جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
قراءة تحليلية لخروج القوات الأمريكية من العراق وتداعياته المحتملة

برسام محمدي ـ خبير في الشؤون الإقليمية
يمثّل الثلاثين من سبتمبر/أيلول 2026 نقطة النهاية لـ23 عاماً من الوجود العسكري المباشر الأمريكي في العراق؛ وهو اليوم الذي غادرت فيه آخر قوات التحالف بقيادة واشنطن قاعدة أربيل الجوية، وأطلقت بغداد على هذا اليوم تسمية “يوم السيادة”.
ويكتسب الخروج الكامل للقوات الأمريكية، الذي تحقق تحت تأثير ضغوط الرأي العام والبرلمان والمؤسسات السيادية، ولا سيما فصائل المقاومة العراقية، أهمية استراتيجية. ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى هذا التحول على أنه نهاية التدخل الأمريكي في العراق. فلا تزال واشنطن قادرة على استخدام أدوات أخرى للحفاظ على نفوذها، رغم انتهاء وجودها العسكري المباشر. ومن هنا، يتمثل السؤال الرئيسي فيما إذا كان الخروج العسكري يعني نهاية النفوذ والتدخل الأمريكيين في العراق، أم أن واشنطن تفتتح فصلاً جديداً من النفوذ عبر تغيير أدوات تدخلها؟
التمييز بين خروج القوات العسكرية والتدخل والنفوذ الاستراتيجي
يدرك الخبراء المطلعون على أنماط السلوك الإمبريالي الأمريكي أن خروج القوات الأمريكية لا ينبغي بالضرورة اعتباره نهاية “استراتيجية النفوذ”، بل ينبغي النظر إليه بوصفه نهاية “الوجود العسكري المباشر” فحسب. ولا تزال الولايات المتحدة تسعى إلى ممارسة نفوذها من دون حضور مادي وسيطرة مباشرة. ويُعد التعاون الاستخباراتي، وتدريب القوات العراقية، وبيع الأسلحة، والاتفاقيات الدفاعية الثنائية، والضغوط المالية والاقتصادية، من بين الأدوات التي يمكن أن تتيح لواشنطن الحفاظ على قدرتها على التدخل والتأثير في قرارات بغداد من دون نشر قوات بأعداد كبيرة.
ومن هذا المنظور، فإن خروج الجنود الأمريكيين يعني تغيير شكل ممارسة القوة أكثر مما يعني إلغاءها بالكامل. ولذلك، لا يمكن قياس مدى استقلالية العراق في اتخاذ قراراته بالاستناد إلى عدد القوات الأجنبية الموجودة على أراضيه فحسب، بل يجب أيضاً أخذ أدوات النفوذ غير العسكرية وغير المباشرة في الحسبان.
النفوذ المالي؛ أداة للضغط من دون وجود عسكري
تتمثل إحدى أهم أدوات النفوذ الأمريكية في العراق في السيطرة على النظام المالي لهذا البلد. فمنذ عام 2003، تُحفظ عائدات النفط العراقية في حسابات لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ويمر جزء من وصول بغداد إلى النظام المالي العالمي عبر هذا المسار. وتتيح هذه الآلية للولايات المتحدة التأثير في السياسات المالية والاقتصادية العراقية من دون الحاجة إلى وجود عسكري واسع النطاق.
وفي أبريل/ نيسان 2026، أوقفت الولايات المتحدة إرسال شحنات الدولار إلى العراق، في خطوة أثارت مخاوف في سوق الصرف والاقتصاد العراقي. وتعتمد نحو 90 في المائة من الموازنة الحكومية العراقية على عائدات النفط، ويمكن لأي قيود على الوصول إلى الدولار أن تفرض ضغوطاً كبيرة على اقتصاد بغداد. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتحول الأداة المالية إلى وسيلة مهمة تستخدمها واشنطن للضغط على الحكومة العراقية.
وعليه، فإن الاستقلال العسكري، من دون تقليص التبعية المالية، لا يعني بمفرده تحقيق الاستقلال الكامل. ولتقليص نطاق النفوذ الأمريكي، يتعين على العراق، إلى جانب تعزيز سيادته السياسية والأمنية، الحد من مواطن ضعفه في النظامين المالي والنقدي.
العراق بين نهجين وخطر تفاقم الانقسام الداخلي
لقد جعل الانسحاب الأمريكي معادلة القوة في العراق أكثر تعقيداً. فبعض فصائل المقاومة ترى في انتهاء وجود القوات الأمريكية تحولاً مهماً، وتؤكد ضرورة الحفاظ على قدراتها الدفاعية. كما أعلنت كتائب حزب الله وحركة النجباء أنها لن تقبل بنزع سلاحها، ولن تلتزم حتى بالمهلة التي حددتها الحكومة العراقية في يونيو/حزيران 2027.
وفي المقابل، تستطيع واشنطن الضغط على بغداد لنزع سلاح هذه الفصائل، واستخدام مسألة الانسحاب العسكري أداةً للتأثير في موازين القوى الداخلية في العراق. وإذا تفاقم هذا الخلاف، تزداد مخاطر تحول قضية أمنية إلى انقسام سياسي واجتماعي. ومن ثم، فإن أحد التحديات المهمة في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي يتمثل في إدارة الخلافات الداخلية من دون تهيئة الظروف لعدم استقرار جديد.
الفراغ الأمني والمخاوف من تكرار سيناريوهات الماضي
تكتسب المخاوف من نشوء فراغ أمني بعد الانسحاب الأمريكي أهمية خاصة، ولا سيما في ضوء تجربة عام 2011 وظهور تنظيم داعش في السنوات اللاحقة. ووفقاً للرواية المطروحة بشأن تلك المرحلة، كان الفراغ الناجم عن انسحاب القوات الأمريكية أحد العوامل التي هيأت الظروف لتفاقم انعدام الأمن. واستناداً إلى هذا التصور، لم يُنظر إلى بعض التطورات الأمنية في العراق على أنها مجرد نتائج لأحداث غير مقصودة، بل عُدّت جزءاً من مسار أتاح إعادة الوجود العسكري الأجنبي بصورة اكتسبت شرعية.
وفي الظروف الراهنة أيضاً، ثمة مخاوف من أن يؤدي تحريض الولايات المتحدة على تجدد النشاط الإرهابي أو تصعيده، أو إلى زيادة انعدام الأمن، إلى توفير الذريعة اللازمة لعودة النفوذ الأمني الأمريكي. وفي هذا السيناريو، يمكن أن يتحول الإرهاب من تهديد أمني إلى أداة لإعادة تعريف ضرورة وجود القوات الأجنبية، وأن تجد الحكومة العراقية نفسها مجدداً أمام خيار طلب المساعدة الخارجية.
ومن هذا المنظور، تتمثل القضية الأهم بالنسبة إلى بغداد في منع نشوء ثغرات أمنية، وتعزيز قدرات القوات المحلية، والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة. فكلما ازدادت قدرة الحكومة العراقية على إدارة الملف الأمني ومواجهة التهديدات الإرهابية بصورة مستقلة، تراجعت إمكانية استغلال الأطراف الخارجية لحالة انعدام الأمن من أجل العودة إلى معادلة النفوذ الداخلي.
لقد وضع خروج الولايات المتحدة من العراق حداً لتدخل واشنطن ووجودها العسكري المباشر، لكنه لا يعني نهاية نفوذها. فما زالت الولايات المتحدة قادرة على التأثير في التطورات العراقية من خلال أدوات النفوذ المالية والاقتصادية والاستخباراتية والسياسية، كما يمكنها، إذا توافرت الظروف المناسبة، استغلال الخلافات الداخلية أو الضغوط الاقتصادية لتوسيع نطاق نفوذها.
ومن هنا، تكتسب مرحلة ما بعد انسحاب القوات الأمريكية أهمية خاصة بالنسبة إلى العراق. فتحويل الاستقلال العسكري إلى استقلال فعلي يتطلب تقليص التبعية المالية، وتعزيز القدرات الأمنية الداخلية، وإدارة الخلافات السياسية، والحيلولة دون نشوء فراغات أمنية. وإذا تمكنت بغداد من تعزيز هذه العناصر بالتزامن، فقد يسهم انسحاب القوات الأمريكية في ترسيخ السيادة الوطنية؛ أما إذا لم تفعل ذلك، فمن المحتمل أن يتغير شكل الوجود الأمريكي من دون أن ينتهي نفوذ واشنطن الاستراتيجي في العراق بصورة كاملة.
0 Comments