جدیدترین مطالب
اتفاق مكة على المحك؛ من «معضلة الردع» إلى «خطر تقويض الأمن»
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن اتفاق مكة، الذي وُقّع في 7 أغسطس/آب 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، يواجه في الواقع «معضلة الردع» و«تباين إدراك التهديد» أكثر مما يمثل استجابة للفراغات الجيوسياسية. وفي حين يمثل هذا الاتفاق رمزاً للانتقال نحو الاعتماد على الذات إقليمياً، فإن الاختبارات الميدانية الأولى وتعقيدات العلاقات مع الفاعلين الإقليميين ستحدد المعنى الحقيقي له.
أحدث المقالات
اتفاق مكة على المحك؛ من «معضلة الردع» إلى «خطر تقويض الأمن»
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن اتفاق مكة، الذي وُقّع في 7 أغسطس/آب 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، يواجه في الواقع «معضلة الردع» و«تباين إدراك التهديد» أكثر مما يمثل استجابة للفراغات الجيوسياسية. وفي حين يمثل هذا الاتفاق رمزاً للانتقال نحو الاعتماد على الذات إقليمياً، فإن الاختبارات الميدانية الأولى وتعقيدات العلاقات مع الفاعلين الإقليميين ستحدد المعنى الحقيقي له.
عودة الجيوسياسة النووية وتآكل نظام منع الانتشار

نادر مبيني ـ خبير في شؤون منع الانتشار
الضربة التي تعرضت لها الرقابة النووية
لا يمكن تحليل الأزمة الراهنة لنظام منع الانتشار من دون أخذ التطورات الأمنية والسياسية المحيطة بالبرنامج النووي الإيراني في الاعتبار. فالهجمات العسكرية التي شنها الكيان الصهيوني ثم الولايات المتحدة على المنشآت النووية الإيرانية، إلى جانب استهداف جزء من البنية التحتية النووية، أدت أيضاً إلى تعطيل الظروف الطبيعية للتفتيش والتحقق.
وعقب هجمات عام 2025، أوقفت الوكالة أنشطة التحقق الميداني، وأخرجت مفتشيها من إيران لأسباب تتعلق بالسلامة، وأكدت في تقاريرها أن الهجوم على المنشآت النووية السلمية يتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والنظام الأساسي للوكالة.
وفي عام 2026، أعلنت أمانة الأمم المتحدة أيضاً أنه بعد هجمات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني اعتباراً من 28 فبراير/شباط، فقدت الوكالة جزءاً مهماً من استمرارية معرفتها بالمنشآت الإيرانية المعلنة، ولم تتمكن، باستثناء محطة بوشهر للطاقة النووية، من الوصول ميدانياً إلى سائر المنشآت المعلنة.
ومن منظور طهران، لا يمكن النظر إلى تقييد وصول المفتشين باعتباره مجرد قرار مستقل عن الظروف الأمنية. فعندما تتعرض المنشآت الخاضعة لإشراف الوكالة لهجوم عسكري، تصبح سلامة المفتشين، وحماية المواد النووية، ومنع نقل المعلومات الحساسة أو انتشارها، مرتبطة مباشرة بالأمن القومي. كما أكدت إيران في مراسلاتها إلى الأمم المتحدة أن هجمات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على المنشآت الخاضعة للضمانات ألحقت ضرراً بنظام التحقق وبإمكانية التوصل إلى حل تفاوضي.
وتكتسب هذه الحالة أهمية لفهم سياسة طهران؛ إذ لا يمكن توقع «الشفافية القصوى» من إيران، مع تجاهل البيئة التي أصبحت فيها المنشآت الخاضعة للرقابة الدولية عرضة للهجمات. ومن جهة أخرى، فإن تقييد الوصول لفترة طويلة جعل استمرار عملية التحقق أكثر صعوبة، وقد أسهمت هذه الحلقة المفرغة في تآكل الثقة بين إيران والوكالة.
الإحالة إلى مجلس الأمن؛ محاولة بلا نتيجة من دون حل المشكلة
في سبتمبر/أيلول 2026، قرر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بأغلبية 23 صوتاً مؤيداً و3 أصوات معارضة و8 أصوات ممتنعة، إحالة ادعاء عدم امتثال إيران إلى مجلس الأمن؛ وهو إجراء أدى للمرة الأولى منذ نحو عقدين إلى بلوغ هذا المستوى من التصعيد الدبلوماسي ضد طهران. وقد دُفع نحو هذا القرار بضغط من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، فيما عارضته روسيا والصين والنيجر.
ومن الناحية القانونية، لا تعني الإحالة إلى مجلس الأمن بالضرورة فرض عقوبات فورية أو اتخاذ إجراء عسكري، لكنها من الناحية السياسية تنقل نطاق الخلاف من مستوى نزاع فني بين إيران والوكالة إلى مستوى الأمن الدولي. وقد حدث هذا التحول في وقت تأثرت فيه القنوات الدبلوماسية أيضاً بالحرب وانعدام الثقة؛ ولذلك، فإن إحالة الملف، وإن كانت تزيد الضغط السياسي على طهران، لا تضمن بالضرورة إنشاء آلية موثوقة للتحقق وتسوية الخلاف.
ويُظهر رد فعل إيران أيضاً أن طهران تنظر إلى هذا الإجراء، أكثر من كونه قراراً فنياً محضاً، باعتباره جزءاً من مسار تسييس الملف. وقد حذّر اللواء محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، من أن مثل هذه الإجراءات يمكن أن تقلل من مصداقية آليات منع الانتشار، بل وتزيد حوافز بعض الدول للخروج من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT).
أزمة فنية أم أزمة ثقة؟
في الوقت الذي تطرح فيه الوكالة الدولية أسئلة بشأن تفسير بعض آثار اليورانيوم، ومخزون المواد، والوصول إلى المواقع المعلنة، وتؤكد ضرورة تعاون إيران، يتعين عليها أن تحافظ على استقلالها وحيادها وطابعها الفني بعيداً عن الضغوط السياسية التي تمارسها الدول القوية. وقد طُرح هذا الموقف صراحةً في الوثائق الرسمية الإيرانية خلال عملية مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وتتعمق المشكلة عندما تتعرض دولة عضو في معاهدة عدم الانتشار وخاضعة للضمانات للضغط والعقوبات والهجوم العسكري، في حين أن الكيان الصهيوني ليس عضواً في معاهدة عدم الانتشار، ولا يوجد بشأن قدراته النووية إطار مماثل من التفتيش الإلزامي. ومن وجهة نظر إيران، فإن هذا التباين بين «الالتزامات» و«الرقابة» و«التداعيات السياسية» يمثل ازدواجية في المعايير وممارسة للتمييز، ويؤثر سلباً في شرعية نظام منع الانتشار. وقد سُجل موقف إيران بشأن هذا التباين وضرورة تعامل الوكالة على نحو غير تمييزي في الوثائق الرسمية للأمم المتحدة أيضاً؛ ومن ثم، فإن المشكلة الأساسية لا تقتصر على «عدم ثقة إيران بالوكالة»، بل تتمثل في الظروف التي وصلت فيها الثقة المتبادلة بين إيران والوكالة والدول الغربية إلى أدنى مستوياتها، وأصبح كل إجراء فني عرضة فوراً للتفسير الأمني والسياسي.
أثر الدومينو؛ من الغرب إلى شرق آسيا
إن تآكل الثقة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ليس النتيجة الوحيدة للموضوع النووي الإيراني. فقد أدخل الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية، الذي وُقّع في يوليو/تموز 2026 وأُرسل في أواخر أغسطس/آب إلى الكونغرس الأمريكي لمراجعته، إمكانية تطوير التخصيب في السعودية في إطار النقاش الرسمي. ويحذر تقرير صادر عن مركز ستيمسون من أن الامتيازات المحتملة في مجال التخصيب وترتيبات الضمانات مع السعودية يمكن أن تؤثر في معايير منع الانتشار السابقة، في حين يرى مؤيدو الاتفاق أن الحضور والرقابة الأمريكية يمكن أن يساعدا في إدارة مخاطر البرنامج السعودي.
وتكمن أهمية هذا الموضوع بالنسبة إلى إيران في أنه كلما جرى وضع معايير مختلفة لدول المنطقة، زادت حوافز الدول الأخرى لامتلاك دورة وقود كاملة مستقلة أو قدرة نووية. كما تواجه شرق آسيا سلاح كوريا الشمالية النووي وعودة النقاش حول الردع النووي. ويتحدث المجلس الأطلسي عن تزايد خطر هجوم نووي محدود من جانب كوريا الشمالية، ويؤكد في الوقت نفسه أن انتهاء معاهدة «نيو ستارت» في فبراير/شباط 2026 أزال أحد أهم القيود الرسمية بين أكبر الترسانات النووية في العالم.
عودة تنافس القوى الكبرى
وفي مثل هذه الظروف، يواجه الحد من التسلح أيضاً مشكلة. وتُظهر التحليلات الأخيرة بشأن النظام النووي الجديد أن التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين يتزايد، ومع تراجع القيود الرسمية، يعود دور الردع النووي ليحتل مكانة أكثر بروزاً في الحسابات الأمنية. كما حذر مجلس الشؤون الدولية الروسي من أن العالم يفقد جزءاً من «الخوف العقلاني» من الحرب النووية؛ وهو الخوف الذي كان على مدى عقود أحد أسس الاستقرار الاستراتيجي بين القوى الكبرى.
ولم تبقَ أوروبا بمنأى عن هذا المسار أيضاً. ويتحدث المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاثام هاوس» عن زيادة التعاون بين بريطانيا وألمانيا في مجال الردع، ويعتبره جزءاً من الجهود الرامية إلى تعزيز البنية الدفاعية الأوروبية في ظل تراجع اليقين بشأن المظلة الأمنية الأمريكية. ويشير هذا المسار إلى أن حتى الدول غير النووية تعيد تعريف مكانة العامل النووي في أمنها.
وبالتزامن مع ذلك، يُظهر إضعاف معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية المشكلة نفسها. وتؤكد دراسة لنادي فالداي للحوار بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على هذه المعاهدة أن معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية لم تدخل بعد حيز النفاذ بصورة كاملة من الناحية القانونية، لكنها أنشأت من الناحية السياسية معياراً قوياً مناهضاً للتجارب النووية. وتمثل هذه الفجوة بين التأثير السياسي والإلزام القانوني إحدى علامات هشاشة نظام الحد من التسلح.
تآكل الثقة، أبعد من تآكل معاهدة عدم الانتشار
في هذه الظروف، لا يمكن النظر إلى الموضوع الإيراني على أنه مجرد اختبار لمدى تعاون طهران مع الوكالة؛ فقد أصبح هذا الملف اختباراً لمصداقية نظام منع الانتشار برمته. فإذا كانت دولة عضواً في معاهدة عدم الانتشار وخاضعة لإشراف الوكالة، ثم تعرضت منشآتها النووية لهجوم عسكري، وأُصيبت عمليات التفتيش بعد ذلك بالاضطراب بسبب الوضع الأمني نفسه، فإن نظام منع الانتشار سيواجه تناقضاً خطيراً.
ومن منظور المصالح الاستراتيجية لإيران، لا يتمثل المسار المستدام في الخروج المتعجل من نظام منع الانتشار، ولا في قبول أي نوع من الضغوط السياسية، بل في إعادة القضية النووية إلى إطارها القانوني والفني والتفاوضي؛ وهو إطار تُضمن فيه سلامة المنشآت السلمية، وتكون الوكالة محصنة من الضغوط السياسية، وتُراعى حقوق إيران النووية بموجب معاهدة عدم الانتشار إلى جانب التزاماتها بصورة متوازنة.
وإلا فإن تداعيات الموضوع الإيراني لن تقتصر على تصعيد الخلاف بين طهران والغرب. فزيادة الطلب على القدرات الردعية في غرب آسيا، وتعزيز التنافس النووي بين القوى الكبرى، والتراجع التدريجي في اعتماد الدول على القواعد التي كان من المفترض أن تجعل الأمن النووي أكثر قابلية للتنبؤ، ستكون من التداعيات الأخرى لهذا المسار. وفي مثل هذه الحالة، قد تبقى معاهدة عدم الانتشار قائمة، لكن مصداقيتها وفاعليتها ستتآكلان من الداخل.
0 Comments