المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال محلل بارز في الشؤون الأمريكية إن السياسات الجمركية التي يتبناها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تضع العالم مجدداً على شفا حرب تجارية شاملة. تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على السلع البرازيلية، إلى جانب رسوم جمركية واسعة ضد أكثر من 150 دولة، من بينها حلفاء مقربون للولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، دلالة على النهج الهجومي الذي يعتمده البيت الأبيض في التجارة العالمية.
في حواره مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، أوضح أميرعلي أبوالفتح أن سياسات الرسوم الجمركية الجديدة التي يتبناها ترامب، مرتبطة بأهداف سياسية أكثر من كونها مبنية على منطق اقتصادي. فترامب يستخدم الرسوم الجمركية كأداة للضغط السياسي ودفع أجندته داخلياً وخارجياً. والرسوم الجمركية بنسبة 50% التي أعلنت ضد البرازيل بذريعة محاكمة الرئيس السابق جايير بولسونارو، تُعد مثالاً واضحاً على هذا النهج.
وأشار أبوالفتح إلى أن العجز التجاري الأمريكي مع العديد من الدول كالبرازيل يُستَخدم كذريعة لتبرير هذه السياسات، رغم أن البيانات التي قدمها البيت الأبيض في هذا الشأن وصفها الرئيس البرازيلي الحالي، لولا دا سيلفا، بأنها “غير صحيحة”. فقد صرح دا سيلفا أن الولايات المتحدة حققت فائضاً تجارياً بقيمة 410 مليارات دولار في تعاملاتها الثنائية مع البرازيل خلال الخمسة عشر عاماً الماضية. وهذا التناقض يُظهر أن الرسوم الجمركية ليست حلاً لمشاكل الاقتصاد الأمريكي، بقدر ما هي رسائل سياسية موجهة للدول التي لا تتماشى مع سياسات البيت الأبيض.
وأضاف محلل الشؤون الأمريكية أن هذا النهج كان مشهوداً أيضاً خلال الفترة الأولى من رئاسة ترامب. ففي عام 2018 فرض ترامب رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات الفولاذ و10% على واردات الألمنيوم من عدة دول، مما استدعى ردود فعل انتقامية من كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي. غير أن الموجة الجديدة من الرسوم أوسع وأشد، مما قد يؤدي إلى رفع حدة التوترات التجارية إلى مستويات غير مسبوقة.
سياسات فرض رسوم جمركية؛ نجاح أم فشل؟
استعرض أبوالفتح نتائج سياسات الرسوم الجمركية السابقة للولايات المتحدة، معتبراً أن مكاسبها كانت محدودة. وأضاف: “فبينما يدّعي ترامب أن هذه السياسات حافظت على الوظائف الداخلية وزادت من الإيرادات الضريبية، تُظهر البيانات الإحصائية أنها أدت إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي.”
واستشهد المحلل بتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” يؤكد على أن الرسوم الجمركية الباهظة التي فرضها ترامب، أظهرت آثارها السلبية على الاقتصاد الأمريكي، حيث ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 2.7%، كما زادت أسعار السلع المستوردة مثل الأثاث والملابس. وأكد أبوالفتح أن هذه الزيادات في الأسعار تضر بالمستهلك الأمريكي وقد تؤدي إلى اضعاف قدرته الشرائية واستياء شعبي. كما أن الأسواق المالية العالمية، بما في ذلك أسواق الأسهم الآسيوية والأمريكية، شهدت تراجعاً حاداً كرد فعل على هذه السياسات. على سبيل المثال، انخفضت أسهم شركات السيارات الآسيوية مثل تويوتا وهوندا عقب فرض رسوم بنسبة 25% على السيارات غير الأمريكية.
ومع ذلك، يشير محلل الشؤون الأمريكية إلى أن بعض الصناعات المحلية الأمريكية، مثل صناعة الصلب والسيارات، قد تستفيد على المدى القصير من هذه السياسات، محذراً أن هذه الفوائد قصيرة الأجل لا تقارن بالخسائر طويلة الأجل، مثل فقدان الأسواق التصديرية وإضعاف سلاسل التوريد العالمية.
ردود الأفعال العالمية؛ من الدبلوماسية إلى الإجراءات الانتقامية
يعتقد أبوالفتح أن الدول المستهدفة بالرسوم الأمريكية اتخذت مواقف متباينة تجاه هذه السياسة. فبينما نجحت دول مثل كندا والمكسيك في التوصل إلى تعليق مؤقت للرسوم عبر التفاوض، اختارت دول أخرى، مثل الصين والبرازيل، مساراً أكثر هجومية. فقد فرضت الصين رسوماً جمركية بنسبة 84% على السلع الأمريكية رداً على الرسوم الجمركية الأمريكية البالغة 104% على السلع الصينية. أما البرازيل، فقد هددت باتخاذ تدابير مماثلة، ووصف رئيسها، لولا دا سيلفا، القرار الأمريكي بأنه “ابتزاز غير مقبول”. من جهته، أجّل الاتحاد الأوروبي فرض رسوم انتقامية حتى أوائل شهر أغسطس/آب، لكنه يعمل على إعداد قائمة بالإجراءات المضادة.
ويؤكد المحلل أن ردود الفعل العالمية على الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب قد يؤدي إلى اندلاع حرب تجارية شاملة، قائلاً: “لم يعد بإمكان الدول التزام الصمت أمام السياسات الأحادية للولايات المتحدة. وقد يؤدي هذا الوضع إلى تشكيل تكتلات تجارية جديدة وتراجعاً للنفوذ الاقتصادي الأمريكي في العالم”. وأضاف أن حلفاء تقليديين للولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية يشعرون بالاستياء من هذه الرسوم، وقد يتجهون نحو تعزيز علاقاتهم التجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي.
التداعيات العالمية
يرى أبوالفتح أن مستقبل السياسات الجمركية الأمريكية مرهون بعدة عوامل. أولاً؛ قدرة البيت الأبيض على إقناع الكونغرس بالموافقة على هذه السياسات. ويضيف إنه بموجب الدستور الأمريكي فإن السياسات التجارية تعد من صلاحيات الكونغرس. وقد أثار التفاف ترامب على هذه المؤسسة من خلال إعلان حالة الطوارئ الوطنية إشكالات قانونية، حيث اعترضت بعض المحاكم والشركات الأمريكية على السياسات بسبب آثارها السلبية على الاقتصاد الداخلي.
ثانياً؛ سيكون لرد الفعل المنسق للدول الأخرى، دوراً مهماً في تحديد التداعيات. يقول محلل الشؤون الأمريكية: “إذا ردّت الدول بشكل موحد وتمسكت بقواعد التجارة العالمية، فقد يضطر ترامب إلى التراجع.” وأشار إلى اتفاق مؤقت بين الولايات المتحدة والصين لتقليص الرسوم بنسبة 115% لمدة 90 يوماً، مما يُظهر قوة الدبلوماسية في تخفيف التوترات.
ثالثاً؛ الآثار طويلة الأمد لهذه السياسات على النظام التجاري العالمي، مقلقة. فقد حذّر أبوالفتح من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى اصطفافات تجارية جديدة وإضعاف دور منظمة التجارة العالمية. ويعتقد إن الولايات المتحدة تحتاج إلى التعاون مع حلفاءها وذلك للحفاظ على موقعها في الاقتصاد العالمي وليس التصادم معهم. كما أشار المحلل إلى أن التركيز على الصناعات التقليدية وسياسات الحماية في ظل صعود الصين كقوة علمية وتكنولوجية قد يؤدي إلى تراجع الولايات المتحدة في المنافسة العالمية.
وفي الختام، شدد أبوالفتح على أن سياسات الرسوم الجمركية التي يفرضها ترامب ليست سوى استعراض سياسي يستهدف كسب الدعم المحلي أكثر من كونها حلاً للمشاكل الاقتصادية الأمريكية. وأضاف: “يسعى ترامب من خلال رفعه شعار “أمريكا أولاً” إرضاء ناخبيه، لكن هذه السياسات قد تؤدي إلى عزلة الولايات المتحدة اقتصادياً وسياسياً على الساحة العالمية.” ومع ذلك، يرى أن الفرصة لا تزال متاحة للتفاوض والدبلوماسية، شرط أن تتخلى الولايات المتحدة وغيرها عن نهج المواجهة وتتجه نحو التعاون.
0 Comments