المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: أكثر من 19 شهراً مضت على الهجوم العسكري الشامل الذي شنّه الكيان الصهيوني على غزة؛ هجوم لم يحقق حتى الآن أياً من أهدافه المعلنة.
برسام محمدي ـ خبير في الشؤون الإقليمية
خلال هذه الفترة، لم يتم القضاء على حركة حماس، ولم يتم إطلاق سراح الأسرى بالكامل، ولم ينجح جيش الکیان الإسرائيلي في فرض سيطرته على قطاع غزة. والأهم من ذلك، لم تنكسر مقاومة أهالي غزة، بل لا يزال الأهالي يقفون إلى جانب المقاومة الفلسطينية كما في الأيام الأولى للحرب، ولم يغادروا غزة.
خطة عربات جدعون
رغم أن جميع التقديرات الاستخباراتية، لا سيما داخل الأراضي المحتلة، تعتبر انتصار الكيان الصهيوني في هذه الحرب أمراً “شبه مستحيل”، إلا أن حكومة نتنياهو، التي تُصر بشكل غريب على استمرار الحرب، صادقت مؤخراً – بضوء أخضر أمريكي – على تنفيذ خطة عسكرية جديدة تُعرف باسم “عربات جدعون”، وهي في الواقع ليست سوى استمرار لسياسة الإبادة الجماعية لأهالي غزة.
وقد أعلن نتنياهو أن الهدف من تنفيذ العملية العسكرية الجديدة في قطاع غزة، التي ستجري على ثلاث مراحل خلال شهرين وبدأت مرحلتها الأولى بالفعل، هو السيطرة على قطاع غزة. أما الهدف النهائي لخطة عربات جدعون، فهو احتلال كامل للقطاع ونقل حوالي مليون من سكانه إلى ليبيا.
نظرة على تفاصيل وأبعاد الخطة
تُعد خطة عربات جدعون في مرحلتها الأولى خطة عسكرية وأمنية، تهدف بعد تثبيت الوجود الميداني للكيان الإسرائيلي في غزة إلى تحقيق وضع سياسي معين يُؤدي إلى اجتثاث المقاومة في غزة بكافة أشكالها. وبعد مرحلة إعادة الإعمار الاقتصادي والبنى التحتية، ستُدار غزة من خلال خمس مجالس محلية ذاتية الحكم (شمال غزة، مدينة غزة، وسط غزة، خان يونس ورفح)، على أن تعترف هذه المجالس بالكيان الصهيوني وألّا ترتبط بأي من الفصائل الفلسطينية.
العقبات والتحديات
بعيداً عن أن المقاومة الفلسطينية، وخاصة حركة حماس، لن تسمح بتحقيق هذه الخطة، فإن تنفيذها يواجه عقبات وتحديات مختلفة على ثلاثة مستويات محلية، وإقليمية، ودولية.
ألف) على المستوى المحلي:
تواجه خطة نتنياهو الجديدة ثلاث عقبات كبرى داخل الأراضي المحتلة، وهي: تحدي الرأي العام، عدم تعاون الأحزاب والتيارات السياسية، واللوجستية.
ساكني الأراضي المحتلة يطالبون فقط، من خلال الاحتجاجات، بإطلاق سراح الأسرى ووقف الحرب. فاستمرار الحرب لم يعد يحظى بتأييد المواطنين الصهاينة، بل يعتبرونها أداة بيد نتنياهو للبقاء في السياسة والسلطة.
كما أن تنفيذ العملية العسكرية الجديدة في غزة، والتي ستكون أطول وأشد من سابقاتها، يتطلب موارد بشرية وقدرات. هذا في وقت يعاني فيه جيش الكيان وقوات الاحتياط من أزمات حادة مثل الضغوط النفسية الناجمة عن استمرار الحرب، والإرهاق، وفقدان الحافز، والتمرد، والهروب من الخدمة العسكرية.
إضافة إلى ذلك، فإن الخلافات الداخلية بين المسؤولين الصهاينة، التي تتفاقم يوماً بعد يوم، تعتبر واحدة من العقبات والتحديات الكبرى أمام تنفيذ خطة عربات جدعون.
ولم يسبق في تاريخ الكيان الصهيوني أن عارضت الأحزاب المعارضة وحتى عناصر من داخل الحكومة مسألة الحرب، التي تُعد مسألة حياة أو موت للكيان، بهذا الوضوح والصراحة.
ب) على المستوى الإقليمي
نظراً لأن احتلال غزة وتهجير سكانها يمثل خطاً أحمر بالنسبة للعديد من دول المنطقة، فإن الدول العربية والإسلامية، حتى تلك التي أبدت أداءً غير مرضي تجاه الحرب على غزة، لن تسمح بتحقيق هذا المخطط.
والأهم من ذلك أن قوى المقاومة في المنطقة، وخاصة حركة أنصار الله في اليمن التي تتواجد على الخط الأمامي في المعركة مع الكيان الصهيوني، أبدت رد فعل قوي على هذه الخطة. حيث أعلنت الحركة رداً على عمليات الكيان الصهيوني العسكرية، فرض الحظر على ميناء حيفا، الذي يُعد العمود الفقري لاقتصاد الكيان الإسرائيلي.
يعتمد اقتصاد الكيان الصهيوني بنسبة تصل إلى 75٪ في الإنتاج والتجارة والتصدير والاستيراد، وبنسبة 80٪ في الأمن الغذائي والدوائي على ميناء حيفا. لذلك، ونظراً للأهمية الاستراتيجية لهذا الميناء في تلبية احتياجات الأساسية للكيان الإسرائيلي، فإن محاصرة ميناء حيفا سيكون له تداعيات كبيرة على الاقتصاد والتجارة الخارجية للكيان الصهيوني.
ج) على المستوى الدولي
تواجه خطة عربات جدعون على الصعيد الدولي معارضة واسعة، حيث أدانت العديد من الدول الغربية هذه الخطة، ورداً عليها، بدأت تحركات دبلوماسية للاعتراف رسمياً بدولة فلسطينية مستقلة، وهو ما يعارضه الكيان الإسرائيلي بشدة.
بالإضافة إلى الإدانة التي أبدتها الدول الغربية، فإن البيان المشترك الصادر عن قادة بريطانيا وفرنسا وكندا حول غزة وتهديد الكيان الصهيوني بفرض عقوبات والاعتراف الرسمي بدولة فلسطينية مستقلة، لا يمكن أن يكون بمعزل عن العملية العسكرية للكيان في قطاع غزة، وهو في الواقع يشكل عاملاً رادعاً أمام نجاح هذه الخطة.
كما صرح وزير الخارجية الفرنسي في حواره الأخير مع إذاعة فرنسا الدولية قائلاً: “لا يمكننا أن نترك إرثاً من العنف والكراهية لأطفال غزة. يجب أن يتوقف كل هذا، ولهذا نحن مصممون على الاعتراف بدولة فلسطين، وأنا أعمل بجد في هذا المجال، لأننا نسعى للمساعدة في إيجاد حل سياسي لصالح الفلسطينيين وأيضاً لأمن إسرائيل.”
نقطة أخيرة
أثبتت المقاومة التي أبدتها حركة حماس وأهالي غزة طوال الـ 19 شهراً الماضية، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها وفقدان العديد من القادة، ورغم الوجود الشامل للكيان الصهيوني في حرب غزة بدعم غير مسبوق من الولايات المتحدة، أنه لا أمل لهذا الكيان في تحقيق أهدافه الميدانية والعسكرية وحتى السياسية في غزة.
وبالنظر إلى ما ذُكر، من الواضح أن العملية العسكرية الجديدة للكيان الصهيوني التي يُطلق عليها اسم عربات جدعون في قطاع غزة، والتي تُعد نسخة جديدة من جرائم الحرب، لن تصل في النهاية إلى أي نتيجة. إن قدرات وإمكانيات حماس وإرادة أهالي غزة أكبر من أن تُقهر بالحرب والدمار. وفي النهاية، لن يكون أمام الكيان الصهيوني من خيار سوى قبول وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب على غزة.
0 Comments