجية، الدور الذي كانت تضطلع به في الماضي السفن الحربية، والجيوش، والتحالفات العسكرية.
ولا يعني الجيواقتصاد إلغاء الجيوسياسة، بل يعكس تحول أدوات التنافس بين القوى الكبرى. فإذا كان احتلال الأراضي هو الهدف الرئيسي في الماضي، فإن السيطرة على الأسواق، والمسارات التجارية، والبنى التحتية المالية، والتقنيات المتقدمة، والمواد الخام الاستراتيجية، أصبحت اليوم الأهداف الأساسية للمنافسة. وبناءً على ذلك، باتت القوة الوطنية، أكثر من أي وقت مضى، مرتبطة بالقدرة الاقتصادية وبالقدرة على توجيه تدفقات التجارة ورؤوس الأموال.
التجارة بوصفها أداة لممارسة النفوذ
يُعد تغيّر وظيفة التجارة الدولية أحد أبرز مؤشرات عصر الجيواقتصاد. فلم تعد التجارة مجرد وسيلة لتعزيز الرفاه الاقتصادي، بل تحولت إلى أداة لممارسة الضغوط السياسية، وخلق علاقات الاعتماد، وإدارة توازنات القوى.
وتُعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين مثالاً واضحاً على هذا التحول. فقيود تصدير أشباه الموصلات، والرسوم الجمركية المتبادلة، والرقابة على الاستثمارات الأجنبية، وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد، كلها تدل على أن الحكومات لم تعد تنظر إلى السوق باعتباره مجالاً منفصلاً عن الأمن القومي. فصناعة القرار الاقتصادي أصبحت تُبنى على اعتبارات جيوسياسية، وأصبحت السياسات التجارية في كثير من الأحيان تخدم أهدافاً أمنية.
وفي هذا الإطار أيضاً، يعمل الاتحاد الأوروبي تدريجياً على إعادة صياغة سياسته التجارية. فالمفاوضات الواسعة لإبرام اتفاقيات تجارة حرة مع الاقتصادات الناشئة، والجهود الرامية إلى تقليص الاعتماد على سلاسل إمداد محدودة، والتوجه نحو تنويع الشركاء الاقتصاديين، كلها تعكس إدراك بروكسل أن التجارة تشكل جزءاً من استراتيجيتها الشاملة للأمن الاقتصادي.
إزاحة الدولار … التحدي الأكبر للنظام المالي الغربي
إذا كان الدولار قد شكّل طوال العقود السبعة الماضية الركيزة الأساسية للنظام الاقتصادي الدولي، فإن الاتجاهات الراهنة تشير إلى تراجع تدريجي لاحتكاره. فما زال الدولار يحتفظ بمكانته بوصفه العملة المهيمنة عالمياً، إلا أن تزايد استخدام العملات الوطنية في التجارة الثنائية، وتطوير أنظمة دفع بديلة، والسعي إلى استحداث أصول احتياطية جديدة، كلها مؤشرات على أن العديد من القوى الصاعدة تسعى إلى تقليص هشاشتها أمام النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وتؤدي الصين دوراً محورياً في هذا المسار؛ إذ يُعد التدويل التدريجي لليوان، وتوسيع استخدامه في تجارة الطاقة، وزيادة اتفاقيات مبادلة العملات، وتطوير البنى التحتية لأنظمة المدفوعات العابرة للحدود، جزءاً من استراتيجية بكين بعيدة المدى لتعزيز مكانة عملتها الوطنية في الاقتصاد العالمي.
وبالتوازي مع ذلك، يزداد في الأوساط الأكاديمية والاستراتيجية النقاش بشأن إنشاء عملات احتياطية متعددة الأطراف أو تطوير آليات مالية جديدة. ورغم أن استبدال الدولار بالكامل في المستقبل القريب لا يبدو خياراً واقعياً، فإن المسار التدريجي لتنويع النظام النقدي الدولي قد يُفضي إلى إعادة تشكيل هيكل القوة الاقتصادية العالمية خلال العقود المقبلة.
المواد الخام الاستراتيجية… نفط الاقتصاد العالمي الجديد
تُعد الزيادة الكبيرة في أهمية المعادن النادرة إحدى أبرز سمات عصر الجيواقتصاد. فإذا كان النفط يمثل المصدر الأهم للقوة خلال القرن العشرين، فإن العناصر الأرضية النادرة، والليثيوم، والكوبالت، والغرافيت، والغاليوم، والجرمانيوم، وغيرها من المعادن الاستراتيجية، أصبحت اليوم تشكل البنية التحتية الأساسية للاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدمة.
وقد أتاح تفوق الصين في معالجة وتكرير وتصدير العديد من هذه المواد لبكين استخدامها بوصفها ورقة ضغط استراتيجية. وقد أظهرت القيود التي فرضتها الصين مؤخراً على صادرات بعض هذه المعادن مدى عمق اعتماد الاقتصادات الصناعية على هذه السلسلة من الإمدادات. وفي المقابل، شرعت الولايات المتحدة وحلفاؤها في تنفيذ برامج واسعة لإنشاء احتياطيات استراتيجية، وتطوير مناجم جديدة، وتنويع مصادر التوريد.
ويعكس هذا التحول أن المنافسة المستقبلية لن تقتصر على الأسواق الاستهلاكية، بل ستمتد أيضاً إلى السيطرة على الموارد الأولية اللازمة لإنتاج التكنولوجيا. وفي ظل هذه المعطيات، ستكتسب الدول التي تمتلك احتياطيات معدنية، أو مواقع ترانزيت استراتيجية، أو قدرات متقدمة في معالجة هذه المواد، مكانة أكبر في معادلات القوة العالمية.
الجيواقتصاد… البنية الجديدة للقوة العالمية
لا يعني صعود الجيواقتصاد نهاية المنافسة العسكرية، بل يدل على أن الأدوات الاقتصادية أخذت توازي الأدوات العسكرية في الأهمية تدريجياً. فقد أصبحت العقوبات المالية، والرقابة على التكنولوجيا، وقيود الاستثمار، والسياسات الصناعية، وإدارة سلاسل الإمداد، والتنافس في مجال العملات، جميعها مكونات ثابتة في استراتيجيات الأمن القومي.
وفي هذا السياق، لم يعد نجاح الدول يُقاس فقط بحجم جيوشها أو ناتجها المحلي الإجمالي، بل أصبح يقاس أيضاً بقدرتها على إدارة علاقات الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وحماية بنيتها التحتية الحيوية، وتعزيز حضورها الفاعل في شبكات التجارة والتكنولوجيا العالمية.
كما يتيح هذا التحول فرصاً جديدة للقوى الإقليمية؛ إذ إن الدول التي تستطيع توظيف موقعها الجغرافي، وقدراتها في مجال الطاقة، ومواردها المعدنية، وبنيتها التحتية للنقل والعبور، وأسواقها، ضمن استراتيجية متكاملة، ستكون قادرة على اكتساب نفوذ يتجاوز بكثير وزنها العسكري.
ولم يتجاوز العالم بعد مرحلة الجيوسياسة، غير أن الجيواقتصاد أصبح الساحة الرئيسية للتنافس بين القوى الكبرى. فالتجارة، والعملات، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والمواد الخام الاستراتيجية، تؤدي اليوم الدور نفسه الذي كانت تؤديه في الماضي القواعد العسكرية والأساطيل البحرية.
وفي النظام الدولي الناشئ، لم تعد القوة تُستمد أساساً من احتلال الأراضي، بل من القدرة على توجيه تدفقات رؤوس الأموال، والسيطرة على التكنولوجيا، وإدارة الأسواق، وخلق علاقات الاعتماد الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل السياسة الدولية لن يتحدد من خلال المفاضلة بين الاقتصاد والجيوسياسة، بل عبر تفاعلهما وتكاملهما. وكل دولة تنجح في تحويل اقتصادها إلى أداة استراتيجية في سياستها الخارجية، ستكون أقدر على حجز موقع متقدم في هيكل القوة العالمي خلال القرن الحادي والعشرين.
0 Comments