المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إخلاء غزة من السكان الفلسطينيين هو من الأمنيات القديمة للكيان الصهيوني. وقد حظي هذا المخطط باهتمام تيار "اليمين المتطرف في إسرائيل" و"الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة" منذ عام 2018 عندما تم إقرار قانون "إسرائيل كدولة قومية لليهود".
حميد خوش آيند ـ خبير في الشؤون الإقليمية
لقد تم تداول هذا المخطط عدة مرات في الأوساط الداخلية للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي أثناء حرب غزة، لكن مقاومة سكان غزة، حماس والجهاد الإسلامي، حالت دون تحقيقه.
ترحيل سكان غزة هو جزء من “الحلم الكبير” الذي يعتقد أنه من أجل تحقيق “دولة إسرائيل”، يجب ترحيل سكان الضفة الغربية إلى الأردن، وسكان قطاع غزة إلى مصر، والفلسطينيين والعرب المقيمين في الأراضي المحتلة إلى دول أخرى.
الهدف الذي لم يتمكن الكيان الصهيوني من تحقيقه في الحرب، تم طرحه من قبل ترامب عدة مرات، في ظل وقف الحرب. ففي الأيام الأخيرة، طالب الرئيس الأمريكي الجديد، بالتعاون مع عناصر من اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني، في تصريحاته المثيرة للجدل، بإخلاء غزة بالكامل وتوطين الفلسطينيين في الدول العربية المجاورة، تحت “ذريعة” حل المشاكل الموجودة في غزة. وقد أطلق ترامب على خطته اسم استراتيجية “الإخلاء الفعال” لغزة.
وهذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها رئيس أمريكي بشكل “صريح” و”علني” حلم الكيان الإسرائيلي القديم المتمثل في ترحيل سكان غزة. ويبدو أن الإدارة الأمريكية تنوي هذه المرة، من خلال الحوافز المالية والاقتصادية، وإذا لزم الأمر، من خلال التهديدات والضغوط السياسية والاقتصادية، إجبار الأردن ومصر على قبول وتوطين أكثر من مليوني فلسطيني.
بالطبع، خطة ترامب ليست سوى حلم، لأنها تواجه عقبات كبيرة، أهمها فيما يلي:
العقبة الأولى؛ هي أن خطة ترامب تواجه “معارضة جدية” في “المبدأ” و”الوجهة” حيث يجب تنفيذها، كما أن الظروف والبيئات اللازمة لدفعها وتنفيذها غير موجودة. لقد أظهرت التجربة أن الشعب “المقاوم” في غزة لن يرضخ لتنفيذ مثل هذه الخطة تحت أي ظرف من الظروف، ولن يغادر غزة.
وكما ذكر، فإن ترحيل سكان غزة قد تم متابعته بأشكال مختلفة من قبل الإدارة الأمريكية والكيان الإسرائيلي على مدى أكثر من 70 عاماً. فمنذ عام 1953، عندما توصلت مصر ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والولايات المتحدة إلى اتفاق بشأن إعادة توطين 12 ألف عائلة من اللاجئين الفلسطينيين من قطاع غزة في شبه جزيرة سيناء، وحتى اليوم عندما أعيد طرح الخطة المذكورة مرة ثانية، بقي الاتفاق حبراً على ورق، وبالتالي فإن إمكانية تنفيذ الخطة غير موجودة بالتأكيد.
واقع غزة يختلف تماماً عما يتصوره الأمريكيون والصهاينة. فقد عانت غزة على مدى 70 عاماً من هجمات عسكرية وضغوط مختلفة، ومرت بظروف صعبة للغاية. ورغم الكوارث الإنسانية الكبيرة التي فرضت عليها، إلا أن سكانها أصبحوا مقاومين أكثر من ذي قبل أمام الترحيل والنزوح.
لو كان مقرراً ترك غزة، لكان سكانها قد غادروا المدينة خلال الحرب الأخيرة، التي شهدت أسوأ الظروف المعيشية والإنسانية والأمنية والاقتصادية، حتى إنهم لم يتمكنوا من الحصول على مياه الشرب. لكن بإرادة وصمود الأهالي، لم يحدث ذلك. لا يمكن إجبار السكان الذين لم ينزحوا حتى داخل غزة من الشمال إلى الجنوب على النزوح منها.
العقبة الثانية؛ هي المعارضة الشديدة من جانب مصر والأردن لتنفيذ مثل هذه الخطة، حيث يرون أنها تؤدي إلى توسيع الصراع وتتناقض مع مصالحهم وأمنهم القومي. وقد كتب وزير الخارجية الأردني تغريدة في صفحته على منصة “إكس” رداً على طلب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لترحيل سكان غزة مؤقتاً إلى الدول المجاورة، جاء فيها: “معارضتنا للترحيل ثابت وغير قابل للتغيير، ومن الضروري تحقيق الاستقرار والسلام الذي نريده جميعاً”.
كما أكدت وزارة الخارجية المصرية في بيان أصدرته: “إن الترحيل القسري للفلسطينيين من أراضيهم، سواء كان مؤقتاً أو طويل الأمد، غير مقبول. والقاهرة تعارض أي مساس بحقوق الشعب الفلسطيني من خلال الاستيطان أو ضم الأراضي”.
والجدير بالذكر أن خطة ترامب قد أعيد طرحها أيضاً من قبل قادة تل أبيب في بداية حرب غزة، حيث رفضت كل من الأردن ومصر هذا الاقتراح بشدة.
العقبة الثالثة؛ هي المعارضة الواسعة التي نشهدها على المستوى الإقليمي والدولي بشأن ترحيل سكان غزة. يبدو أنه باستثناء حكومة الكيان الصهيوني والعناصر المتطرفة في هذا الكيان، وكذلك الإدارة الأمريكية، لا توجد أي دولة أو هيئة إقليمية أو دولية، حتى بين شركاء الولايات المتحدة، تؤيد ترحيل سكان غزة خارج فلسطين المحتلة.
العقبة الرابعة؛ هي تعارُض هذا الاقتراح مع المعاهدات والقرارات الدولية. على سبيل المثال، تنص الفقرة 1 من المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة على “حظر الترحيل القسري الجماعي أو الفردي من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى”. كما عرّف ميثاق المحكمة العسكرية الدولية في نورنبرغ عام 1945 والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عمليات الترحيل الجماعي للسكان المدنيين بأنها “جريمة ضد الإنسانية” في ظروف معينة.
العقبة الخامسة؛ هي المعارضة لهذه الخطة داخل الولايات المتحدة، حتى بين أعضاء الحزب الذي ينتمي إليه ترامب. على سبيل المثال، يعتبر “ليندسي غراهام”، السيناتور الجمهوري المعروف بتطرفه وحماسه للحرب ودعمه للكيان الإسرائيلي، أن تنفيذ مثل هذه الفكرة أو الاقتراح غير عملي.
لذا، من الطبيعي فإن طرح مثل هذه المواضيع قبل أن يكون حلاً لمشكلة فلسطين وسكان غزة، سيكون المنشأ لظهور مسائل أخرى وبدء جولة جديدة من الصراعات وأعمال العنف. إن طرح مثل هذه الأفكار يشجع الكيان الإسرائيلي المجرم على مواصلة جرائمه الحربية والإنسانية في غزة.
محاولة ترحيل سكان غزة هي “خط أحمر” لفصائل المقاومة الفلسطينية وجبهة المقاومة الإسلامية في المنطقة. فالحل الوحيد لقضية فلسطين هو إنهاء الاحتلال وتحرير القدس.
0 Comments