جدیدترین مطالب
الموازنة في سلسلة نقاط الاختناق؛ من الردع البحري إلى الدبلوماسية متعددة المسارات
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا، بدءاً من تصاعد التوترات في الخليج الفارسي، مروراً بالتحركات الصاروخية والمسيّرات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التحذير الأخير الصادر عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن تهديد حرية الملاحة، إلى تحول جوهري في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على إطار إقليمي ومحلي، بل امتدت لتربط بين ممرين حيويين للاقتصاد العالمي، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
أحدث المقالات
الموازنة في سلسلة نقاط الاختناق؛ من الردع البحري إلى الدبلوماسية متعددة المسارات
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا، بدءاً من تصاعد التوترات في الخليج الفارسي، مروراً بالتحركات الصاروخية والمسيّرات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التحذير الأخير الصادر عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن تهديد حرية الملاحة، إلى تحول جوهري في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على إطار إقليمي ومحلي، بل امتدت لتربط بين ممرين حيويين للاقتصاد العالمي، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
أسباب التوجه الإستراتيجي للصين (خصم الولايات المتحدة) نحو منطقة الخليج الفارسي

إن الصين من الدول التي لديها علاقات تقليدية وقديمة مع منطقة الخليج الفارسي؛ وخلال العقود الخمسة الماضية، جعلت المتغيرات والدوافع المختلفة منطقة الخليج الفارسي جذابة للصين، ستتم الإشارة إلى أهمها في ما يلي.
الوصول الآمن إلى مصادر الطاقة
هذا البلد، الذي فقد الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي وأصبح يحتاج إلى استيراد النفط، حاول الاقتراب من اللاعبين الرئيسيين في مجال الطاقة في منطقة الخليج الفارسي، مثل السعودية وقطر والإمارات وإيران، من أجل توفير احتياجاته بشكل آمن ومستمر.
وبالنظر إلى أن الدول التي لديها موارد طاقة في الخليج الفارسي تنقسم إلى فئتين، هما حلفاء الولايات المتحدة (الدول العربية) وخصوم الولايات المتحدة (الجمهورية الإسلامية الإيرانية)، فقد اتخذت الصين خطوات دقيقة لخلق توازن بين المنافسين في المنطقة. وفي هذا الصدد، تؤكد على توسيع العلاقات الاقتصادية مع جميع الفاعلين في المنطقة وخلق شراكات إستراتيجية شاملة مع الطرفين.
استغلال الأمن القائم في الخليج الفارسي دون تحمل أي تكاليف
من وجهة نظر عسكرية – أمنية، على الرغم من أن الصين تحاول ترسيخ مكانتها في المنطقة كلاعب أساسي وضروري، إلا أنها لا تحاول خلق بيئة أمنية ومواجهة النفوذ الأمريكي في هذه المنطقة. بل على العكس، تعتبرها جهود الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة لضمان النظام والأمن في هذه المنطقة فرصة ثمينة لها للاستفادة من الأمن القائم في المنطقة للحفاظ على مصالحها الاقتصادية وتعزيزها دون إنفاق أي أموال.
النقطة الأخرى هي أن بكين حاولت دائماً النأي بنفسها عن الدخول في صراعات هذه المنطقة وتحمل التزامات طويلة الأجل. في هذا الصدد وفي ظل السياسة الكلية للتوازن الناعم مع الولايات المتحدة، تتبع نهج التفاعل مع واشنطن في منطقة الخليج الفارسي.
مع ذلك، بعد التغيير الأخير في مقاربة الإدارة الأمريكية تجاه منطقة غرب آسيا وتركيزها على روسيا والصين في إستراتيجية الأمن القومي لعام 2021، تغيرت السياسة الأمنية للصين تجاه الخليج الفارسي إلى حد ما.
توسيع النفوذ عن طريق الاقتصاد
دخلت العلاقات بين الصين ودول الخليج الفارسي حقبة جديدة منذ عام 2004 بتشكيل منتدى التعاون الصيني – العربي (CASCF). نقطة التحول الثانية في العلاقات بين الصين ومجلس تعاون الخليج الفارسي هي تحرك الجانبين نحو توقيع اتفاقية التجارة الحرة خلال العقد الماضي. بناءً على ذلك، تتمثل إحدى سياسات الصين المهمة في منطقة الخليج الفارسي في تعزيز نفوذها في المنطقة في إقامة علاقات اقتصادية مع الجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية وخلق الشعور بالاعتماد لديها. وقد اكتسبت هذه الدولة مكانة المستثمر الرئيسي في الخليج الفارسي بتفوقها على الولايات المتحدة والغرب.
تطوير العلاقات لأهداف مرتبطة بتحقيق الهيمنة
توضح دراسة مقاربات السياسة الخارجية للصين، خاصة في العقد الماضي، أن هذا البلد يحاول بناء نظام اقتصادي جديد على المستوى الدولي ولتحقيق هذا الهدف، فقد عزز علاقاته مع مختلف المناطق والبلدان. ينبغي اعتبار مبادرة إنشاء طريق حرير جديد أحد الإجراءات المحددة التي اتخذتها الصين لتحقيق هذا الهدف.
من هنا، فإن الموقف الجيوسياسي للدول العربية في الخليج الفارسي، وامتلاكها موارد مالية طائلة، وخططها التنموية الطموحة، ولا سيما حرصها على وترحيبها بالتعاون مع الصين لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، دفعت بكين للنظر إلى منطقة الخليج الفارسي كسوق مربح لاستثمارات متعددة في البنية التحتية، خاصة الموانئ والسكك الحديدية، وكذلك في التقنيات الصينية مثل الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس.
التوجه نحو علاقات أقل كلفة وخالية من المخاطر
إن أولوية القضايا الاقتصادية بالنسبة للصين أدت إلى عدم وجود تحيز خاص والتزام لديها للتواصل مع دولة أو دول معينة وعدم التواصل مع مجموعة أخرى من الدول، بل تدخل في التعاون مع أي جهة فاعلة يمكنها تأمين مصالح هذا البلد بشكل أفضل. في هذا السياق، دفعت الخصائص السياسية لمنطقة الخليج الفارسي والانقسام الموجود بين دول هذه المنطقة الصين إلى تجنب الدخول في خلافات سياسية وتحقيق التوازن بين المتنافسين لضمان أقصى قدر من الفوائد.
وتماشياً مع سياسة التوازن هذه، زادت الصين من تعاونها مع إيران في السنوات الأخيرة وتحاول تعميق العلاقات الثنائية من خلال اتفاقية تعاون مدتها 25 عاماً. وعلى الرغم من العقوبات الأمريكية المتزايدة، فإن هذا البلد يشتري نسبة كبيرة من النفط الإيراني، ويدعم جزئياً مواقف إيران في المفاوضات النووية، ويدعم عضوية إيران في المنظمات الإقليمية مثل منظمة شنغهاي للتعاون. من ناحية أخرى، عزز هذا البلد أيضاً تعاونه الاقتصادي مع منافسي إيران في الخليج الفارسي.
رغم ذلك، فإن الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني إلى السعودية وإصدار بيان مشترك ضد إيران هي علامة جديدة على أن الصين قد تخلت عن سياسة التوازن التقليدية في الخليج الفارسي وتسعى إلى علاقات أقل توتراً وخالية من المخاطر في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، بإمكان الصين الحصول عبر الدول العربية على منتج الطاقة الإستراتيجي الذي توفره إيران لها؛ نتيجة لذلك، اختل الآن الميزان وأصبحت كفة الدول العربية أثقل وأكثر فائدة من منظور الصين .
إذن، يمكن اعتبار تبنّي الصين لهذا النهج تهديداً وإضراراً جدياً لثقل إيران ومصداقيتها في الخليج الفارسي على المدى القصير، وإذا لم يتم اتخاذ تدابير لمعالجته فيمكن أن يحوّل الصين على المدى الطويل إلى ولايات متحدة أخرى.
0 Comments