جدیدترین مطالب
الدبلوماسية الصينية تجاه الولايات المتحدة؛ من تمديد الهدنة التجارية إلى الحفاظ على التوازن في غرب آسيا
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن زيارة شي جين بينغ، رئيس جمهورية الصين، التي استمرت ثلاثة أيام إلى واشنطن ولقاءه دونالد ترامب يومي 24 و25 سبتمبر/أيلول 2026، والتي رافقتها مراسم استقبال رسمية في قاعدة أندروز الجوية، لم تكن، أكثر من كونها مؤشراً إلى تحقيق إنجاز حاسم يفضي إلى حلحلة العلاقات بين القوتين، عرضاً دبلوماسياً لإدارة مستوى التوترات.
أحدث المقالات
الدبلوماسية الصينية تجاه الولايات المتحدة؛ من تمديد الهدنة التجارية إلى الحفاظ على التوازن في غرب آسيا
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن زيارة شي جين بينغ، رئيس جمهورية الصين، التي استمرت ثلاثة أيام إلى واشنطن ولقاءه دونالد ترامب يومي 24 و25 سبتمبر/أيلول 2026، والتي رافقتها مراسم استقبال رسمية في قاعدة أندروز الجوية، لم تكن، أكثر من كونها مؤشراً إلى تحقيق إنجاز حاسم يفضي إلى حلحلة العلاقات بين القوتين، عرضاً دبلوماسياً لإدارة مستوى التوترات.
عقيدة «الردع المعرفي التكنولوجي» في مواجهة ائتلاف الغرب والكيان الصهيوني في حربهما الناعمة

يونس عليزادة ـ خبير في الذكاء الاصطناعي
لن تكون الحرب المقبلة حول الأرض والسماء فحسب، وقد يكون الميدان الرئيسي هو عقل الإنسان والخوارزميات التي تشكّل معلوماته ورواياته وخياراته. وتظهر التطورات الأخيرة في حرب المعلومات أن الحدود بين العمليات النفسية والاتصالات الاستراتيجية والحرب السيبرانية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي آخذة في التلاشي. فإذا كان الهدف الرئيسي للعمليات المعرفية في الماضي هو نشر رواية أو خبر زائف، فإن المسألة الأهم الآن تتمثل في التأثير في البيئة التي يتلقى الإنسان المعلومات ويقيّم مصداقيتها ويفسرها ضمنها.
وقد أتاح الذكاء الاصطناعي إنتاج المحتوى وتخصيصه وتوزيعه وإعادة إنتاجه بسرعة وعلى نطاق لم تعد آليات الدفاع المعلوماتي التقليدية قادرة على مواكبته بسهولة. كما تشير دراسة حديثة للمجلس الأطلسي حول «شبكة الدفاع متعددة الأطراف للحرب المعرفية» إلى أن الإدراك، وفق تقييم صانعي السياسات الأمريكيين، تحول إلى مجال مستقل من مجالات التنافس الأمني، وأن أدوات الذكاء الاصطناعي جعلت عمليات النفوذ أسرع وأوسع نطاقاً.
من الحرب النفسية إلى هندسة البيئة الإدراكية
يكمن الاختلاف بين الحرب المعرفية والحرب النفسية التقليدية في مستوى تحديد أهدافها. فليس الهدف بالضرورة إقناع الجمهور بطرح محدد، وإنما قد يتمثل في تقويض الثقة، وزيادة الارتباك، وتعميق الاستقطاب، وإثارة الشك في مصادر المعلومات. وفي مثل هذه الظروف، حتى إذا لم يتبنَّ الجمهور رواية معينة، فإن انتشار عدم الثقة بوسائل الإعلام والمؤسسات والمعلومات الرسمية يمكن أن يتحول بحد ذاته إلى نتيجة استراتيجية.
ويقترح المجلس الأطلسي، في تقرير حول التعاون بين الولايات المتحدة واليابان وتايوان، إنشاء شبكة مشتركة للدفاع المعرفي انطلاقاً من هذا التصور أيضاً؛ وهي شبكة تقوم على التحديد المشترك للتهديدات، والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، والتنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. ويستخدم هذا التقرير مصطلح «التحكم في الدماغ» لوصف المستوى الجديد من التنافس المعرفي، ويحذر من أن ردود الفعل المنفردة واللاحقة حصراً ستتخلف عن سرعة العمليات القائمة على الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن هذا التقرير يمثل دراسة سياساتية من منظور أمني للولايات المتحدة وحلفائها، ولا ينبغي اعتباره تقييماً محايداً لجميع أطراف النزاع.
كما يرى موقع نادي «فالداي» للحوار، في مقال له، أن الأنماط الجيوسياسية لعصر الحرب الباردة لم تعد كافية لتفسير القوة في عصر الذكاء الاصطناعي؛ لأن عمليات النفوذ الخوارزمية، والهجمات السيبرانية المعززة بالذكاء الاصطناعي، والحملات المعلوماتية المؤتمتة يمكنها التأثير في الأسواق والرأي العام وصنع القرار السياسي من دون أن يعبر جندي واحد الحدود.
الكيان الصهيوني ونقل المعركة إلى داخل الخوارزميات
تتضح أهمية الذكاء الاصطناعي في الحرب المعرفية بصورة أكبر عندما تتحول المنصات التوليدية وروبوتات الدردشة نفسها إلى جزء من ساحة التنافس. ويفيد تقرير تحقيقي لمجلة Wired Middle East بوجود حالة محددة؛ إذ إن شركة «Clock Tower X» الأمريكية، التي تقدم خدمات لحكومة الكيان الصهيوني، أبرمت في عام 2026 عقداً بقيمة 46.5 مليون دولار، وكان الهدف منه، وفق الوثائق المسجلة بموجب قانون Foreign Agents Registration Act (FARA)، «التأثير في نتائج تأطير» المحادثات في «GPT». كما أنشأت هذه الشركة مجموعة من المواقع الإلكترونية لطرح روايات مرغوبة بشأن القضايا السياسية والأمنية.
وأظهرت تجربة أجرتها مجلة «Wired» على ستة روبوتات دردشة، هي «ChatGPT» و«Claude» و«Perplexity » و«Copilot» و«Gemini» و«Grok»، أن بعض هذه الأنظمة أدرجت محتوى تلك المواقع في ردودها من دون أن يذكر المستخدم أسماء المواقع. وفي إحدى الحالات، عكست ثلاثة أنظمة أيضاً رقماً كانت تروّج له إحدى المواقع المرتبطة بهذه الحملة الدعائية في إجاباتها. غير أن التقرير نفسه يؤكد أن «التأثير في روبوتات الدردشة» لا يساوي «التأثير في الرأي العام»، وأن الأدلة المتعلقة بهذين الأمرين ينبغي تقييمها بصورة منفصلة.
وتكمن أهمية هذه التجربة بالنسبة إلى إيران في أن العمليات المعرفية لم تعد بالضرورة مقتصرة على شبكات التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام، وقد تنتقل عبر محرك البحث وقواعد المحتوى، ومن ثم عبر إجابة روبوت دردشة للمستخدم. ونتيجة لذلك، تقترب الحرب من الانتقال من مرحلة «إنتاج الرسالة» إلى «هندسة مسار وصول الجمهور إلى المعلومات».
عقيدة الردع المعرفي التكنولوجي لإيران
في مواجهة مثل هذه البيئة، لا ينبغي أن يقتصر الدفاع المعرفي الإيراني على نفي الأخبار أو الرد بعد انتشار رواية معينة. ويتمثل منطق الردع المعرفي في قدرة الدولة على تحديد مصدر العملية، ورصد نطاق انتشارها، وتشخيص مواطن الضعف الاجتماعية، وإتاحة روايات تستند إلى البيانات والوثائق للجمهور بسرعة.
ويتمثل المكوّن الأول لهذه العقيدة في إنشاء شبكة دفاع معرفي محلية تحلل المعلومات الإعلامية وبيانات شبكات التواصل الاجتماعي واتجاهات البحث والمحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي والسلوكيات الخوارزمية ضمن هيكل مشترك. وينبغي ألا يكون هدف هذه الشبكة السيطرة على الرأي العام، وإنما تعزيز قدرة المجتمع على اكتشاف عمليات النفوذ والتمييز بين الخبر والتحليل والدعاية والمعلومات المضللة.
أما المكوّن الثاني فهو المرونة التكنولوجية. فالاعتماد الكامل على المنصات وروبوتات الدردشة الأجنبية في ظروف الأزمات يمكن أن يؤدي إلى نشوء نقطة ضعف استراتيجية. ومن شأن تطوير نماذج لغوية محلية، ومحركات بحث مستقلة، وبنية تحتية سحابية داخلية، وأنظمة للأرشفة والتحقق من المعلومات، وقدرات على معالجة اللغة الفارسية، أن يعزز القدرة على التحليل المستقل للبيئة المعلوماتية. فالذكاء الاصطناعي هنا ليس مجرد أداة لإنتاج المحتوى، بل إن تحليل الكم الهائل من البيانات واكتشاف الأنماط المنسقة يشكلان أيضاً جزءاً من الدفاع المعرفي.
ويتمثل المكوّن الثالث في الشبكة الإقليمية. فالحرب المعرفية لا تتوقف عند الحدود الوطنية، والروايات تعبر عدة لغات ومنصات متعددة. ومن شأن التعاون بين إيران والدول المتحالفة معها في مجال تبادل التحذيرات المعلوماتية، والتحقق من المعلومات، ومحو الأمية الإعلامية، وتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، أن يزيد تكلفة عمليات النفوذ، من دون أن يتحول إلى نظام أحادي الجانب لإنتاج الروايات.
وفي نهاية المطاف، يصبح الردع المعرفي مستداماً عندما يستند إلى الثقة والشفافية ومصداقية المعلومات. فكثيراً ما تتغذى العمليات المعرفية الناجحة من الفجوات المعلوماتية؛ ولذلك فإن سرعة إيصال المعلومات، وتقديم بيانات قابلة للتحقق، والاعتراف بالأخطاء، والشرح الشفاف بشأن مواطن الغموض، تشكل أيضاً جزءاً من القوة الوطنية. ومن هذا المنظور، لا يمثل الردع المعرفي التكنولوجي نسخة رقمية من الحرب الدعائية التقليدية، بل محاولة لجعل المجتمع والبنية التحتية المعلوماتية وأنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على مقاومة التلاعب. وفي بيئة تتداخل فيها الحرب الصلبة مع الحرب السيبرانية والفضائية والمعرفية، تصبح المحافظة على التحقق من الحقائق والثقة العامة واستقلالية صنع القرار جزءاً من معادلة الردع أيضاً.
0 Comments