جدیدترین مطالب
تراجع مخزونات الأسلحة الأمريكية وتداعياته الاستراتيجية
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن استمرار الحرب الأمريكية على إيران، فضلاً عن زيادة التكاليف العملياتية، قد أثار تساؤلات حول القدرة الفعلية للترسانة الأمريكية على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في عدة جبهات في الوقت نفسه؛ وهو أمر يؤثر في الردع، والقدرة على الإنتاج الدفاعي، وترتيب أولويات الموارد لدى واشنطن.
أحدث المقالات
تراجع مخزونات الأسلحة الأمريكية وتداعياته الاستراتيجية
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن استمرار الحرب الأمريكية على إيران، فضلاً عن زيادة التكاليف العملياتية، قد أثار تساؤلات حول القدرة الفعلية للترسانة الأمريكية على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في عدة جبهات في الوقت نفسه؛ وهو أمر يؤثر في الردع، والقدرة على الإنتاج الدفاعي، وترتيب أولويات الموارد لدى واشنطن.
نحو تشكل نظام جديد في العلاقات بين القوى

برديا آزادبور ـ خبير في الشؤون الدولية
الترابط بين الحربين؛ حقيقة ميدانية أم سردية جيوسياسية؟
استناداً إلى الأدلة المتاحة، يمكن لتصعيد أيٍّ من هاتين الأزمتين أن يؤثر في موارد الأطراف المعنية، واهتمامها السياسي، وقدراتها العسكرية.
وقد اعتبر المجلس الأطلسي، في تحليل له، الهجوم الأوكراني على سفينة إيرانية في بحر قزوين نموذجاً على الترابط المباشر بصورة أكبر بين الحربين، ورأى أن هذا الحدث زاد من الصلة بينهما. ويعتقد مركز الأبحاث هذا بوجود بعض الروابط العملياتية والتكنولوجية بين الحربين، لكنه يؤكد أن هذه الحقيقة تختلف عن تحولهما إلى حرب واحدة.
في المقابل، ادّعى المعهد الأسترالي للسياسة الاستراتيجية (ASPI)، في تحليل له، وجود تعاون بين الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية. واعتبر هذا التحليل تقرير بيع الصين منظومات صاروخية محمولة على الكتف إلى إيران، ودعم روسيا لطهران، مؤشراً على تعمق التعاون بين هذه الدول. ومن وجهة نظر مركز الأبحاث هذا، لا يمكن اعتبار مثل هذا التعاون تحالفاً عسكرياً من دون أخذ اختلاف مصالح الدول في الاعتبار.
وهذا الموضوع نفسه يوضح الفرق بين “ترابط الحروب” و “تشكّل كتلة”. فقد أتاحت الحرب الأوكرانية لإيران وروسيا الاقتراب من بعضهما بعضاً في مجالات مثل تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، والالتفاف على العقوبات، وبعض أشكال التعاون العسكري، إلا أن الصين وروسيا وإيران لا تمتلك أهدافاً متطابقة في جميع القضايا. فالصين لديها علاقات اقتصادية واسعة مع الغرب، وروسيا تتابع اعتبارات خاصة بها تجاه أوروبا وآسيا، فيما تمتلك إيران مصالح أمنية وإقليمية مستقلة. ومن ثم، فإن التعبير الأدق ليس تشكل تحالف متماسك وذي قيادة موحدة، وإنما تقارب المصالح وزيادة التعاون.
تزايد التقارب الجديد غير الغربي
وصف معهد لوي، في دراسة حول التعاون بين إيران وروسيا وكوريا الشمالية والصين، هذا التعاون بأنه متزايد، لكنه “متأثر باختلاف المصالح”. ويظهر هذا التقييم أن تعاون الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية في مواجهة الضغوط الغربية يمكن أن يكون حقيقياً ومتنامياً، لكنه لا يعني بالضرورة تبني استراتيجية مشتركة في جميع المجالات.
وتزداد أهمية هذا التعاون بالنسبة إلى إيران في ظل تصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية الغربية. ويمكن لتطوير التعاون مع روسيا والصين أن يوفر إمكانات في مجالات التكنولوجيا والتجارة والتمويل والحد من آثار العقوبات، لكن لا ينبغي تفسير هذا المسار على أنه ضمان لدعم واسع من جانب هاتين الدولتين لطهران. فمصالح موسكو وبكين تتقاطع مع إيران في بعض المجالات، وقد تختلف عنها في مجالات أخرى؛ ولذلك تظل السياسة الخارجية الإيرانية بحاجة إلى الحفاظ على استقلالية اتخاذ القرار وتنويع العلاقات الخارجية.
كما تتابع روسيا هذه التطورات في إطار سعيها إلى الحد من الاعتماد على الآليات الخاضعة لهيمنة الغرب. وقد شدد المجلس الروسي للشؤون الدولية، في بحث حول الأمن المالي لمنظمة شنغهاي للتعاون، على إنشاء بنى تحتية متعددة الأطراف للتسويات المالية والحد من تعرض الأعضاء للضغوط المالية الغربية. ومن هذا المنظور، أدت الحرب الأوكرانية والعقوبات المترتبة عليها إلى زيادة حافز موسكو لتطوير آليات مالية أكثر استقلالاً.
كما بحث مقال على موقع “روسيا في الشؤون العالمية” بشأن فضاء المدفوعات في مجموعة بريكس، اقتراح إنشاء فضاء مشترك للمدفوعات. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين اقتراح إنشاء آلية، وإنشاء بنى تحتية للتسويات بالعملات الوطنية، وتنفيذ نظام مشترك للمدفوعات. فالمصادر المتاحة تتحدث في الغالب عن تصميم واقتراح آليات مشتركة، وهو ما لا يكفي للقول بتشكل نظام مالي بديل ومستقل عن النظام الغربي؛ ولذلك فإن بريكس في الظروف الراهنة ليست بديلاً جاهزاً للنظام المالي القائم، وإنما تمثل، بدرجة أكبر، ساحة للحد التدريجي من الاعتماد المالي.
الحروب وتشكل نظام جديد للقوة
في الوقت نفسه، فإن الربط بين الحربين، من منظور واشنطن وكييف، يؤدي وظيفة سياسية واستراتيجية. فمن هذا المنظور، يمكن لهذا السرد أن يقدم الحرب ضد إيران باعتبارها جزءاً من منافسة أوسع مع روسيا والصين وغيرهما من القوى المنافسة، وأن يبرر ضرورة مواصلة دعم الحلفاء.
ومن جهة أخرى، فإن تزامن الحرب في أوكرانيا والحرب التي تشنها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، زاد بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أهمية التعاون غير الغربي. ويمكن لهذا التعاون، في المجالات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والمالية، أن تخفف جزئياً من الضغوط الناجمة عن العقوبات والضغوط السياسية، لكنها لا تحل محل القدرات الداخلية والسياسة الخارجية المستقلة لإيران. وفي الوقت نفسه، ترى طهران ضرورة عدم الاعتماد بشكل كامل على كتلة مناهضة للغرب، وتجنب الوقوع، إن أمكن، في موقف ينطوي على قابلية عالية للتعرض للضغوط.
وعموماً، تدعم الأدلة المتاحة بدرجة أكبر سيناريو “التقارب الاستراتيجي من دون إعلان تحالف رسمي”. فقد أصبحت الروابط القائمة بين الحرب في أوكرانيا والحرب ضد إيران أكثر واقعية من مجرد سردية دعائية، لكنها لا تكفي للحديث عن تشكل تحالف متماسك ومستدام. أما النتيجة الأهم لهذا المسار فتتمثل في التشكل التدريجي لشبكات من التعاون العسكري والتكنولوجي والمالي والسياسي، بما يمكن أن يقلل اعتماد بعض الدول على الآليات الغربية.
وبالنسبة إلى إيران، تتمثل الفرصة الرئيسية في هذا المسار في الاستفادة من إمكانات التعاون مع روسيا والصين وغيرهما من الفاعلين غير الغربيين لزيادة القدرة على الصمود الاقتصادي والأمني، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية اتخاذ القرار. وسيتوقف مستقبل النظام الدولي على مدى قدرة هذه الدول على حل خلافاتها، وعلى قدراتها الاقتصادية، وعلى قدرة الغرب على الحفاظ على تفوقه المالي والتكنولوجي والعسكري. ومن ثم، لا ينبغي النظر إلى التطورات الراهنة باعتبارها مؤشراً على تشكل مؤكد لنظام جديد أو كتلة موحدة مناهضة للغرب، وإنما باعتبارها مؤشراً على تحرك تدريجي نحو توزيع أكثر تنوعاً للقوة.
0 Comments