جدیدترین مطالب
الدبلوماسية الصينية تجاه الولايات المتحدة؛ من تمديد الهدنة التجارية إلى الحفاظ على التوازن في غرب آسيا
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن زيارة شي جين بينغ، رئيس جمهورية الصين، التي استمرت ثلاثة أيام إلى واشنطن ولقاءه دونالد ترامب يومي 24 و25 سبتمبر/أيلول 2026، والتي رافقتها مراسم استقبال رسمية في قاعدة أندروز الجوية، لم تكن، أكثر من كونها مؤشراً إلى تحقيق إنجاز حاسم يفضي إلى حلحلة العلاقات بين القوتين، عرضاً دبلوماسياً لإدارة مستوى التوترات.
أحدث المقالات
الدبلوماسية الصينية تجاه الولايات المتحدة؛ من تمديد الهدنة التجارية إلى الحفاظ على التوازن في غرب آسيا
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن زيارة شي جين بينغ، رئيس جمهورية الصين، التي استمرت ثلاثة أيام إلى واشنطن ولقاءه دونالد ترامب يومي 24 و25 سبتمبر/أيلول 2026، والتي رافقتها مراسم استقبال رسمية في قاعدة أندروز الجوية، لم تكن، أكثر من كونها مؤشراً إلى تحقيق إنجاز حاسم يفضي إلى حلحلة العلاقات بين القوتين، عرضاً دبلوماسياً لإدارة مستوى التوترات.
قراءة في سلوك السعودية تجاه مثلث إيران والولايات المتحدة واليمن

عباس دارائي ـ خبير في شؤون غرب آسيا
لا يمكن تفسير سلوك السعودية بمجرد التحالف الثابت مع الولايات المتحدة أو المواجهة المباشرة المحتملة مع إيران. فقد أرغمت حرب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، وتصاعد الصراع في اليمن، الرياض على تحقيق توازن بين الاعتماد على القدرات العسكرية لواشنطن وحدها، وحماية بنيتها التحتية الحيوية، ومنع اتساع نطاق الحرب، والحفاظ على برامجها للتنمية الاقتصادية. ولا تزال السعودية بحاجة إلى الولايات المتحدة، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى خفض كلفة الاعتماد الكامل على حليف أجنبي واحد.
الاقتصاد السعودي؛ صامد لكنه عرضة للخطر
كان من نتائج الأزمة الأخيرة انكشاف الفجوة بين القدرات المالية للسعودية والهشاشة المادية لاقتصادها. وقد تناول تقرير للمجلس الأطلسي، في اختبار افتراضي للضغوط، سيناريو التوقف الكامل لصادرات النفط السعودية حتى نهاية عام 2026. ووفقاً لهذا السيناريو، ستخسر السعودية نحو 75 مليار دولار من عائدات صادرات النفط و203 مليارات ريال من الإيرادات النفطية للحكومة؛ ومع ذلك، فإن الاحتياطيات المالية والأصول الأجنبية والقدرة على الاقتراض، فضلاً عن النسبة المنخفضة نسبياً لدين الحكومة إلى الناتج المحلي الإجمالي، يمكن أن تحول دون تحوّل الصدمة فوراً إلى أزمة مالية.
لكن التقرير نفسه يحذّر من أن الاقتصاد السعودي قد يواجه «صدمة في البنية التحتية والجغرافيا السياسية» قبل أن يصل إلى «انهيار مالي». فقد انخفض إنتاج النفط من نحو 10.9 ملايين برميل يومياً في فبراير/شباط إلى 6.2 ملايين برميل في أغسطس/آب، فيما كانت الطاقة التشغيلية لخط أنابيب الشرق–الغرب، الذي صُمّم لتجاوز مضيق هرمز، تتراوح بين 4 و5 ملايين برميل يومياً قبل هجمات 10 و11 سبتمبر/أيلول؛ ولذلك، تمتلك الرياض موارد مالية تمكّنها من تحمّل جزء من الصدمة، لكنها لا تستطيع بالمال أن تستبدل بالكامل مصفاة أو خط أنابيب تضرر.
اليمن وسلسلة مواطن الضعف السعودية
وقد أدى تصعيد هجمات أنصار الله إلى زيادة هذه الهشاشة. وتتحدث التقارير المنشورة عن اتساع نطاق التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة ضد الرياض وينبع والطائف والمناطق الجنوبية، وكذلك عن زيادة الضغوط على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. كما يرى تقرير مجموعة الأزمات الدولية أن الحرب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران من العوامل التي أدت إلى تصعيد القتال مجدداً على الجبهة اليمنية، ويؤكد أن هجمات أنصار الله زادت الضغوط على صادرات النفط السعودية والملاحة البحرية.
وبالتالي، تحولت منطقة الخليج الفارسي والأراضي السعودية وخط أنابيب الشرق–الغرب والبحر الأحمر إلى سلسلة أمنية واحدة. كما أن المسار البديل لمضيق هرمز ليس بمنأى عن الخطر، وترى منصة «Responsible Statecraft» أن الهجمات على المنشآت النفطية وخطوط الأنابيب ومسارات التصدير أظهرت أن اعتماد السعودية على القوة الأمريكية وحدها لا يعني بالضرورة قدرة واشنطن على منع كل هجوم.
ضمانات واشنطن؛ دعم حقيقي أم مبهم؟
في هذه الظروف، تكتسب تصريحات ماركو روبيو بشأن التزام الولايات المتحدة بتعهداتها الدفاعية تجاه السعودية أهمية بالنسبة إلى الرياض، إلا أن نطاق هذا الالتزام لا يزال غير واضح. فقد قال روبيو إن واشنطن «ستفي بالتزاماتها»، لكنه لم يقل إن الولايات المتحدة ستدخل الحرب مباشرة في حال تصاعد الأزمة. كما تميّز تحليلات مركز دراسات الخليج الفارسي وتشاتام هاوس بين الدعم العسكري والتدخل المباشر؛ إذ يمكن أن يشمل الدعم الأمريكي المعدات والمعلومات والصور الفضائية والتخطيط العملياتي وتعزيز القدرات الدفاعية.
وهنا يتضح الفارق بين «الأمن الموثوق به» من وجهة نظر الرياض و«الدعم الكافي للحفاظ على التوازن» من وجهة نظر واشنطن. ومن جهة أخرى، ترى منصة «Responsible Statecraft»أن نهج «أمريكا أولاً» يدفع الشركاء الإقليميين نحو خفض اعتمادهم على قوة أجنبية واحدة.
السعودية بين واشنطن وأنقرة وإسلام آباد وبكين
ويكتسب إنشاء اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا أهمية في هذا الإطار. فهذه الاتفاقية لا تحل محل التحالف الأمني مع الولايات المتحدة، لكنها يمكن أن تضيف طبقة مكملة إلى أمن الرياض. وترى مجموعة الأزمات الدولية أيضاً أن ترتيبات البحر الأحمر ومجموعة «آر 4»، التي تضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان، تشكل جزءاً من هيكل أمني أكثر تنوعاً حول البحر الأحمر.
كما تمثل الصين خياراً مكملاً آخر. وترى «Responsible Statecraft» أن ضغوط الحرب يمكن أن تؤدي إلى تقارب أكبر بين الرياض وبكين؛ لكن ذلك لا يعني الاستبدال الكامل للولايات المتحدة، وإنما يعود إلى أن الصين تحافظ في الوقت نفسه على علاقات مع إيران ودول الخليج الفارسي، ويمكنها أن تؤدي دوراً مكملاً في الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية. وبذلك تستطيع السعودية أن تنشئ نوعاً من «التعددية الأمنية متعددة الطبقات»، بحيث تبقى الولايات المتحدة المصدر الرئيسي للدعم العسكري، وباكستان وتركيا شريكين إقليميين، والصين شريكاً اقتصادياً ودبلوماسياً.
الفرصة الدبلوماسية لإيران
يمكن أن يمثل هذا الوضع، بالنسبة إلى إيران، فرصة لإعادة تعريف العلاقات مع الرياض. وتتمثل نقطة الالتقاء بين البلدين في ضرورة منع امتداد الحرب إلى منشآت الطاقة ومسارات الملاحة والاقتصاد الإقليمي. ومن ثم، يمكن أن يتحول الحوار بشأن أمن الخليج الفارسي والبحر الأحمر، وحماية البنية التحتية للطاقة، وعدم استهداف المنشآت المدنية، وإدارة الأزمات، إلى مجال للمصالح المشتركة إلى جانب التنافس الجيوسياسي.
ويكتسب هذا النهج أهمية أكبر في ظل قيام السعودية بتقييم حدود الضمانات الأمنية الأمريكية. فقد تستمر الرياض في الاعتماد على واشنطن، لكن تجربة الهجمات على أراضيها وبنيتها التحتية أظهرت أن القوة الرادعة لحليف أجنبي لا تتطابق بالضرورة مع قدرته على منع جميع تكاليف الحرب عن شريكه الإقليمي.
وفي نهاية المطاف، ينبغي فهم سلوك السعودية في إطار سياسة متعددة الأوجه: الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة، وتطوير ترتيبات أمنية إقليمية، ومنع تحوّل الحرب في اليمن إلى حرب استنزاف، وحماية البرنامج الاقتصادي، وتوسيع العلاقات مع الصين والقوى الأخرى. ولا يعني هذا النهج بالضرورة الابتعاد عن واشنطن، بل يمثل محاولة لخفض مخاطر الاعتماد الكامل عليها.
وبالنسبة إلى إيران، فإن أهم رسالة لهذا التحول هي أن الفجوة بين «الالتزام الأمني الأمريكي» و«الأمن الحقيقي للسعودية» يمكن أن تتحول إلى مجال للدبلوماسية. فقد زادت الأزمة الأخيرة من حافز الرياض نحو تنويع خياراتها الأمنية والحفاظ على قناة اتصال مع طهران؛ وفي مثل هذه الظروف، أصبح الأمن المستدام للخليج الفارسي والبحر الأحمر يعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على الآليات الإقليمية والحوار بين القوى الرئيسية.
0 Comments