جدیدترین مطالب
اتفاق مكة على المحك؛ من «معضلة الردع» إلى «خطر تقويض الأمن»
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن اتفاق مكة، الذي وُقّع في 7 أغسطس/آب 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، يواجه في الواقع «معضلة الردع» و«تباين إدراك التهديد» أكثر مما يمثل استجابة للفراغات الجيوسياسية. وفي حين يمثل هذا الاتفاق رمزاً للانتقال نحو الاعتماد على الذات إقليمياً، فإن الاختبارات الميدانية الأولى وتعقيدات العلاقات مع الفاعلين الإقليميين ستحدد المعنى الحقيقي له.
أحدث المقالات
اتفاق مكة على المحك؛ من «معضلة الردع» إلى «خطر تقويض الأمن»
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن اتفاق مكة، الذي وُقّع في 7 أغسطس/آب 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، يواجه في الواقع «معضلة الردع» و«تباين إدراك التهديد» أكثر مما يمثل استجابة للفراغات الجيوسياسية. وفي حين يمثل هذا الاتفاق رمزاً للانتقال نحو الاعتماد على الذات إقليمياً، فإن الاختبارات الميدانية الأولى وتعقيدات العلاقات مع الفاعلين الإقليميين ستحدد المعنى الحقيقي له.
استمرار الحرب في أوكرانيا وتوجه إيران

انتهى مسار العلاقات بين أوروبا وروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى نشوء حالة من عدم الثقة بين الطرفين. وبعد نهاية الحرب الباردة، طبّق الناتو، من منظوره الخاص، مقاربته الأمنية الإقليمية على أساس مفهوم السلام الديمقراطي واتبع سياسة التوسع نحو شرق أوروبا على هذا الأساس.
من ناحية أخرى، اعتبرت روسيا، من منطلق موقفها السلبي تجاه هذا الوضع، أنها سياسة توسعية. كان هذا التصور واضحاً للعيان منذ البداية في تصريحات سلطات موسكو. في عام 1995، اعتبر أندريه كوزيريف، وزير خارجية روسيا السابق، عملية توسع الناتو مرتبطة بسياسة احتواء روسيا. وفقاً للروس، إذا كان تحالف روسيا مع دول مثل المكسيك وفنزويلا وكوبا مقبولاً للولايات المتحدة، فيمكن لموسكو أيضاً قبول توسع الناتو نحو حدودها.
لكن على الرغم من انتقادات الكرملين، كان توسع الناتو نحو حدود روسيا عملية مستمرة. هذه القضية، التي سببت قلقاً كبيراً للروس، تجلت أخيراً في أزمة أوكرانيا في عام 2014 ثم حرب أوكرانيا في عام 2022.
الحرب في أوكرانيا هي ذروة انعدام الثقة المتبادل بين الطرفين. خلق الهجوم العسكري الروسي فصلاً جديداً في تاريخ أوروبا؛ حيث قضى على كل الآفاق التي كانت تقوم على أساس إمكانية التعاون والتفاعل بين أوروبا وروسيا. كما جعلت هذه الحرب الأوروبيين على دراية بالوضع الأمني الهش في هذه القارة، بينما أظهرت للدول الأوروبية أن أي نوع من الاعتماد على موسكو، بما في ذلك في مجال الطاقة، يمكن أن يكون له عواقب سلبية عليها.
بالإضافة إلى ذلك، فقد شكّل ذلك قناعة لدى القادة الأوروبيين بأن عدم اتخاذ أي إجراء ضد سياسات روسيا في أوكرانيا يمكن أن يؤدي إلى تكرار إجراءات هذا البلد ضد الدول الأوروبية الأخرى. نتيجة لذلك، أصبح التصدي لمطالب روسيا والسعي إلى إحباط مفعول تصرفات الكرملين مسألة حيوية بالنسبة لأوروبا.
منذ بداية الحرب، بدأت أوروبا سياساتها الداعمة لأوكرانيا ووسعتها في أبعاد سياسية ودبلوماسية وعسكرية مختلفة. حتى أعضاء الناتو ذهبوا إلى أبعد من ذلك وأبدوا ترحيبهم بقبول أعضاء جدد، بما فيهم فنلندا والسويد. إلى جانب هذه الإجراءات، فإن تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية هو أيضاً على جدول أعمال الدول الأوروبية. البحث عن مصادر بديلة، من بينها الشرق الأوسط أو أذربيجان أو فنزويلا أو الولايات المتحدة، وكذلك الاعتماد على مصادر الطاقة غير الأحفورية، وفي نفس الوقت، الاتفاق على تقليل الاستهلاك هي من بين الجهود المهمة لأوروبا في هذا المجال.
مع ذلك، فإن تأثير هذه التطورات ليس ولن يكون مقتصراً على أوروبا. تسبب استمرار الحرب في جعل مناطق مثل الشرق الأوسط في دائرة اهتمام روسيا والدول الأوروبية. على سبيل المثال، ستكون الجهود المبذولة لإيجاد مصادر طاقة بديلة مؤثرة في توجه أوروبا الحالي تجاه الشرق الأوسط. تشير رحلة بن سلمان إلى فرنسا (على الرغم من الانتقادات الأوروبية له على خلفية قضايا حقوق الإنسان) إلى الحسابات الواقعية للدول الأوروبية. كما أنه من المحتمل أن الطاقة هي أحد العوامل التي جعلت أوروبا تحاول إحياء الاتفاق النووي من أجل دخول الطاقة الإيرانية في الأسواق العالمية في المستقبل؛ مع أن عدم إحياء الاتفاق النووي سيجعل أوروبا تتصرف ضد طهران بحزم أكبر وتماسك أقوى مع الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، فإن بروز التهديد الروسي الذي جعل حتى الآن حاجة أوروبا للولايات المتحدة أكثر وضوحاً مما كان عليه في الماضي، سيجبر الدول الأوروبية على الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة ليس في أوروبا فقط بل كذلك في تحديات الغرب الأخرى، بما فيها تجاه إيران والصين.
في النهاية، ينبغي القول إنه على الرغم من أن الفجوة بين الشرق والغرب ستخلق تحديات لطهران، إلا أنه من الضروري تبني سياسة واقعية وموجهة نحو المصلحة يمكن أن تنتزع امتيازات إستراتيجية من كلا الجانبين. بالإضافة إلى ذلك، فإن متابعة السياسة الخارجية لبعض الدول التي تعارض وتنتقد السياسات الغربية، ومن بينها الصين، خلال أزمة أوكرانيا تظهر أنه على الرغم من الدعم اللفظي لروسيا، فإن هذا البلد تجنب الدخول في الحرب لدعم موسكو، بل وأثرت هذه الحرب إلى حد كبير على العلاقات الاقتصادية بين الصين وروسيا على الرغم من شرائها الطاقة الرخيصة من روسيا.
بعبارة أخرى، أحد هواجس الصين هو أن لا تُصوَّر على أنها طرف في الحرب أو قوة عظمى غير مسؤولة. في مثل هذه الحالة، ينبغي للجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تتصرف بحذر ومع الأخذ في الاعتبار ظروف وإستراتيجيات كل من الجهات الفاعلة.
0 Comments