جدیدترین مطالب
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أحدث المقالات
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
الترويكا الأوروبية والمفاوضات النووية الإيرانية الأمريكية

الدكتور محمد مهدي مظاهري ـ أستاذ جامعي
ومع ذلك، ينبغي القول إن دول الترويكا الأوروبية، بوصفها من الأطراف الرئيسة في الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، ورغم تجاهلها من طرف ترامب، قادرة على أداء دور تكميلي، كما هو حال الصين وروسيا، في تهيئة المناخ الدبلوماسي المحيط بالملف النووي الإيراني وتعزيز فرص نجاح المفاوضات. وتظهر مواقف هذه الدول الأخيرة أن نهجهم تجاه المفاوضات الجارية یتسم بمزيج من القلق والحذر إلى جانب سعيها للحفاظ على نفوذها السياسي. ويبدو أن مواقف الدول الأوروبية الثلاث تجاه المفاوضات النووية الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة تتأثر بعدة عوامل رئيسة:
1- الدعم الشامل للكيان الإسرائيلي: مجاراة مسؤولي الكيان الإسرائيلي الذين يحاولون دائماً تحسيس الرأي العام العالمي بخطر حصول إيران على قنبلة نووية، وإذا أمكن تحويل الاتفاق الجديد إلى شرط مسبق لإنهاء البرنامج النووي الإيراني، فإن الترويكا الأوروبية تؤكد باستمرار على منع إيران من الحصول على السلاح النووي، وفي الواقع، تكرر في مواقفها مخاوف ومطالب الكيان الإسرائيلي.
2- التأثر والقلق من البقاء خارج المفاوضات: أدى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018 والمفاوضات غير المباشرة الحالية بين إيران والولايات المتحدة إلى تهميش دور أوروبا. وأعربت فرنسا عن استيائها الشديد إزاء هذه القضية، مؤكدة على ضرورة أن يلبي أي اتفاق جديد المصالح الأمنية الأوروبية. وتدعم ألمانيا المفاوضات الجارية، وإن كان ذلك بنبرة أكثر تحفظاً، لكنها تطالب بتنسيق المفاوضات مع مصالحها. أما بريطانيا، ورغم قربها التقليدي من السياسات الأمريكية، فهي تحاول أن تلعب دوراً معتدلاً وحذراً ووسيطاً، إلا أنها تظل قلقة بشأن نتائج أي اتفاق لا تكون الدول الأوروبية حاضرة في مراحل صياغته.
3- التلويح بتفعيل آلية الزناد (سناب باك) والعقوبات: هددت الترويكا الأوروبية مراراً وتكراراً بأنها ستلجا إلى تفعيل آلية الزناد التي تتيح عودة العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة ضد إيران، في حال تعرض الأمن الأوروبي للخطر أو فشل المفاوضات،. وقد تم طرح هذا التهديد، خاصة من جانب فرنسا، كأداة ضغط للتأثير على مسار المفاوضات. لكن أوروبا تبدو مترددة في تفعيل هذه الآلية، إلا إذا توصلت الى نتيجة مفادها أن العقوبات قد تكون قادرة على توجيه حل القضية النووية الإيرانية نحو مصالحها. بالإضافة الى ذلك، بما أن إيران أوفت بجميع التزاماتها بموجب الإتفاق النووي وواجباتها وفقاً لقواعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإن ردود أفعالها بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وعجز الدول الأوروبية عن الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق، كانت قانونية تماماً وتحت إشراف الوكالة. لذا فإن الترويكا تعلم جيداً أن اللجوء إلى هذه الآلية لا يجد له أي مبرر منطقي أو مقبول لدى الرأي العام العالمي.
4- المخاوف الإقليمية وغير النووية: رغم أن المسؤولين الإيرانيين أكدوا دائماً على أن المفاوضات النووية يجب أن تقتصر على القضايا النووية، إلا أن الدول الأوروبية، خاصة فرنسا وبريطانيا، تثير قضايا مثل البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم محور المقاومة والتعاون العسكري المزعوم لإيران مع روسيا في الحرب الأوكرانية، باعتبارها عقبات رئيسية أمام تحسين العلاقات مع إيران، وتميل إلى أن تُطرح هذه القضايا وتحل جنباً إلى جنب مع الملف النووي الإيراني، وهو أمر غير مقبول بالنسبة لإيران وتتفهمه الولايات المتحدة إلى حد ما.
من جهته، يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تنفيذ وعوده الانتخابية بالظهور بمظهر البطل الخارق والقادر على حل المشاكل العالمية، عن طريق إزالة العقبات المرهقة والرادعة من امام مسار التوصل إلى اتفاق مع إيران والتركيز فقط على منعها من إمتلاك قنبلة نووية، رغم تعرضه لضغوط شديدة من المتشددين في الداخل الأمريكي، وكذلك من اللوبي الصهيوني.
على ضوء ما تقدم، فمن الضروري أن يواصل وزير خارجيتنا تعزيز مبادرته الطيبة بشكل أكبر لتوجيه الدول الأوروبية الثلاث، على غرار ما تم مع روسيا والصين، لكسب ثقتها وإزالة مخاوفها المحتملة، وذلك عبر حوار شفاف، والعمل على تعزيز التعاون معها من أجل دفع المفاوضات الحالية مع الولايات المتحدة وحل الملف النووي.
ومن الواضح أن إزالة المخاوف وحل القضية النووية ورفع العقوبات سيوفر أرضية مناسبة لتوسيع التعاون التجاري والاقتصادي المتنوع بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا ودول أخرى من جهة أخرى. كما أنه سيتيح تنفيذ مشاريع مختلفة في إيران والتي ستتضمن مصالح مشتركة ومتبادلة بين إيران وهذه الدول.
من ناحية أخرى، يمكن لإيران أن تحبط مزاعم الدول الأوروبية حول مخاوفها بشأن التخصيب، كما حدث في الأسابيع الأخيرة، وذلك من خلال تعزيز تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وخاصة في مجال التفتيش وتقديم تقارير أكثر دقة.
كما إن فصل الملف النووي عن القضايا غير النووية يشكل استراتيجية أخرى في التعامل مع الدول الأوروبية. ويجب على إيران أن تؤكد في المفاوضات مع هذه الدول على أن القضايا غير النووية مثل حقوق الإنسان أو السياسات الإقليمية، لا ينبغي ربطها بالمفاوضات النووية، وأن هذا الامر يمكن أن يكون محل نقاش منفصل في المستقبل وفي مجالات مختلفة. إن التقدم في هذا النقاش من شأنه أن يسمح لأوروبا بالشعور بأن إيران تولي اهتماماً لمخاوفها، دون أن يؤدي ذلك إلى وقف المفاوضات النووية.
ويشكل التواصل مع الرأي العام الأوروبي خطوة مهمة أخرى في هذا الصدد؛ في ظل الظروف التي تصور فيها المعارضة الإيرانية في الخارج ووسائل إعلامها أجواء سلبية ومظلمة للغاية حول إيران في المجتمع الدولي، ينبغي على المسؤولين في الجهاز الدبلوماسي توظيف أدوات الدبلوماسية العامة لتحسين صورة البلاد على الساحة العالمية، وخاصة في أوروبا. كما أن نشر مقالات ومقابلات مع المسؤولين الإيرانيين في وسائل الإعلام الأوروبية المرموقة، وتنظيم لقاءات ثقافية وعلمية مشتركة، ودعوة الصحفيين الأوروبيين لزيارة إيران، من شأنه أن يساعد في تقليل سوء التفاهم.
وختاماً لا بد من القول؛ في المرحلة الراهنة، ولتمهيد الطريق أمام اتفاق نووي قوي وفعال، يتوجب على إيران أن تستقطب دعم الدول الأوروبية ومنعها من عرقلة الجهود وذلك من خلال اعتماد دبلوماسية نشطة، وتوضيح توجهاتها بشفافية، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وفصل الملف النووي عن القضايا غير النووية بحكمة. وفي هذا السياق، من الأهمية بمكان تحقيق التوازن بين الحفاظ على المصالح الوطنية والاعتزاز الوطني وخلق مناخ من الثقة مع أوروبا. إن النجاح في هذا الأمر لا يساعد فقط في دفع المفاوضات النووية إلى الأمام، بل قادر أن يعزز أيضاً مكانة إيران في النظام الدولي.
0 Comments