جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
قمة شنغهاي؛ فرصة لتعزيز التعاون

حميد خوش آيند ـ خبير في الشؤون الإقليمية
عُقد الاجتماع السادس والعشرون لمجلس رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون في بشكيك عاصمة قرغيزستان، في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري، في وقت دخلت فيه المنظمة عامها الخامس والعشرين من النشاط، وفي الوقت نفسه كانت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على إيران وتداعياتها، ولا سيما إغلاق مضيق هرمز، وما نجم عنه من أزمة في الطاقة واضطراب خطير في سلاسل إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال والأسمدة الكيميائية والمنتجات البتروكيميائية وغيرها، قد ألقت بظلالها على جدول أعمال القمة.
وعلى الرغم من التوترات الأخيرة في المنطقة، والإجراءات العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمارسها الولايات المتحدة ضد إيران، كان للجمهورية الإسلامية حضور بارز وملحوظ في قمة شنغهاي الأخيرة. وقد شكّل حضور رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى جانب قادة الصين وروسيا والهند وسائر الأعضاء، فرصة لتحويل عضوية إيران الكاملة في منظمة شنغهاي إلى أداة للدبلوماسية الاقتصادية والأمنية والترانزيتية.
شنغهاي؛ أبعد من مجرد آلية أمنية
تكمن أهمية قمة بيشكيك في أن منظمة شنغهاي تبتعد، أكثر من أي وقت مضى، عن صورتها بوصفها آلية أمنية بحتة. ففي قمة هذا العام، وُضعت التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيات الحديثة والموانئ والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي والتعاون المالي إلى جانب الأمن ومكافحة التهديدات العابرة للحدود. كما جرى اعتماد 28 وثيقة، شملت إعلان بيشكيك وتعديل ميثاق المنظمة، وصولاً إلى خطة تطوير الموانئ والمراكز اللوجستية، والتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات والمخدرات و”ممر التكنولوجيا الخضراء”.
ويكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة بالنسبة إلى إيران؛ لأن الميزة الرئيسية لطهران في منظمة شنغهاي تتمثل في موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط الخليج الفارسي وآسيا الوسطى والقوقاز وروسيا وشبه القارة الهندية.
وفي هذا الإطار، كان أهم جانب من حضور رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو تقديم حزمة من المقترحات الاقتصادية. فقد اقترح الرئيس الإيراني خلال القمة تعميق التعاون المصرفي والاستخدام الأوسع للعملات الوطنية، وإنشاء آليات للدفع المشترك، وفي نهاية المطاف تأسيس بنك شنغهاي، وإنشاء اتحاد لتأمين الصادرات والاستثمار، وتشكيل كونسورتيوم للطاقة. وتُظهر هذه المقترحات أن طهران تسعى، بما يتناسب مع مقتضيات سياستها الخارجية والتطورات الإقليمية والدولية والظروف الناجمة عن العقوبات، إلى تحويل عضويتها في منظمة شنغهاي من “عضوية سياسية” إلى “عضوية تنطوي على منفعة اقتصادية”. واللافت أن المقترحات الإيرانية تتماشى مع احتياجات روسيا وبعض الأعضاء الآخرين إلى تقليل الاعتماد على البنية التحتية المالية الغربية. ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن هناك فجوة كبيرة بين الإعلان السياسي عن آلية مالية وبين إنشاء مؤسسة تشغيلية تمتلك رأس المال واللوائح التنظيمية وشبكة الدفع والضمانات التنفيذية.
المقترحات الاقتصادية والفرص الترانزيتية
وفي مجال الترانزيت أيضاً، كانت قمة شنغهاي مهمة بالنسبة إلى إيران. ومن بين المحاور المهمة التي ركزت عليها قمة شنغهاي في بيشكيك، تطوير الموانئ والمراكز اللوجستية وتعزيز الترابط الإقليمي. ويمكن لإيران الاستفادة من هذا الاتجاه لربط ممر الشمال-الجنوب بشبكات التجارة في شرق آسيا وآسيا الوسطى. وإذا وُضعت تشابهار والموانئ الجنوبية والسكك الحديدية الشرقية والمسارات المرتبطة بروسيا وآسيا الوسطى ضمن حزمة متكاملة، يمكن لإيران أن تتحول من دولة خاضعة لعقوبات جائرة إلى “مُيسِّر للترابط الأوراسي”.
لكن تحقيق هذا الهدف لا يتم من خلال البيانات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى الاستثمار وإصلاح اللوائح الجمركية واستكمال خطوط السكك الحديدية وخفض تكلفة الترانزيت ومدته. ومن هذا المنظور، يكتسب اعتماد خارطة طريق لتطوير الموانئ والمراكز اللوجستية للأعوام 2026 إلى 2030 أهمية عملية بالنسبة إلى طهران.
الدعم السياسي والدبلوماسي للقمة
ومن المنظور السياسي والأمني أيضاً، كان لإعلان بيشكيك أهمية خاصة بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ إذ أدان قادة منظمة شنغهاي علناً ورسميّاً الهجمات العسكرية على إيران، وأكدوا على سيادة الدول وسلامة أراضيها. وعلى الرغم من أن منظمة شنغهاي ليست منظمة مماثلة لحلف شمال الأطلسي، ولا يلتزم أعضاؤها بتقديم تعهد عسكري متبادل في حال تعرض أحد الأعضاء لهجوم، فإن مثل هذا الموقف يتمتع بقيمة دبلوماسية كبيرة بالنسبة إلى إيران في ظل الظروف الراهنة من الضغوط العسكرية والاقتصادية؛ وتتمثل القيمة الرئيسية لهذا الدعم بالنسبة إلى طهران في إيجاد سند سياسي، وتعزيز الاتصالات الدبلوماسية، وتوفير هامش للمناورة في المؤسسات متعددة الأطراف.
وفي هذا السياق، جاءت لقاءات رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع قادة عدد من المشاركين في القمة، الذين أعلن اثنان منهم على الأقل علناً أنهم لا يعترفون بالعقوبات الأمريكية الأخيرة، لتستكمل هذا النهج متعدد المستويات.
ولكي تستفيد إيران فعلياً من هذه الإمكانات، يتعين عليها أن تقرن الدبلوماسية الاقتصادية بالآليات الداخلية، والقدرة التنافسية للإنتاج، وتوحيد المعايير، وتسهيل التجارة، واستقرار اللوائح، والربط المصرفي. كما تُظهر تجربة المفاوضات المتعلقة بإنشاء بنك تنمية شنغهاي أن تحويل الاتفاق السياسي إلى مؤسسة مالية فعّالة عملية تستغرق وقتاً طويلاً ومعقدة.
وبوجه عام، ينبغي النظر إلى قمة بيشكيك بوصفها محطة في مسار تعزيز حضور إيران في منظمة شنغهاي. وقد بعثت طهران خلال هذه القمة بثلاث رسائل متزامنة: رفض الأحادية، والاستعداد لتطوير التعاون الاقتصادي والترانزيتي، والإبقاء على مسار الدبلوماسية مفتوحاً. وإذا تحولت المقترحات الإيرانية إلى مشاريع محددة، فإن عضوية منظمة شنغهاي يمكن أن تتحول إلى إحدى ركائز ارتباط إيران بالاقتصاد الأوراسي. كما أن انتقال رئاسة المنظمة إلى باكستان يتيح لطهران فرصة جديدة لكي تجعل، خلال دورة 2026-2027، متابعة المشاريع المالية والترانزيتية ومشاريع الطاقة أقرب إلى جدول الأعمال العملي للمنظمة.
0 Comments