جدیدترین مطالب
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أحدث المقالات
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
قلق الكيان الصهيوني من بيع مقاتلات إف-35 إلى السعودية وتركيا

حميد خوش آیند ـ خبير في الشؤون الإقليمية
لا تزال المحادثات بين تركيا والسعودية لشراء مقاتلات إف-35 من الولايات المتحدة مستمرة. وقد قال دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، رداً على سؤال بشأن احتمال التوصل إلى اتفاق لبيع إف-35 إلى تركيا: “نحن نفكر في هذا الموضوع بجدية كبيرة”. كما أعلن ترامب مؤخراً، في تصريحات أخرى، دعمه لبيع مقاتلات إف-35 إلى السعودية. وتأتي هذه التصريحات في وقت يعارض فيه الكيان الصهيوني بشدة أي خطوة أمريكية لبيع مقاتلات إف-35 إلى البلدين المذكورين وإلى أي دولة أخرى في غرب آسيا.
المنطق الأمني للكيان الصهيوني في معارضة بيع مقالات إف-35
تُعد معارضة الكيان الصهيوني لهذا الأمر، والمساعي التي يبذلها مسؤولوه على أعلى المستويات، وبشكل مكثف وجدي، في البيت الأبيض والكونغرس لمنع بيع مقاتلات إف-35 إلى أنقرة والرياض، أمراً طبيعياً تماماً؛ إذ لا يرغب الكيان الصهيوني في إضعاف تفوقه الجوي في واحدة من أهم مناطق العالم، أي غرب آسيا والعالم الإسلامي، حيث یوجد أعداؤه الرئيسيون والاستراتيجيون.
إن احتكار الكيان الصهيوني لعقود طويلة امتلاك مقاتلات إف-35 حوّل هذه الطائرة إلى أداة استراتيجية لا تضمن أمن هذا الكيان فحسب، بل تكفل أيضاً قدرته على فرض القوة وإيجاد ردع عابر للحدود. وبعبارة أخرى، فإن إصرار الكيان الصهيوني على الاحتفاظ باحتكار امتلاك مقاتلات إف-35 في المنطقة نابع من حسابات أمنية وعسكرية دقيقة، تشكل المحافظة على الاحتكار النوعي، وضمان التفوق الجوي المطلق، وصيانة أدوات الردع خارج الحدود، ركائزها الأساسية.
على مدى عدة عقود، عوّض الكيان الصهيوني افتقاره إلى العمق الاستراتيجي من خلال التفوق الجوي والوصول إلى أكثر المقاتلات الأمريكية تطوراً. فقد أتاحت القدرات الشبحية، وأنظمة المعلومات المدمجة، وغيرها من خصائص هذه المقاتلة، لتل أبيب إمكانية تصميم وتنفيذ عمليات في العمق الإقليمي لأي خصم محتمل، مع الحد الأدنى من المخاطر على نفسها. إن فقدان احتكار هذه القدرات، ووصولها، ولا سيما إلى أيدي تركيا والسعودية، اللتين تُعدّان من المنافسين الإقليميين للكيان الصهيوني وتمتلكان قدرات مالية عالية وطموحات جيوسياسية، يعني تقليص الفجوة النوعية ورفع كلفة أي عمل هجومي مستقبلي لهذا الكيان.
إن رغبة تركيا والسعودية وجهودهما المكثفة لإبرام عقود شراء مقاتلات إف-35 من الولايات المتحدة، والتي ستُعد في حال تحققها نقطة تحول مهمة في تاريخ مبيعات السلاح الأمريكي في المنطقة، تطرح هذا التساؤل: هل ستتراجع الولايات المتحدة عن سياسة الحفاظ على التفوق الجوي للكيان الصهيوني في المنطقة أم لا؟
للإجابة عن هذا السؤال، يمكن القول إن سياسة إدارة ترامب في هذا المجال تتشكل بين قضيتين أساسيتين، أو بعبارة أدق بين ضغطين متعارضين؛ فمن جهة، لا تزال الولايات المتحدة ترى نفسها ملتزمة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي للكيان الصهيوني بوصفه حجر الأساس للتحالف الثنائي في المنطقة. ومن جهة أخرى، لا تستطيع الولايات المتحدة، ولا سيما إدارة ترامب، التغاضي عن المصالح المالية والاقتصادية الواسعة الناجمة عن التحالفات الإقليمية، وخصوصاً مع الدول الغنية مثل السعودية؛ وهي مصالح تؤدي دوراً مؤثراً في تحقيق شعار “أمريكا أولا”.
ولا بد من الإشارة إلى أن بيع مقاتلات إف-35 لحلفاء مثل السعودية، التي تُعد من أبرز المرشحين للانضمام إلى مسار التطبيع واتفاقيات إبراهيم، يعكس أيضاً رغبة واشنطن في استخدام هذه المقاتلة أداةً لتحقيق التكامل الأمني داخل معسكر حلفائها.
التداعيات الاستراتيجية وآفاق المستقبل
إن المقاومة الشديدة التي يبديها الكيان الصهيوني تعكس وجود خطوط حمراء واضحة لدى تل أبيب في هذا الملف. ومن المرجح أن تقوم الولايات المتحدة، على المدى القصير، بربط بيع مقاتلات إف-35 لهذين البلدين بضمانات أمنية صارمة ضد الخصوم والأعداء الإقليميين والدوليين، وبالتعهد بعدم استخدامها ضد مصالح الكيان الصهيوني. غير أن المنطق الجيوسياسي والمصالح الاقتصادية للشركات الكبرى المصنعة للسلاح سيدفعان واشنطن، على المدى البعيد، نحو توسيع دائرة مالكي مقاتلات إف-35 تدريجياً بين حلفائها.
وعلى أي حال، يقيّم الكيان الصهيوني بيع مقاتلات إف-35 إلى السعودية وتركيا على أنه تهديد جدي لأمنه، ما لم تعمل الولايات المتحدة، من خلال آليات محددة، على الحفاظ على التفوق الجوي لهذا الكيان. وفي هذا الإطار، يبدو أن واشنطن ستحاول، بالتوازي مع بيع هذه المقاتلة لحلفاء إقليميين آخرين، والذين تُعد تركيا والسعودية أبرزهم في الوقت الراهن، الحفاظ على التفوق العملياتي للكيان الصهيوني مقارنة بسائر المالكين الإقليميين، من خلال التحكم في الوصول إلى بعض القدرات البرمجية والعتادية الخاصة، وأنظمة الدعم وقطع الغيار.
وعلى الرغم من أن هذا المسار قد يُضعف إلى حد ما التفوق التقني المطلق الذي كان يتمتع به الكيان الصهيوني في السابق، فإنه يتيح لواشنطن الاستجابة لمطالب تركيا والسعودية وغيرهما من طالبي مقاتلات إف-35، مع الإبقاء على الكيان الصهيوني بوصفه الأكثر تقدماً وكفاءة في امتلاك هذه المقاتلة في المنطقة، وضمان مستوى مقبول من أمنه وقدرته الردعية.
وفي النهاية، سواء مع تقديم الضمانات أو من دونها، أو عبر أي آلية بديلة أخرى، قد يواجه الكيان الصهيوني للمرة الأولى منذ عقود تراجعاً في الفجوة النوعية لتسلحه مقارنة ببعض جيرانه؛ وهو وضع يمكن أن يضع أسس عقيدته الأمنية، القائمة على الردع عبر التفوق التكنولوجي المطلق، أمام تحديات جدية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي الإخذ بعين الاعتبار إلى أن دخول مقاتلات إف-35 إلى ترسانات دول المنطقة قد يسهم في إطلاق سباق تسلح جديد في غرب آسيا، بما ينسجم مع المصالح الأمريكية، ويؤدي إلى مزيد من زعزعة البيئة الأمنية الإقليمية؛ وهو مسار، إلى جانب إنعاش سوق شركات السلاح الأمريكية، قد يفضي في نهاية المطاف إلى تعميق مظاهر انعدام الأمن وعدم الاستقرار في المنطقة.
0 Comments