جدیدترین مطالب
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أحدث المقالات
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
مؤشرات الاختيار بين الحرب أو الدبلوماسية

إلهة سادات موسوي نجاد ـ خبيرة في العلاقات الدولية
تُروى كل حرب مرتين: مرة في ساحة المعركة، ومرة أخرى في الذاكرة السياسية. وغالباً ما تكون الرواية الثانية أكثر خطورة، لأنها تفسح المجال تدريجياً أمام وهمٍ مفاده أن النتيجة النهائية كانت واضحة وحتمية وبديهية منذ البداية. فالذين كانوا يتحدثون بحذر أثناء الأزمة يتحدثون بعدها بيقين، والذين كانوا يدركون حدود عملية صنع القرار يفسحون المجال لمن يعيدون بناء الماضي بمعرفة لم تكن متاحة إلا بعد انتهاء الأحداث. وهنا يكمن الخطأ الرئيسي في كثير من التحليلات اللاحقة للحروب، والمتمثل في مساواة عقلانية القرار بنتيجته النهائية.
الخطأ الجوهري في مساواة العقلانية بالنتيجة
في السياسة الخارجية، لا تتخذ الدول قراراتها في ظل معلومات كاملة أو أفق واضح أو خيارات قليلة الكلفة، بل تضطر إلى الاختيار في بيئة يسودها عدم اليقين، بين بدائل ناقصة ومحفوفة بالمخاطر، وقد تكون نتائجها غير قابلة للتراجع. ومن ثم، فإن السؤال التحليلي الصحيح ليس: هل نجحت المفاوضات في نهاية المطاف؟ أو هل انتهت الحرب بانتصار؟ بل السؤال الصحيح هو: أي الخيارات كان يتمتع، في ضوء المعلومات المتوافرة آنذاك، بأعلى منفعة متوقعة؟ إن فشل مسار معين لا يثبت، في حد ذاته، أن اختياره كان غير عقلاني منذ البداية. ولإثبات ذلك، ينبغي البرهنة على أن البديل الآخر كان، في ظل المعلومات المحدودة المتوافرة في ذلك الوقت، يوفر أفقاً أفضل. وهذا التمييز ربما يكون أهم مبدأ غاب عن كثير من تحليلات السياسة الخارجية الإيرانية.
إن جانباً مهماً من الانتقادات الموجهة لنهج التفاوض يستند إلى افتراض مبسط، مفاده أن المفاوضين كانوا يعتقدون بإمكان التوصل مع الولايات المتحدة إلى اتفاق دائم، يمكن الوثوق به، ويقوم على أساس الثقة المتبادلة. وإذا كان هذا الافتراض غير صحيح أصلاً، فإن جانباً كبيراً من تلك الانتقادات يفقد أساسه. فالقضية الأساسية ليست ما إذا كان صانعو القرار متفائلين بإمكان الوصول إلى تسوية نهائية، وإنما ما إذا كانت المفاوضات، حتى مع انخفاض احتمال نجاحها، تؤدي وظيفة استراتيجية في تلك المرحلة.
الوظيفة الخفية للمفاوضات
وفقاً للمنطق الواقعي في العلاقات الدولية، لا تُعد المفاوضات بالضرورة وسيلة لحل الخلافات، بل غالباً ما تكون أداة لإدارتها بصورة مؤقتة. فالدول تتفاوض لكسب الوقت، واحتواء الضغوط، وتقليص احتمالات تصعيد الأزمات، وإتاحة الفرصة لإعادة بناء قدراتها الداخلية. وبهذا المعنى، فإن التفاوض ليس دليلاً على الثقة ولا علامة على السذاجة، بل هو أحد أشكال ممارسة القوة في ظروف عدم اليقين.
فإذا كان صانعو القرار في إيران يدركون منذ البداية أن احتمال نجاح اتفاق شامل ضعيف، لكنهم قدَّروا في الوقت نفسه أن الدخول في المفاوضات يمكن أن يخفف الضغوط الفورية، ويحد من احتمالات اتساع الحرب، ويحمي الاقتصاد من صدمات إضافية، ويوفر فرصة لإعادة ترميم البنى التحتية، ويحول دون تشكل تحالفات جديدة ضد إيران، فإن قيمة المفاوضات لا ينبغي أن تُقاس بمجرد توقيع اتفاق، وإنما بوظيفتها الاستراتيجية.
ومن ثم، فإن القول الشائع: “أرأيتم؟ لقد فشلت المفاوضات واندلعت الحرب من جديد”، لا يكفي وحده للحكم على صواب أو خطأ خيار التفاوض. فلا يمكن اعتبار فشل المفاوضات دليلاً على عدم صواب هذا الخيار إلا إذا استطاع المنتقدون إثبات أن البديل، المتمثل في مواصلة الحرب، أو تصعيد المواجهة، أو قطع جميع قنوات الدبلوماسية، كان يحقق في تلك المرحلة منفعة متوقعة أعلى. وهذه هي النقطة التي تتجاوزها كثير من الأحكام اللاحقة، دون أن تقدم جواباً حقيقياً عنها.
إن التنبؤ بفشل المفاوضات أسهل بكثير من إثبات تفوق البديل. فالسؤال الصعب ليس ما إذا كان التشاؤم تجاه الطرف الآخر مبرراً، وإنما ما إذا كانت مواصلة الحرب، مع احتساب جميع تكاليفها ومخاطرها وتداعياتها غير المباشرة، تمثل خياراً أفضل. وهنا تنهار كثير من التحليلات، لأنها تستند إلى النتيجة النهائية لإضفاء الشرعية على موقف سبق تبنّيه، بدلاً من إجراء مقارنة حقيقية بين البدائل.
مواصلة الحرب أم الدبلوماسية؟
إن مواصلة الحرب لا تعني مجرد استمرار العمليات العسكرية، فكلما طال أمد الحرب، تغيَّرت البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، وارتفعت تكاليفها بالنسبة إلى جميع الأطراف، لا لطرف واحد فقط. ولو امتد نطاق المواجهة إلى الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي، أو إلى القواعد الأمريكية، أو إلى أمن الطاقة العالمي، لتغيرت تدريجياً حسابات دول المنطقة. فالجهات التي ربما فضلت في بداية الأزمة النأي بنفسها، قد تجد نفسها، إذا تعرضت مصالحها المباشرة للخطر، مدفوعة إلى توسيع تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة. ففي السياسة الدولية، تنشأ التحالفات غالباً من الإدراك المشترك للتهديد، أكثر مما تنشأ من علاقات الصداقة.
وفي الوقت نفسه، كان الكيان الإسرائيلي سيحصل، في ظل حرب استنزاف طويلة، على فرصة أكبر للتكيف التكتيكي، وإعادة بناء قدراته، واستهداف الشبكات الحليفة لإيران، والاستفادة بصورة أوسع من الدعم الخارجي. فالزمن، خلافاً لما يُعتقد أحياناً، لا يعمل دائماً لصالح الطرف الذي يصمد، بل قد يخدم أيضاً الطرف الذي يمتلك مؤسسات أكثر تماسكاً، وتقنيات أكثر تطوراً، وإمكانات أكبر للحصول على الدعم الخارجي، وقدرة أعلى على تحقيق أهدافه العملياتية.
وقد يُطرح هنا اعتراض مفاده: أليست المفاوضات نفسها تمنح الطرف الآخر الوقت؟ أليست الدبلوماسية، ولا سيما إذا لم تُفض إلى نتيجة نهائية، تتيح للخصم فرصة لاستعادة أنفاسه والاستعداد بصورة أفضل؟ إن هذا اعتراض جاد لا ينبغي تجاهله، غير أن الجواب التحليلي عليه لا يكون بإنكار الإشكالية، وإنما بمقارنة البدائل. فإذا كان كل من خيارَي التفاوض واستمرار الحرب يمنحان الطرف المقابل مزيداً من الوقت، فإن السؤال الحاسم يصبح: أي الخيارين كان أقل كلفة بالنسبة إلى إيران؟ وأيهما أتاح قدراً أكبر من المرونة؟ وأيهما حدَّ من نطاق المخاطر بدرجة أكبر؟ وأيهما وفر فرصة أفضل لإعادة بناء القدرات الداخلية؟ فالعقلانية الاستراتيجية في مثل هذه الحالات لا تتحقق بإلغاء التكاليف، وإنما باختيار الأقل منها.
وهم الردع المطلق وحدود مضيق هرمز
وينطبق المنطق نفسه على قضية الردع. ففي الخطاب السياسي، يُفترض أحياناً أن استمرار الحرب كان كفيلاً بإنتاج ردع أكثر حسماً واستدامة. غير أن الردع ليس أصلاً ثابتاً يُكتسب مرة واحدة في ميدان القتال ثم يبقى إلى الأبد، بل هو حصيلة توازن متغير باستمرار بين القوة العسكرية، والقدرة الاقتصادية، والتماسك السياسي، والابتكار التكنولوجي، ومصداقية التهديد، والانطباع الذي يتكون لدى الطرف المقابل عن مجموع هذه العوامل. وحتى الانتصار في حرب ما لا يضمن بقاء مستوى الردع نفسه بعد سنوات. وقد أثبتت التجارب الدولية مراراً أن أي نجاح عسكري لا ينتج أمناً دائماً.
وعليه، فإن السؤال الصحيح ليس ما إذا كانت مواصلة الحرب يمكن أن تحقق مستوى أعلى من الردع، وإنما ما إذا كان هذا الارتفاع المحتمل في مستوى الردع يستحق التكاليف الإضافية والمخاطر الجانبية والتغيرات غير المرغوبة في البيئة الاستراتيجية. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة، لأن الردع يُصوَّر في كثير من النقاشات السياسية بوصفه إنجازاً مطلقاً قائماً بذاته، لا متغيراً يرتبط بالتكلفة والزمن.
وينطبق الأمر ذاته على مضيق هرمز. فكثيرًا ما يُصوَّر الأمر وكأن إيران كانت قادرة، بمجرد إغلاق هذا الممر المائي بالكامل، على تغيير معادلة الحرب دفعة واحدة. غير أن هناك فرقاً جوهرياً بين القدرة على إحداث اضطراب في الملاحة، والقدرة على فرض إغلاق كامل ومستدام ومنخفض الكلفة. والأهم من ذلك أن أي اضطراب واسع في حركة الملاحة البحرية لن يؤثر في الاقتصاد العالمي فحسب، بل سينعكس أيضاً على التجارة والصادرات وتكاليف التأمين والعلاقات الإقليمية والموقع الدبلوماسي لإيران نفسها. إن ارتفاع أسعار النفط عالمياً لا يعني بالضرورة زيادة القدرة التفاوضية؛ فإذا تزامن ذلك مع قيود على مسارات التصدير والنقل البحري والعلاقات المالية، فقد يتحول ارتفاع الأسعار إلى عامل يزيد الضغوط الدولية، ويسرع من وتيرة التقارب بين الأطراف المناوئة لإيران، بدلاً من أن يشكل عنصر قوة لها. والنقطة الجوهرية هنا ليست نفي القدرة على إحداث الاضطراب، وإنما تجنب تحويل إمكانية تكتيكية إلى نتيجة استراتيجية حتمية. فالمسافة بين “القدرة على إحداث الاضطراب” و”القدرة على فرض النتيجة المرجوة” هي المسافة التي تغفلها كثير من الروايات اللاحقة.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي البحث عن الانقسام الرئيسي في السياسة الخارجية الإيرانية بين “المقاومة” و”التفاوض”. فكثيراً ما يشكل هذان الخياران أداتين متكاملتين أكثر منهما استراتيجيتين متعارضتين بطبيعتهما. أما الانقسام الحقيقي، فيكمن بين منهجين في النظر إلى السياسة الدولية: أحدهما يقيس النجاح بمدى صحة التنبؤ بالنتيجة، والآخر يقيسه بجودة الحسابات التي سبقت انكشافها. فالمنهج الأول يستطيع، بعد كل أزمة، أن يقول بسهولة: “كان الأمر معلوماً منذ البداية”. أما المنهج الثاني، فيطرح سؤالاً أكثر صعوبة: لو تكررت الظروف نفسها، بالمعلومات الناقصة ذاتها، والقيود الزمنية نفسها، والأفق الغامض نفسه، فهل سيُتخذ القرار ذاته مرة أخرى؟ هذا هو المعيار الحقيقي للعقلانية الاستراتيجية.
إن الدول لا تتخذ قراراتها على أساس اليقين، بل على أساس الاحتمال؛ ولا تختار بين خيار جيد وآخر سيئ، بل بين خيار مرتفع الكلفة وآخر أقل كلفة؛ ولا تتحرك في عالم واضح المستقبل، بل في عالم يمثل فيه كل قرار نوعاً من المقامرة المحسوبة على المستقبل. إن فن السياسة الخارجية لا يقتصر على استشراف المستقبل، بل يشمل أيضاً إدارة عدم اليقين. كما أن قيمة أي استراتيجية لا ينبغي أن تُقاس بعدد التوقعات التي أصابت، وإنما بجودة الحسابات التي أُجريت قبل انكشاف النتائج. وهنا تحديداً يكمن الحد الفاصل بين التحليل الاستراتيجي والحكم بأثر رجعي. فكلما جرى تجاهل هذا الحد، أصبحت السياسة أسيرة للروايات، وأقل اعتماداً على الحسابات العقلانية. وبعد كل صراع، لا تكون القضية الأساسية هي السلام، بل حسن التقدير الاستراتيجي.
0 Comments