جدیدترین مطالب
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أحدث المقالات
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
فرص استثمار اتساع الفجوة بين ضفتي الأطلسي

علي احمدي ـ خبير في الشؤون الأوروبية
من التحالف التاريخي إلى التآكل التدريجي للثقة
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت العلاقات بين ضفتي الأطلسي أحد الأعمدة الرئيسية للنظام الدولي الذي تقوده القوى الغربية. حيث ضمنت الولايات المتحدة أمن أوروبا بفضل قوتها العسكرية والاقتصادية، وأصبحت أوروبا في المقابل شريكاً استراتيجياً لواشنطن في إطار مؤسسات مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو). ومع ذلك، تشير تطورات العقد الأخير إلى أن هذا التحالف التاريخي قد دخل مرحلة من التآكل التدريجي.
لقد أظهرت الخلافات حول الحرب الأوكرانية، وأزمة الطاقة، والرسوم الجمركية، والسياسات المناخية، وحتى كيفية التعامل مع الصين، أن أولويات ضفتي الأطلسي لم تعد متطابقة تماماً. وتؤكد التحليلات الصادرة عن “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” أن أوروبا تتجه تدريجياً نحو تحديد تعريف أكثر استقلالية لأمنها ومصالحها الاقتصادية.
ولا يمكن اعتبار هذا التحول مجرد نتاج لتغير الحكومات في الولايات المتحدة أو أوروبا، بل يجب اعتباره جزءاً من تحول هيكلي في النظام العالمي. فقد توصلت أوروبا إلى قناعة بأن التبعية المطلقة للولايات المتحدة، في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، قد تنطوي على تكاليف استراتيجية باهظة.
الاقتصاد والطاقة وبداية التباعد الاستراتيجي
يعد الاقتصاد والطاقة من أهم عوامل هذه الفجوة. فقد وضعت الحرب الأوكرانية وأزمة الطاقة الناجمة عنها الاقتصادات الأوروبية تحت ضغوط شديدة، وحوّلت التبعية الأمنية والاقتصادية لأوروبا تجاه الولايات المتحدة إلى قضية مثيرة للجدل.
وتشير دراسات “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” حول مستقبل الطاقة في أوروبا إلى أن الاتحاد الأوروبي يسعى لحماية نفسه من الصدمات الجيوسياسية المستقبلية من خلال الإنتاج الضخم للطاقة الكهربائية، وتطوير بنى تحتية جديدة، وتنويع الشركاء الاقتصاديين. وهذه المقاربة ليست مجرد سياسة اقتصادية، بل تُعد جزءاً من مشروع الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
في الوقت نفسه، یعتقد العديد من النخب الأوروبية أن سياسات واشنطن الأحادية، بدءاً من العقوبات العابرة للحدود وصولاً إلى الضغط من أجل الامتثال الكامل للاستراتيجيات الأمنية الأمريكية، تهدد المصالح الأوروبية طويلة الأمد. كما تُظهر تحليلات مؤسسات أخرى أنه حتى بين حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، تبلور استياء متزايد تجاه نهج واشنطن.
وقد دفع هذا الوضع أوروبا نحو إعادة تعريف علاقاتها مع القوى الأخرى. فلم يعد الحديث عن التعاون الاقتصادي، وحتى الأمني المحدود مع الصين، يعتبر “تابو” سياسياً في أوروبا. ووفقاً لتقارير معهد الخدمات الملكية المتحدة (RUSI)، تعتبر بعض الأوساط الأوروبية أن التعاون مع بكين ليس ضرورة اقتصادية فحسب، بل أداة لإيجاد توازن في مواجهة الضغوط الأمريكية.
أوروبا بين الولايات المتحدة والصين وروسيا
تجد أوروبا نفسها اليوم في وضعٍ معقد؛ فمن جهة، لا تزال تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية، ومن جهة أخرى، تدفعها احتياجاتها الاقتصادية والجيوسياسية نحو زيادة الانخراط مع الصين، وحتى إدارة التوترات مع روسيا في بعض المجالات.
هذا الازدواج يبرز بوضوح في قطاعي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ففي حين تسعى الولايات المتحدة لتحويل المنافسة التكنولوجية مع الصين إلى مواجهة شاملة، لا تبدي العديد من الدول الأوروبية رغبة في قطع التعاون التكنولوجي والصناعي مع بكين بشكلٍ كامل. بل إن التقارير التي تتحدث عن حوارات محتملة بين واشنطن وبكين حول قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي، تُظهر أن الولايات المتحدة نفسها بدأت تدرك قيود المواجهة المطلقة.
وفي هذا الإطار، تحاول أوروبا تحديد مكانة وسطية ومستقلة لنفسها. ويُعد تعزيز القدرات العسكرية الألمانية، الذي حظي باهتمام في التحليلات الأخيرة، جزءاً من هذا المسار. ومع ذلك، وعلى عكس الماضي، لم تعد برلين تعمل مجرد ذراع أوروبي للسياسات الأمريكية، بل تسعى للعب دور أكثر استقلالية في أمن القارة.
الفرصة الجيوسياسية لإيران
إن الفجوة المتزايدة بين أوروبا والولايات المتحدة يمكن أن تفتح فرصاً مهمة للدبلوماسية الإيرانية. ففي ظل تركيز أوروبا بشكل أكبر على مصالحها الاقتصادية وأمنها الطاقي، زادت القدرة على إعادة تعريف العلاقات مع طهران. إذ يمكن لإيران، بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي ومواردها من الطاقة ودورها في المعادلات الإقليمية، أن تصبح لاعباً مهماً في استراتيجية التنويع الأوروبية. ومن منظور اقتصادي، لا يمكن لأوروبا أن تظل غير مبالية على المدى الطويل بقدرات إيران في مجالي الطاقة والترانزيت.
ومن منظور سياسي أيضاً، فإن تباعد أوروبا عن السياسات الأمريكية المتشددة والأحادية يخلق مساحة أكبر للمناورة الدبلوماسية. وهذا لا يعني نهاية الخلافات، بل يشير إلى بروز واقعية جديدة في السياسة الخارجية الأوروبية تركز أكثر من أي وقت مضى على المصالح العملية والاقتصادية.
وفي مثل هذه الأجواء، يمكن للدبلوماسية الإيرانية، عبر استغلال الفجوات داخل المعسكر الغربي، بناء علاقات أكثر توازناً مع الأطراف الأوروبية، والاستفادة سياسياً واقتصادياً من قلق أوروبا تجاه تبعيتها المطلقة لاستراتيجيات واشنطن.
إن الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة ليست مجرد خلاف مؤقت أو ناتج عن تغير الحكومات، بل هي إشارة إلى تحول عميق في هيكل النظام الغربي. فأوروبا، وتحت ضغط الأزمات الاقتصادية والطاقية والجيوسياسية، تتجه تدريجياً نحو نوع من الاستقلال الاستراتيجي الذي قد يغير مستقبل العلاقات بين ضفتي الأطلسي. وفي هذا الصدد، يمكن لدول مثل إيران أن تستفيد من الفهم الدقيق لهذه التحولات، ومن الفرص الناشئة عن اتساع الفجوة بين ضفتي الأطلسي، لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية.
0 Comments