جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
قراءة في نهج أوروبا إزاء إيران

مرتضى مكي ـ باحث في الشؤون الأوروبية
بعد الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، انتهج الأوروبيون مقاربة أكثر جدية وتشدداً تجاه إيران. فقبل اندلاع الحرب، كان الملف الأهم ومحور التفاوض الأساسي بين إيران وأوروبا، إلى حدّ كبير، هو البرنامج النووي الإيراني، وفي هذا الإطار حاول الأوروبيون، بعد انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي، الإبقاء عليه حياً. غير أنّ الاتفاق النووي لم يحقق لإيران أي فائدة اقتصادية تُذكر، وفي الوقت نفسه أدّت العقوبات الثانوية الأمريكية إلى انسحاب شبه كامل للشركات الأوروبية من إيران، وتراجع مستوى العلاقات بين الطرفين إلى أدنى حدّ. ومع ذلك، كانت لدى أوروبا إرادة سياسية للحفاظ على الاتفاق النووي، وفي هذا السياق عُقدت لقاءات بين وفود إيرانية وأوروبية. كما بُذلت محاولات في أواخر رئاسة السيد روحاني، وكذلك خلال فترة الرئيس الراحل رئيسي، من أجل إحياء الاتفاق النووي. إلا أنّه بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، وادعاء أوروبا أنّ إيران حليف عسكري لروسيا، وتعريفها لإيران بوصفها تهديداً لأمنها، تغيّر نمط العلاقة أو طبيعة التفاعل بين بروكسل وطهران.
أحداث خريف عام 2022 وما تلاها، وكذلك الهجمات والتحركات التي جرت في أعقاب عملية طوفان الأقصى، زادت إلى حدّ ما من تعقيد العلاقات بين إيران وأوروبا، ورفعت مستوى التوتر بين الجانبين إلى ما هو أبعد من الملف النووي. وبذلك تحوّلت إيران عملياً إلى تحدٍّ وإشكالية بالنسبة للأوروبيين. سعت أوروبا، من خلال توجيه اتهامات لا أساس لها بشأن تعاون إيران مع روسيا، أو عبر التركيز على سياساتها الداخلية وملف محور المقاومة، إلى وضع إيران تحت ضغوط اقتصادية وسياسية خانقة. وفي أعقاب التطورات التي شهدتها غزة، تعرّضت حركة حماس فعلياً لضغوط سياسية وعسكرية واسعة. وفي لبنان، أقدم الكيان الإسرائيلي على اغتيال السيد حسن نصر الله، واستهدف أيضاً الصفين الثالث والرابع من كوادر الحزب. وفي سوريا، شهدنا سقوط بشار الأسد. كل هذه التطورات دفعت الأوروبيين إلى الاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، ومع إدراكهم الخاطئ عن ضعف إيران اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، أصبحت مطالبهم من إيران هي ذاتها المطالب التي تسعى إليها الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي. وعليه، فإنّ العقوبات التي فرضها الأوروبيون إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران لم تعد مجرد أداة ضغط سياسي واقتصادي لحثّ إيران على قبول مطالب أوروبا، بل باتت هذه الضغوط تهدف عملياً إلى تغيير سلوك إيران. إنّ المواقف التي تعتمدها الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، وألمانيا) تشير بوضوح إلى أنّهم، ما لم تبدأ إيران نوعاً من الحوار أو التفاوض مع الولايات المتحدة، وما لم يُحسم مصير اليورانيوم المخصّب في فوردو ونطنز، فلن يغيّروا سلوكهم تجاه إيران، وهو ما يعكس افتقارهم للاستقلالية في مواجهة السياسات الأمريكية.
وفي هذا السياق يُطرح سؤال مفاده: هل تستطيع إيران الاستفادة من فرص الدبلوماسية القانونية، ولا سيما في محكمة العدل الأوروبية؟ للإجابة، لا بد من القول إنّ إيران سبق أن رفعت دعاوى في عدة ملفات مالية، ولا سيما في القضايا المصرفية، أمام محكمة العدل الأوروبية، وقد صدرت في بعض الحالات أحكام لصالح إيران. غير أنّ هذه الأحكام لم تكن من النوع الذي يمكن أن يُحدث تأثيراً أو تحولاً جدياً في طبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية بين إيران وأوروبا. فمشكلة إيران مع أوروبا هي في الأساس مشكلة سياسية، وما لم تُحل هذه المشكلة، فلن يكون بالإمكان عملياً تسوية القضايا الاقتصادية.
من جهة أخرى، وعلى خلاف الماضي، باتت لدى إيران فرص جديدة لتعويض أو تقليص آثار الضغوط الأوروبية والأمريكية عليها. إنّ الموقف الذي اتخذته الصين وروسيا إزاء تفعيل آلية الزناد، وإعلانهما أنّ العودة إلى هذه الآلية لم تعد مطروحة، يمكن أن يوفّر إلى حدّ ما مساحة جديدة لطهران تُمكّنها من مواصلة مبادلاتها التجارية والاقتصادية مع هذين البلدين، وحتى مع الهند بدرجة معينة. لكن لا يبدو أنّ هذه الظروف قادرة على إحداث الانفراجات الاقتصادية اللازمة لإيران. فالحقيقة هي أنّ العقوبات الأمريكية والأوروبية ضد إيران قد اكتسبت، للأسف، شرعية دولية، وأصبحت الولايات المتحدة تقوم بتوقيف السفن الإيرانية في المياه الإقليمية ومصادرة أموالها بسهولة. ومع ترامب، الذي لا يلتزم بأي قواعد سياسية أو قانونية، لا يمكن التعاطي باستخدام الأدوات القانونية والسياسية لإحداث تغيير في سلوك الحكومة الأمريكية تجاه سياساتها المعادية لإيران. كما لا يُتوقع أن تكون الانفراجات التي توفرها الصين وروسيا بمستوى يُمكن أن يخلق استقراراً اقتصادياً مستداماً في إيران. لذلك، لا بد من البحث عن مبادرات على المستويين الإقليمي والدولي، من أجل تقليص حدّة السياسات الأمريكية المعادية لإيران، وفي الوقت نفسه تهيئة أجواء لحوار قائم على الاحترام والبناء، بهدف تحييد العقوبات.
0 Comments