المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: رغم الخلافات الواسعة بين نتنياهو ورئيس أركان جيش الكيان الصهيوني، وقّع في النهاية إيال زامير الإطار الأساسي لخطة احتلال مدينة غزة بعد موافقة مجلس حرب الكيان على السيطرة على المدينة؛ وهو قرار يمكن أن تكون له تداعيات واسعة في الأراضي المحتلة والمنطقة.
حميد خوش آيند ـ خبير في الشؤون الإقليمية
جاء هذا الإجراء في خضم التوترات المتصاعدة والاشتباكات الجارية، وهو يعكس تشديد النهج العسكري للكيان الصهيوني تجاه غزة. ورغم أن التفاصيل الدقيقة لهذه الخطة والجدول الزمني لتنفيذها لم تُنشر بعد بشكل كامل، فإن هذا القرار أثار القلق على المستويين الإقليمي والدولي بشأن تفاقم الأزمة الإنسانية والسياسية في قطاع غزة.
إلى جانب ذلك، يسعى الكيان الصهيوني إلى بدء عملية احتلال غزة في وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية لإيجاد حل مستدام محتمل في المنطقة مستمرة، غير أن هذا القرار الجديد يزيد من تعقيد الأوضاع القائمة أكثر فأكثر.
لقد تحولت غزة اليوم إلى مأزق أساسي وغير مسبوق في الاستراتيجيات العسكرية والأمنية والسياسية وغيرها بالنسبة للكيان الصهيوني. فبعد نحو عامين من الحرب الشاملة وبطريقة وحشية جرى خلالها انتهاك جميع القوانين الدولية، لم يتمكّن الكيان الصهيوني حتى الآن من تحقيق أهدافه في هذا الشريط الساحلي.
كما أن الشروط الخمسة لنتنياهو بشأن وقف إطلاق النار مع حماس، التي أُعلن عنها مؤخراً، تُظهر بوضوح أن الكيان الصهيوني قد فشل فعلياً في تحقيق أهدافه من الحرب، وأنه مع قرار احتلال غزة قد عاد إلى نقطة البداية للحرب التي انطلقت في أعقاب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دون أي مكاسب استراتيجية.
وفي ضوء الهجوم المرتقب للكيان الصهيوني لاحتلال غزة، يمكن الإشارة إلى بعض التحديات والعقبات التي تعترض عملية احتلال غزة وتداعياتها المحتملة:
التحدي الأول هو مقاومة حركة حماس. تُعتبر المقاومة التي تبديها حماس التحدي الأول والأهم أمام عملية احتلال غزة من جانب الكيان الصهيوني. فعلى عكس ما يتصوره الصهاينة، فإن حماس وبعد 22 شهراً من الحرب، ورغم اشتداد الضغوط، استطاعت التكيف مع الأوضاع الجديدة وتواصل المقاومة والقتال. وقد ظهر ذلك جلياً في العمليات النوعية المميتة التي نفذها مقاتلوها مؤخراً في غزة، والتي كبدت جيش الكيان الصهيوني خسائر فادحة. وهذا بالتحديد ما كان يعرفه رئيس أركان جيش الكيان الصهيوني، ولذلك سبق أن عارض عملية احتلال غزة.
وكما يظهر من مواقف رئيس أركان الجيش وتصريحاته السابقة، فإن توسيع العمليات العسكرية في بيئة حضرية مثل غزة، حيث لا تزال حماس تملك زمام المبادرة، يعد بالغ الخطورة وذا تكلفة عالية. ذلك أن حماس وبعد استعادة قدراتها، ما زالت قادرة على استخدام شبكة أنفاقها الواسعة لشن هجمات مباغتة على الجنود الصهاينة وزرع العبوات الناسفة داخل المباني. وبالتالي فإن خطة نتنياهو ستقود حتماً إلى مزيد من الخسائر في صفوف القوات الصهيونية من دون أن تحقق الأهداف المعلنة لهذه الجولة الجديدة من العمليات.
وعليه، فبرغم ما تكبدته حماس من أضرار جسيمة خلال الحرب، إلا أنها ما زالت قوة أساسية وفاعلة ميدانياً وعسكرياً وسياسياً في غزة، قادرة على الحكم والمقاومة في وجه جيش الكيان الصهيوني، وذلك بفضل تجذّرها العميق في المجتمع الغزي وحفاظها على قدراتها العسكرية والسياسية.
التحدي الثاني هو حالة الإنهاك التي يعاني منها جيش الكيان الصهيوني. إن ما يقارب عامين من الحرب المستمرة في غزة، والتي لا يُرى لها أفق، وضعت جيش الكيان الصهيوني في وضع يعاني فيه من أزمات داخلية كبيرة. من بين المشاكل المهمة في هذا الصدد، نقص القوى البشرية، إلى جانب مشكلات نفسية غير مسبوقة منذ عام 1973، بالإضافة إلى ضعف جاهزية الدبابات والآليات المدرعة ونقص الذخائر والأسلحة، وخصوصاً في القتال البري.
وبذلك، فقد أصبح جيش الكيان الصهيوني منهكاً من الناحية البشرية والتجهيزية، وللسيطرة على 25% المتبقية من غزة، حيث يتركز فيها 80% من سكان القطاع، يحتاج إلى حشد قوات الاحتياط. إذ يوجد حالياً حوالي أربعة ألوية عسكرية في غزة، في حين أن احتلال قطاع غزة بالكامل يتطلب ما لا يقل عن ستة ألوية.
التحدي الثالث هو المعارضة الإقليمية والدولية الواسعة على المستويين الشعبي والرسمي، حتى داخل الأوساط الغربية الحليفة للكيان الصهيوني. وقد ازدادت هذه المعارضة في الأسابيع الأخيرة بسبب الأوضاع الإنسانية المؤلمة ونقص المواد وحالة التجويع المفروضة على سكان غزة من قبل الكيان الصهيوني، ما وضع الرأي العام العالمي على شفا الانفجار. ويعود ذلك في الأساس إلى الغضب من التداعيات الإنسانية وكذلك انتهاك القوانين الدولية وما يترتب على ذلك من تهديد للاستقرار الإقليمي.
التحدي الرابع هو المعارضة الداخلية في الكيان الصهيوني. ويعود ذلك بالأساس إلى القلق المتزايد بشأن مصير الأسرى، حيث يزداد هذا التوتر يوماً بعد يوم. ورغم أن جيش الكيان الصهيوني أعلن أنه لن يهاجم المناطق التي يعتقد بوجود أسرى فيها، إلا أنه لا توجد حتى الأن أي معلومات دقيقة حول أماكن احتجازهم. وهذه المسألة، أي عدم معرفة تل أبيب عن المكان الدقيق للأسرى، تُعد واحدة من أهم العقبات أمام تقدّم جيش الكيان الصهيوني داخل غزة، خاصة أن حركة حماس هدّدت بأن هذه المغامرة الإجرامية ستكلّفهم ثمناً باهظاً قد يعرّض حياة الأسرى للخطر.
ونتيجة لذلك، فإن خطة احتلال غزة من قبل الكيان الصهيوني، رغم مصادقة مجلس الحرب عليها، تواجه تحديات أساسية وعقبات عديدة تجعل تحقيق الأهداف المعلنة للكيان الصهيوني أمراً غامضاً.
وإذا أصر الكيان الصهيوني على تنفيذ عملية احتلال غزة، فسيدخل بلا شك مرحلة مظلمة من الحرب ذات تداعيات إقليمية ودولية واسعة. وهذه العملية ستؤدي إلى مزيد من عزلة تل أبيب على المستوى الدولي، وقد يدفع بعض الدول المترددة في الاعتراف بدولة فلسطين إلى التخلي عن ترددها والمضي في هذا المسار.
0 Comments