جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
عدم تأثير انتخابات الكيان الصهيوني في استراتيجية جبهة المقاومة

برسام محمدي ـ خبير في الشؤون الإقليمية
تحظى الانتخابات المقبلة في الكيان الصهيوني باهتمام الأوساط الإعلامية والسياسية في المنطقة. ويتمثل أحد الأسئلة الرئيسية في التأثير الذي قد يترتب على احتمال هزيمة بنيامين نتنياهو وانتقال السلطة في تل أبيب بالنسبة إلى جبهة المقاومة وسياسات هذا الكيان تجاه فلسطين وإيران.
يرى البعض أن تغيير حكومة الكيان قد يخفف حدة التوترات الإقليمية ويمهد الطريق لتعديل سياساته العدائية. غير أن تقييم هذا الاحتمال يستلزم التمييز بين التغييرات السياسية والتكتيكية والتحولات الاستراتيجية. وتُظهر التجربة التاريخية للكيان الصهيوني ومواقف تياراته السياسية أن تغيير رئيس الوزراء لا يشكل، بمفرده، ضمانة لإحداث تحول جوهري في سياساته الأمنية والإقليمية. ومن هذا المنظور، ينبغي دراسة الانتخابات في إطار أوسع يشمل بنية السلطة والأولويات الراسخة لهذا الكيان.
وجود الكيان مرهون بارتباطه البنيوي بالحرب والأزمات
منذ نشأة الكيان الصهيوني، كانت الحرب والاحتلال والنزاع على الأرض الفلسطينية من العوامل الحاسمة في تطوراته السياسية والأمنية. وقد أسهم استمرار المواجهات والتأكيد على وجود تهديدات خارجية، إلى جانب تأثيرهما في البيئة الأمنية، في تشكيل السياسة الداخلية وعلاقات الكيان بالقوى الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إرجاع جميع التطورات إلى شخص نتنياهو أو مصالح حزب واحد فحسب؛ فالبنية السياسية والاعتبارات الأمنية والخلافات الداخلية تؤثر مجتمعة في قرارات الحكومات. كما يمكن للمنافسات الانتخابية أن تؤثر في كيفية إدارة الأزمات، وأن تدفع بعض التيارات إلى تبني مواقف أكثر تشدداً. ومع ذلك، فإن القول إن كل حكومة تحتاج بالضرورة إلى استمرار الحرب للحفاظ على التماسك الداخلي هو ادعاء عام ينبغي تقييمه في ضوء ظروف كل مرحلة.
وعلى الرغم من الاختلافات السياسية بين حكومات الكيان الصهيوني وأحزابه، فإن مواقفها إزاء القضايا الرئيسية المتعلقة بفلسطين وأمن المنطقة ليست متطابقة. ومع ذلك، توجد نقاط تداخل بين بعض التيارات السياسية في هذا الكيان بشأن قضايا مثل أمن المستوطنات، ومواجهة حماس، والسياسة تجاه إيران وحزب الله، ومعارضة بعض الترتيبات المتعلقة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
فعلى سبيل المثال، شدد غادي آيزنكوت وبعض الشخصيات الأخرى في المعارضة، بالتزامن مع انتقادهم أداء نتنياهو، على ضرورة مواجهة حماس واتخاذ موقف متشدد تجاه إيران وحزب الله. وفي الوقت نفسه، لا تزال الخلافات بشأن أسلوب إدارة الحرب، وإدارة العلاقات الخارجية، وكيفية التعامل مع القضية الفلسطينية قادرة على التأثير في قرارات الحكومة المقبلة.
ومن ثم، لا ينبغي إغفال احتمال حدوث تغييرات في حدة العمليات العسكرية، أو ترتيب أولويات التهديدات، أو أسلوب التعامل الدبلوماسي؛ لكن هذه التغييرات لا تعني بالضرورة تحولاً في التوجهات الرئيسية. كما أن إجراء الانتخابات لا يحدد، بحد ذاته، الكيفية التي ستتغير بها سياسات الاستيطان، أو أوضاع الأراضي المحتلة، أو النهج الأمني تجاه إيران. وستظل هذه المسائل مرتبطة بتركيبة الحكومة والتحالفات البرلمانية والقرارات العملية للحكومة المقبلة.
ثبات استراتيجية جبهة المقاومة في مواجهة التغييرات السياسية
في المقابل، تستند استراتيجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجبهة المقاومة تجاه القضية الفلسطينية إلى مبادئ لا ترتبط ارتباطاً مباشراً بنتائج انتخابات الكيان الصهيوني. ويُعد دعم حقوق الشعب الفلسطيني، ومعارضة الاحتلال، والتأكيد على حق هذا الشعب في تقرير مصيره، من المحاور الرئيسية والثابتة في المواقف المعلنة للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وفي هذا الإطار، يحتل مبدآن مكانة محورية: مقاومة الاحتلال بوصفها أساساً استراتيجياً لجبهة المقاومة، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بما في ذلك من خلال إجراء استفتاء يشارك فيه السكان الأصليون للأرض الفلسطينية التاريخية. وقد طُرحت هذه المبادئ في الخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولن يعني تغيير الحكومة في تل أبيب، بمفرده، مراجعتها.
ومع ذلك، فإن ثبات المبادئ الاستراتيجية لا يعني بالضرورة ثبات جميع الأدوات والتكتيكات. فقد تؤثر التطورات الميدانية والاعتبارات الإقليمية وتغير الظروف السياسية في أساليب السعي إلى تحقيق الأهداف. ومن هذا المنظور، تستطيع جبهة المقاومة التمييز بين التغييرات المرحلية في موازين القوى السياسية داخل الكيان الصهيوني وتقييمها طويل الأمد للنزاع الفلسطيني، وألا تبني قراراتها على نتائج انتخابات واحدة فحسب.
واستناداً إلى ذلك، ينبغي النظر إلى انتخابات الكيان الصهيوني باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية وأسلوب إدارة النزاعات الإقليمية، لا عاملاً يحدد بمفرده مسار السياسة الخارجية والأمنية لهذا الكيان. فقد يؤثر تغيير الحكومة في حدة العمليات والأولويات السياسية وأسلوب التعامل مع الأطراف الإقليمية، لكن استمرار بعض المواقف المشتركة بين التيارات السياسية الرئيسية يشير إلى أن التغييرات التكتيكية لا تؤدي بالضرورة إلى تحولات استراتيجية.
ومع ذلك، يظل إدراك الاختلافات الفعلية بين الحكومات وتقييم تداعياتها على البيئة الإقليمية أمراً مهماً. وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل هذا النزاع سيتأثر، أكثر من ارتباطه بتغيير رئيس وزراء واحد، بالتطورات الميدانية وقرارات الحكومة المقبلة والوضع الداخلي الفلسطيني والمعادلات الإقليمية الأوسع.
0 Comments