جدیدترین مطالب
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أحدث المقالات
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها

مهدي جودي ـ خبير في العلاقات الدولية
عقب اندلاع الحرب الأوكرانية عام 2022، توقع كثير من المحللين الغربيين أن تضطر روسيا، بسبب انخراطها الواسع في الجبهة الأوروبية، إلى تقليص وجودها العسكري في شرق آسيا. غير أن المعطيات المتوافرة تشير إلى أن هذا التقدير لم يتحقق، على الأقل في المجال البحري. ويؤكد تقرير حديث صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS) أنه رغم انشغال القسم الأكبر من القوات البرية الروسية بالحرب في أوكرانيا، فإن موسكو حافظت على حضورها البحري والجوي الاستراتيجي في آسيا، بل وعززت تعاونها العسكري مع الصين من حيث عدد المناورات، واتساع نطاقها الجغرافي، وتعقيدها العملياتي. كما يشير التقرير إلى أن أسطول المحيط الهادئ الروسي لا يزال أحد أهم أدوات استعراض القوة الروسية، ويشكل جزءاً من منظومة الردع النووي البحري للبلاد.
ومن هذا المنطلق، تحمل المناورات رسالة واضحة مفادها أن الحرب الأوكرانية، خلافاً لتوقعات الغرب، لم تؤدِّ إلى إخراج روسيا من معادلات الأمن في آسيا. فموسكو تسعى إلى إظهار أنها ما زالت قادرة على الحفاظ على حضور متزامن في عدة جبهات استراتيجية، وأن قدرتها على التأثير لا تقتصر على ساحة القتال في أوكرانيا. وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة بالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة في شرق آسيا، ولا سيما اليابان وكوريا الجنوبية، إذ تؤكد أن روسيا ستظل طرفاً فاعلاً في معادلات الأمن الإقليمي.
أما بالنسبة إلى الصين، فإن هذه المناورات لا تمثل مجرد تدريب بحري، بل تشكل فرصة للاستفادة من الخبرات العملياتية الروسية. فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، لم يخض جيش التحرير الشعبي الصيني حرباً تقليدية واسعة النطاق، في حين واجه الجيش الروسي خلال السنوات الأخيرة في أوكرانيا طيفاً واسعاً من التهديدات، بدءاً من حرب الطائرات المسيّرة والقتال الشبكي، وصولاً إلى حرب الاستنزاف. وينقل تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي(CRS)، استناداً إلى تصريحات الجنرال “كريستوفر كافولي”، القائد آنذاك للقوات الأمريكية في أوروبا، أن الصين تتابع الحرب الأوكرانية “بدقة بالغة” من أجل توظيف الدروس المستخلصة منها في السيناريوهات المحتملة مستقبلاً، بما في ذلك ما يتعلق بتايوان.
ومع ذلك، فإن الأهمية الأساسية لهذه المناورات لا تكمن في تغيير ميزان القوى، بل في تغيير الحسابات الاستراتيجية. فالمناورات المشتركة بين الصين وروسيا، بمفردها، لن تُحدث تحولاً في التوازن العسكري العالمي، لكنها تجعل عملية اتخاذ القرار لدى خصومهما أكثر تعقيداً. ففي الأدبيات الاستراتيجية، لا يقوم الردع على القوة الصلبة وحدها، بل يعتمد أيضاً على تصور الطرف المقابل لاحتمالات اتساع نطاق الأزمة. وكلما ازداد اقتناع أي قوة بأن القيام بعمل عسكري في منطقة معينة قد يؤدي إلى فتح جبهات أخرى في الوقت نفسه، ارتفعت كلفة اتخاذ القرار.
التعاون البحري بين الصين وروسيا جزء من استراتيجية الردع
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التعاون البحري بين الصين وروسيا بوصفه جزءاً من استراتيجية “الردع متعدد الجبهات”. فالولايات المتحدة باتت مضطرة، في تخطيطها العسكري، إلى أخذ احتمال تزامن الأزمات في أوروبا وشرق آسيا والقطب الشمالي، وحتى غرب آسيا، في الحسبان. ولهذا السبب، حذّر كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين مراراً خلال العامين الماضيين من تنامي مستوى التنسيق العسكري بين البلدين. فعلى سبيل المثال، أكد الجنرال “غريغوري غيو”، قائد القيادة الشمالية الأمريكية، خلال جلسة استماع في الكونغرس عام 2026، أنه رغم عدم وجود تحالف عسكري رسمي بين الصين وروسيا حتى الآن، فإن إدراكهما المشترك للولايات المتحدة بوصفها التهديد الرئيسي قد يهيئ الأرضية لتعاونهما في ظروف الحرب، ويجعل التخطيط العسكري الأمريكي أكثر تعقيداً بكثير.
ومع ذلك، ينبغي تجنب المبالغة في تقييم هذا المسار. فعلى خلاف بعض الروايات الإعلامية، لم يصل التعاون العسكري بين الصين وروسيا بعد إلى مستوى التحالف العسكري التقليدي. فلا توجد معاهدة دفاع مشترك بين البلدين، ولا هيكلية موحدة للقيادة والسيطرة. ويؤكد تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS) أن قوات البلدين لم تبلغ بعد مستوى القدرة على تنفيذ عمليات مشتركة بصورة كاملة (Interoperability)، وأن كثيراً من المناورات لا تزال تُنفذ في إطار عمليات متوازية ومخطط لها مسبقاً، لا في إطار عمليات مندمجة بالكامل. ومع ذلك، فإن هذه التدريبات تسهم في تعزيز الثقة المتبادلة، وتبادل الخبرات، وتنسيق إجراءات القيادة، والتعرف إلى تجهيزات وتكتيكات كل طرف، وهي عوامل من شأنها، في حال اندلاع أزمة، أن تقلص بصورة ملحوظة الزمن اللازم لتحقيق التنسيق العملياتي.
التنسيق الاستراتيجي بين الصين وروسيا وتزايد التحديات أمام الحسابات الأمريكية
وتحمل هذه التطورات انعكاسات مهمة على المعادلات الأمنية في غرب آسيا أيضاً. ومع ذلك، لا ينبغي الاستنتاج بأن الصين أو روسيا ستدخلان، بالضرورة، في مواجهة عسكرية مباشرة إذا اندلع نزاع بين الولايات المتحدة وإيران. إلا أن تصاعد التنسيق الاستراتيجي بين هاتين القوتين يزيد من كلفة اتخاذ القرار في واشنطن. فلم يعد بإمكان الولايات المتحدة تقييم أي أزمة إقليمية في إطار حدودها الجغرافية فحسب، بل بات عليها أن تحتسب أيضاً انعكاساتها على سلوك روسيا في أوروبا، والصين في شرق آسيا، وحتى سلوك الشركاء الاستراتيجيين الآخرين لهاتين الدولتين. وبعبارة أخرى، فإن أهمية هذا التعاون بالنسبة إلى إيران لا تكمن في ضمان حصولها على دعم عسكري مباشر، وإنما في جعل البيئة الاستراتيجية التي تواجهها الولايات المتحدة أكثر تعقيداً، وزيادة الاعتبارات التي يتعين عليها مراعاتها قبل اللجوء إلى القوة العسكرية.
وفي الختام، ينبغي النظر إلى المناورات البحرية المشتركة بين الصين وروسيا باعتبارها جزءاً من تحول أوسع في مفهوم الردع. فإذا كان الردع خلال الحرب الباردة يستند أساساً إلى القدرات النووية والتوازن الثنائي بين القوتين العظميين، فإن نموذجاً مختلفاً أخذ يتبلور تدريجياً اليوم، يقوم على شبكة من الشراكات الاستراتيجية، والتنسيق العسكري، والتقارب السياسي بين القوى الكبرى غير الغربية. ورغم أن هذه العلاقات لم ترتقِ بعد إلى مستوى التحالف العسكري، فإنها بلغت درجة من التطور تسمح لها بالتأثير في الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها.
ومن هذا المنظور، فإن القيمة الحقيقية للمناورات الأخيرة لا تكمن في عدد القطع البحرية المشاركة فيها أو في اتساع نطاقها الجغرافي، بل في الرسالة التي تبعث بها إلى النظام الدولي، ومفادها أن العالم، وهو يتجه نحو تعددية قطبية، لم يعد يسمح بحصر إدارة الأزمات في جبهة واحدة، وأن أي عمل عسكري قد تترتب عليه تداعيات تتجاوز حدود المنطقة التي يقع فيها.
0 Comments