جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
الاستراتيجيات الأساسية لمواجهة النسخة الجديدة من الحرب الاقتصادية لترامب

اميرحسين عرب بور ـ خبير في مركز أبحاث الدبلوماسية الاقتصادية
بعد إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في مواجهة إيران عبر المسار العسكري، عاد دونالد ترامب مرة أخرى إلى أداة الضغط الاقتصادي، وأعلن الأسبوع الماضي عن تنفيذ ما وصفه بأنه “أكبر عملية اقتصادية غير مسبوقة” ضد إيران. ويبدو أن واشنطن تحاول، بعد هزيمتها في الميدان العسكري، إرغام طهران على التراجع من خلال تشديد الضغوط الاقتصادية. غير أن إيران اكتسبت خلال السنوات الماضية خبرة طويلة في مواجهة العقوبات، وأنشأت آليات لمواصلة التجارة الخارجية، والالتفاف على القيود المالية، وتوسيع التعاون مع الشركاء غير الغربيين. والسؤال الرئيسي هو: هل يختلف “الضغط غير المسبوق” عن “أقصى الضغوط”، وما الاستراتيجية التي ينبغي اتباعها لمواجهته؟
الضغط غير المسبوق؛ مرادف للعقوبات والضغوط القديمة
منذ اندلاع الحرب المفروضة الثالثة، أقدم ترامب على تحركات مختلفة، وطرح يومياً ادعاءات جديدة، من بينها تدمير البنية السياسية لإيران والقضاء على الحضارة الفارسية، إلا أن أياً منها لم يحقق أهدافه. وقد خضعت إيران خلال العقود الثلاثة الماضية لعقوبات متعددة. وبالنسبة إلى بلد اختبر هذا الحجم من العقوبات، فإن “الضغط الاقتصادي غير المسبوق” ليس سوى تسمية جديدة للضغط نفسه الذي أطلق عليه أوباما اسم “العقوبات المشلّة”، وترامب اسم “أقصى الضغوط”.
وبالنظر إلى تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة العقوبات الأمريكية الأولية والثانوية، فمن المستبعد أن تكون مجرد إعادة تسمية الضغط ذات تداعيات حاسمة. وما يكتسب أهمية هو مدى انضمام الدول الأخرى إلى هذه السياسة. فالصين وروسيا وبعض الدول الأخرى لن تكون بالضرورة مستعدة لمجاراة واشنطن بشكل كامل، وستواصل السعي وراء مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في علاقاتها مع إيران. ومن ثم، إذا عجزت الولايات المتحدة عن إيجاد إجماع عالمي لفرض ضغط اقتصادي على طهران، فإن “العملية الاقتصادية غير المسبوقة” التي يشنها ترامب قد تواجه المصير نفسه الذي واجهته حملته العسكرية.
تتمثل نية الحكومة الأمريكية في تقييد التجارة الإيرانية براً، إضافة إلى البحر، وتسعى الحملة التي يعتزم ترامب تنفيذها إلى فرض حصار شامل وعزل إيران. ويشمل هذا الحصار الضغط على دول الجوار لقطع الاتصالات البرية، وفرض قيود على المبادلات المالية، والعزلة السياسية أيضاً. ويعتقد ترامب أن الحصار البحري سيؤتي ثماره خلال الأشهر المقبلة، ولا ينوي في الوقت الراهن التخلي عن هذه الأداة. ومن المرجح أنه سيحاول خلال مرحلة “الضغط غير المسبوق” ممارسة الضغوط على الدول الأخرى، ولا سيما دول الجوار، لإجبارها على قطع علاقاتها الاقتصادية مع إيران.
الاستراتيجيات الأساسية لمواجهة الحرب الاقتصادية الجديدة لترامب
إن كيفية مواجهة الحرب الاقتصادية ليست معقدة، ويمكن إدارتها من خلال الاستفادة من الحلول والتجارب السابقة. وفيما يلي المحاور الأربعة الرئيسية للتحرك في هذا المجال:
1- دبلوماسية اقتصادية نشطة وسريعة
إن الترياق المضاد للحصار الشامل والعازل هو الدبلوماسية الاقتصادية النشطة. وينبغي ترسيخ هذه الدبلوماسية في جميع الأجهزة التنفيذية، بحيث تتجاوز نطاق وزارة الخارجية. ويجب أن توضع المشاورات مع الشركاء التجاريين الرئيسيين، ومن بينهم الصين وروسيا ودول الجوار التي تمثل أهم الوجهات التصديرية ومنافذ الاستيراد، على جدول الأعمال بأسرع وقت ممكن وبأولوية قصوى.
وتُعد الصين، بوصفها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني وشريكاً تجارياً استراتيجياً، أهم متغير في معادلة الضغط الاقتصادي، وقد أعلنت بوضوح أنها ليست مستعدة لمجاراة سياسة ترامب. كما عارضت روسيا قرار ترامب. ويمكن أن يشكل تفعيل ممر الشمال – الجنوب، والتعاون المصرفي والمبادلات النقدية، والتنسيق داخل منظمات مثل مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، قدرات يمكن تعزيزها من خلال الدبلوماسية النشطة. كما أن العراق يؤمّن كثيراً من احتياجاته من إيران، ومنها الكهرباء والغاز والمواد الغذائية والسلع الأساسية، ومن شأن مجاراة العراق الكاملة لقرار ترامب أن تضعه أمام مشكلات كبيرة. ومع ذلك، لطالما واجه العراق تحدي الضغوط الأمريكية وتأمين احتياجاته الحيوية، وينبغي، من خلال دبلوماسية ذكية، إبقاء هذا البلد في مسار التعاون مع إيران.
2- تفعيل المسارات البديلة وتنويع سلاسل الإمداد
ينبغي تفعيل المسارات البديلة فوراً وإزالة العقبات التي تعترض تنويع سلاسل إمداد السلع. وتشمل هذه المسارات ممر الشمال – الجنوب لربط الموانئ الجنوبية بموانئ بحر قزوين، ومنها إلى روسيا وأوروبا، وممر الشرق – الغرب عبر أفغانستان وباكستان وصولاً إلى الصين وجنوب آسيا، فضلاً عن تطوير الموانئ الشمالية، مثل أميرآباد ونوشهر وأنزلي، لإدخال السلع الأساسية من روسيا وآسيا الوسطى. كما ينبغي توسيع استخدام العملات غير الدولار، مثل الروبل واليوان والروبية، من أجل تقليل الاعتماد على النظام المالي الخاضع للسيطرة الأمريكية.
3- زيادة قدرة المجتمع على الصمود
ينبغي تعزيز قدرة المجتمع على الصمود من خلال مبادرات مختلفة. فالحرب الحالية التي تشنها الولايات المتحدة ضد إيران هي حرب إرادات وقدرة على الصمود. وتسعى الولايات المتحدة إلى محاصرة إيران وإجبارها في نهاية المطاف على الاستسلام، ومن ثم فإن مواجهتها تمثل أولوية.
وتُعد إدارة سوق العملات والسلع الأساسية لمنع التقلبات الحادة والاضطرابات، والتوزيع العادل للدعم، ودعم الفئات المتضررة، وتوفير المعلومات وإدارة الرأي العام لتعزيز الصمود النفسي والاجتماعي، وتعزيز الإنتاج المحلي للسلع الاستراتيجية، مثل الأدوية والمواد الغذائية وقطع الغيار الصناعية، من الإجراءات الضرورية في هذا المجال.
4- كسر الحصار البحري
على الرغم من أن إيران تمكنت، إلى حد ما، من الحد من آثار العقوبات وإدارة شؤون البلاد من خلال وسائل مختلفة، فإن الحصار البحري يجب كسره بكل الوسائل الممكنة.
فالحصار البحري، ولا سيما في مضيق هرمز وبحر عُمان، يمكن أن يؤدي إلى تعطيل صادرات النفط وواردات السلع الأساسية بشدة. وعلى خلاف العقوبات المالية التي يمكن الالتفاف عليها ومواصلة التجارة رغمها، فإن الحصار البحري يعني توقف حركة السفن وتبادل السلع.
المحصلة
دخلت الولايات المتحدة حرباً اقتصادية جديدة مع إيران في وقت منيت فيه بالهزيمة على الصعيد العسكري، كما أن حلفاءها التقليديين لا يبدون ميلاً كبيراً لمواكبة الضغوط غير المسبوقة. وقد تعرّفت دول كثيرة إلى شخصية ترامب، وتدرك أن قراراته ليست مستقرة؛ ولذلك فمن المرجح أن تقيّم دول المنطقة والشركاء التجاريون لإيران تهديداته بحذر.
ومع ذلك، تستطيع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالاستفادة من خبرات أربعة عقود من المقاومة، وتفعيل الدبلوماسية مع الشركاء الرئيسيين، وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود، واستخدام الأدوات العسكرية الهجومية عند الضرورة، إدارة هذا الضغط الجديد أيضاً.
0 Comments