جدیدترین مطالب
اتفاق مكة على المحك؛ من «معضلة الردع» إلى «خطر تقويض الأمن»
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن اتفاق مكة، الذي وُقّع في 7 أغسطس/آب 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، يواجه في الواقع «معضلة الردع» و«تباين إدراك التهديد» أكثر مما يمثل استجابة للفراغات الجيوسياسية. وفي حين يمثل هذا الاتفاق رمزاً للانتقال نحو الاعتماد على الذات إقليمياً، فإن الاختبارات الميدانية الأولى وتعقيدات العلاقات مع الفاعلين الإقليميين ستحدد المعنى الحقيقي له.
أحدث المقالات
اتفاق مكة على المحك؛ من «معضلة الردع» إلى «خطر تقويض الأمن»
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن اتفاق مكة، الذي وُقّع في 7 أغسطس/آب 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، يواجه في الواقع «معضلة الردع» و«تباين إدراك التهديد» أكثر مما يمثل استجابة للفراغات الجيوسياسية. وفي حين يمثل هذا الاتفاق رمزاً للانتقال نحو الاعتماد على الذات إقليمياً، فإن الاختبارات الميدانية الأولى وتعقيدات العلاقات مع الفاعلين الإقليميين ستحدد المعنى الحقيقي له.
القوقاز الجنوبي وآسيا الوسطى؛ مجال جديد للتنافس الترانزيتي

سينا رايمند ـ خبير في الشؤون الدولية
تغيّر توازن الاتصال
أدت التحولات الأمنية في أرمينيا وجمهورية أذربيجان، إلى جانب التراجع النسبي لدور روسيا في أعقاب الحرب الأوكرانية، إلى تغيير البيئة الجيوسياسية المحيطة بإيران. ولم تعد أرمينيا، في برنامجها الخماسي للفترة 2026 إلى 2031، تصف العلاقات مع روسيا بأنها «تحالف استراتيجي»، كما أصبحت روسيا، في ترتيب أولويات السياسة الخارجية لهذا البلد، بعد جمهورية أذربيجان وتركيا وإيران وجورجيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وفرنسا. وفي الوقت نفسه، بات مستقبل القاعدة العسكرية الروسية في غيومري يواجه بدوره بعض الشكوك. ولا تعني هذه التحولات خروج روسيا الفوري من القوقاز، لكنها تشير إلى تراجع احتكار موسكو التقليدي للبيئة الأمنية في المنطقة.
وبالنسبة إلى إيران، يرتبط أي تغيير في التوازن الأمني للقوقاز بصورة مباشرة بجغرافية اتصال البلاد. فمن جهة، يمكن أن يتيح تراجع الاحتكار الروسي مجالاً أكبر لطهران، لكن من جهة أخرى، فإن تزايد دور تركيا وجمهورية أذربيجان في شبكات النقل الترانزيتي يمكن أن يعزز مسارات قد لا تتوافق بالضرورة مع المصالح الإيرانية.
الممر المسمّى زنغزور والممر الأوسط؛ التنافس على «قابلية الاتصال»
لا يقتصر التنافس بين ممر الشمال – الجنوب الإيراني والمسار الأوسط على مجرد التنافس بين خطين للسكك الحديدية. فالمسار الأوسط، بعبوره الصين وآسيا الوسطى وبحر قزوين وجمهورية أذربيجان وجورجيا وتركيا، يتحول إلى شبكة متعددة المستويات من النقل والطاقة والاتصالات الرقمية والاستثمار. وفي عام 2025، انضمت جمهورية أذربيجان إلى المشاركة الكاملة في الاجتماعات التشاورية لرؤساء دول آسيا الوسطى، كما وسّعت في صيف 2026 علاقاتها مع أوزبكستان وقيرغيزستان وتركمانستان وغيرها من دول آسيا الوسطى. ويشير هذا المسار إلى أن باكو تسعى إلى التحول من دولة عبور في القوقاز إلى حلقة وصل بين القوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى.
وفي هذا الإطار، ينبغي النظر إلى المشاريع المرتبطة بالممر المسمّى زنغزور باعتبارها جزءاً من بنية أوسع للاتصال الإقليمي. فربط البرّ الرئيسي لجمهورية أذربيجان بنخجوان عبر جنوب أرمينيا، في حال تنفيذه، يمكن أن ينشئ اتصالاً مباشراً بين جمهورية أذربيجان وتركيا وشبكة الممر الأوسط؛ ومن ثم، فإن المسألة لا تتعلق فقط بمرور خط للسكك الحديدية، بل باحتمال نشوء شبكة تقلّص حصة إيران في ربط القوقاز بآسيا الوسطى وأوروبا.
وفي المقابل، اتبعت إيران استراتيجية «تنويع المسارات» للحيلولة دون حدوث مثل هذا الوضع. ويعتبر تحليل صادر عن المجلس الروسي للعلاقات الدولية أن المسارات العابرة لجمهورية أذربيجان، وكذلك مسار إيران – أرمينيا – جورجيا، تكمل بعضها بعضاً، ويؤكد أهمية تطوير خط سكة حديد رشت – أستارا وربط الممرات الشمالية بالموانئ والشبكات الجنوبية في إيران.
تركيا؛ تطوير القدرة الجيوسياسية بما يتجاوز الموازنة
لا يمكن تفسير تزايد دور تركيا بمجرد مفهوم «الموازنة بين الشرق والغرب». وتؤكد دراسة حديثة لمعهد الشؤون الدولية والأمنية الألماني (SWP) أن المسألة الأهم تتمثل في قدرة أنقرة على الاستخدام العملي لعلاقاتها المتنوعة؛ أي كيفية توظيف تركيا مختلف قدراتها لتعزيز دورها في بيئتها الإقليمية المحيطة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في القوقاز وآسيا الوسطى. فالروابط الثقافية واللغوية بين تركيا وما يُعرف بمجموعة الجمهوريات الناطقة بالتركية، إلى جانب الاستثمار والتعاون الدفاعي والطاقة والنقل، تتيح لأنقرة تعزيز نفوذها من خلال شبكة من الاتصالات. ومن وجهة نظر منتقدي السياسة التركية، يمكن أن يرتبط هذا المسار أيضاً بقراءات ذات طابع وحدوي تركي؛ لكن من الناحية التحليلية، من الأفضل النظر إليه بوصفه مجموعة من الأدوات الجيوسياسية والاقتصادية والهوياتية.
وفي الوقت نفسه، يمكن للتحولات الداخلية في تركيا والمسار الجديد المرتبط بنزع سلاح حزب العمال الكردستاني أن يزيدا أيضاً من هامش المناورة الإقليمية لأنقرة. ويرى المجلس الروسي للعلاقات الدولية أن لهذا المسار تداعيات على العراق وسوريا والبيئة المحيطة بإيران.
الصين؛ رأس المال والشبكة وإعادة إنتاج التبعية
تشارك الصين في هذا التنافس، أكثر من سعيها إلى إنشاء ممر واحد، من خلال ربط الشبكات القائمة باقتصادها. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تفعيل المسار السككي بين الصين وآسيا الوسطى وإيران؛ إذ دخل أول قطار، المؤلف من 55 عربة، من شينجيانغ إلى كازاخستان، ومن المقرر أن يصل إلى إيران عبر كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان. ويمكن لاستمرار هذا المسار أن يزيد قدرة إيران على الاتصال بالشبكة البرية الصينية، وأن يحوّل آسيا الوسطى أيضاً إلى حلقة مهمة في التجارة بين إيران والصين.
ومن جهة أخرى، تعمل كازاخستان على ترسيخ مكانتها باعتبارها «قوة وسطى» وحلقة وصل بين الصين وروسيا وأوروبا وتركيا وغيرها من مراكز القوة. كما أن المسار العابر لبحر قزوين لا يمثل بالنسبة إلى أستانا مجرد طريق للنقل، بل يرتبط بالخدمات اللوجستية ورقمنة الجمارك والصناعات المحيطة به. ويُظهر هذا الوضع أن الصين والفاعلين في آسيا الوسطى لا يسعون بالضرورة إلى الاختيار بين الممرات المتنافسة، بل يحاولون الاستفادة من تداخل المسارات لزيادة قدرتهم على المساومة.
العقوبات؛ عامل حاسم في التنافس في مجال الترانزيت
تتمثل إحدى أهم القيود المفروضة على هذه المسارات في العقوبات الأمريكية ذات الطابع العابر للحدود. وتحذر تقارير حديثة بشأن آسيا الوسطى من أن العقوبات الثانوية يمكن أن تعرقل حتى المعاملات التي لا تكون محظورة من الناحية القانونية؛ لأن المصارف وشركات التأمين والنقل قد تتجنب، لتقليل المخاطر، التعاون مع المسارات المرتبطة بإيران بدرجة أكبر من اللازم. وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي إنشاء خط للسكك الحديدية أو ميناء بمفرده لنجاح مسار ترانزيتي، بل يجب أن يتوافر أيضاً النظام المالي والتأميني اللازم لاستخدامه.
وتنسحب هذه المسألة أيضاً على العلاقات الصينية مع إيران. ويمكن لاستخدام آسيا الوسطى لنقل البضائع إلى إيران أن يقلل من هشاشة بعض المبادلات، لكنه في الوقت نفسه يعرّض الدول الوسيطة لمزيد من الضغوط المرتبطة بالعقوبات. ونتيجة لذلك، فإن نجاح الممرات الإيرانية يعتمد بقدر اعتماده على البنية التحتية على قدرة طهران وشركائها على إدارة مخاطر العقوبات.
الاستراتيجية المنشودة
في مثل هذه الظروف، ينبغي أن تتمثل الاستراتيجية الواقعية لإيران في الحيلولة دون تحولها إلى «الحلقة المستبعدة» في بنية الاتصال الأوراسية الجديدة. ويتطلب تحقيق هذا الهدف إجراءات من قبيل تسريع مشروع رشت – أستارا، وتطوير الاتصال السككي والطرقي بآسيا الوسطى، وتعزيز الموانئ الجنوبية وربطها بالشمال، وتفعيل مسار إيران – أرمينيا – جورجيا، وإنشاء ترتيبات مالية وتأمينية للحد من تأثير العقوبات.
وعلى المستوى الدبلوماسي، يمكن لطهران أيضاً أن تتفاعل في الوقت نفسه مع باكو ويريفان وأستانا وأنقرة وموسكو وبكين، وأن تعيد ترتيب المشهد على نحو يحول دون تحول التنافس إلى «لعبة محصلتها صفر». كما يمكن للتعاون مع جمهورية أذربيجان في المسارات التكميلية، والحوار مع أرمينيا بشأن ترتيبات النقل، أن يساعدا في الحفاظ على خيارات إيران.
وفي نهاية المطاف، فإن التنافس الترانزيتي في القوقاز وآسيا الوسطى لا يدور، أكثر من أي شيء آخر، حول الاستحواذ على ممر واحد، بل حول السيطرة على «شبكة الاتصال». وإذا تمكنت إيران من تفعيل عدة مسارات تكميلية في الوقت نفسه والحفاظ على موقعها في شبكة الصين وآسيا الوسطى وروسيا والقوقاز، فإن التحولات الإقليمية لن تؤدي بالضرورة إلى تقليص عمقها الجيوسياسي. أما في حال عدم حدوث ذلك، فإن مزيج النفوذ التركي المتزايد، والاتصال العابر للحدود لجمهورية أذربيجان وآسيا الوسطى، ورأس المال والشبكة الصينية، يمكن أن يغيّر جزءاً من الميزة الجغرافية لإيران لمصلحة المنافسين.
0 Comments