جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
التحولات الإقليمية وضرورة تأمين الأمن الجماعي للخليج الفارسي

في حواره مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، صرّح سجاد نادري قائلاً: “إن التحولات بعد حرب غزة شكّلت واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ منطقة الخليج الفارسي. وفي هذا السياق، دخلت العلاقات بين إيران والسعودية مساراً جديداً يختلف جوهرياً عن الماضي”.
وأضاف: “أزمة غزة جعلت البلدين يدركان بصورة أدق مفهوم التهديد المشترك. فقد أدركت طهران والرياض أن استمرار المواجهة سيُفسح المجال أمام مزيد من نفوذ قوى من خارج المنطقة، ولا سيما الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. لذلك فإن مسار الحوار والتفاعل لا يُتّبع من باب المصلحة الآنية، بل بمنظور إستراتيجي لتحقيق الاستقرار الإقليمي. إن العدوان العسكري الذي شنّه الكيان الصهيوني على إيران ثم على قطر غيّر نظرة السعودية وبقية الدول المطلة على الخليج الفارسي، ووجّهها نحو نوع من التقارب مع طهران”.
وتابع هذا الخبير قائلاً: “إن الدور الذي لعبته الصين في الوساطة لإعادة العلاقات بين إيران والسعودية في مارس/آذار 2023 كان نقطة تحوّل في ميزان القوى في الخليج الفارسي. فبكين، بخلاف الأنماط الغربية، ركّزت على المصالح الاقتصادية المشتركة، واستقرار الطاقة، والاحترام المتبادل للسيادة، واستخدمت لغة القوة الناعمة لرأب الصدع. هذا النهج كان مقبولاً لدى البلدين، ومهّد الطريق لمتابعة الحوارات الأمنية عبر لجان مشتركة. ونتيجة لذلك، أصبحت السعودية تطالب بالمسار الدبلوماسي في الملف النووي الإيراني، وتحذّر من أي عمل عسكري ضد طهران من قبل الولايات المتحدة أو الكيان الإسرائيلي”. وأشار نادري إلى أن “أزمة غزة خلال العامين الماضيين كانت اختباراً عملياً لكلا البلدين. ففي وقت حاولت بعض القوى الإقليمية جرّ التوترات إلى الخليج الفارسي، أظهرت طهران والرياض أنهما اعتمدتا نهجاً جديداً في إدارة الأزمات. وحتى في المواقف الإعلامية للجانبين، يمكن ملاحظة الحذر والرغبة في استمرار الهدوء”.
إستراتيجية إيران في تقليص الوجود العسكري الأمريكي
وشدّد الباحث في الأمن الإقليمي قائلاً: “إن أحد الأبعاد المهمة للتحولات الأخيرة هو إعادة تعريف الوجود العسكري الأمريكي في الخليج الفارسي. فمن وجهة نظر إيران، يجب أن يقوم النظام الأمني للمنطقة على تعاون الدول الساحلية نفسها، لا على القوى الأجنبية. وقد اتبعت طهران هذه السياسة من خلال تعزيز التعاون الأمني والدبلوماسي مع جيرانها؛ في حين توصّلت السعودية، بعد تجربة العدوان الأخير للكيان الإسرائيلي على قطر، إلى فهم جديد لعدم استقرار الضمانات الأمنية الأمريكية”. وأضاف: إن إيران، من خلال انتهاج سياسة قائمة على الحوار في تعاملها مع دول الخليج الفارسي، سعت إلى التأكيد أن أمن هذا الممر المائي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر المشاركة الجماعية. والرسالة الإيرانية واضحة: الأمن لا يُشترى ولا يُستورد، بل يُبنى عبر الثقة المتبادلة”.
وأوضح نادري: “بعد أزمة غزة، واجه الوجود الأمريكي في الخليج الفارسي تحدياتٍ أكثر من ذي قبل. فواشنطن أرسلت سفنها الحربية لإظهار القوة، لكن هذه الخطوة أثارت قلق حلفائها لأنها زادت احتمال انتقال النزاع إلى الخليج الفارسي. وقد أظهرت الحرب التي استمرت ۱۲ يوماً ضد إيران أنه في حال اندلاع مواجهة، فإن المنطقة بأكملها ستُجرّ إليها. ولذلك ترى إيران أن هذه الظروف فرصة للتأكيد على ضرورة خروج القوى الأجنبية وتعزيز آليات الأمن الإقليمي المحلية”. وأضاف: “إلى جانب الخطوات السياسية، تتبع طهران في المجال الدفاعي إستراتيجية ردع متوازن. وتهدف هذه الإستراتيجية إلى منع أي مواجهة غير مرغوبة، وإلى إيجاد توازن بين القوى الإقليمية. وتعمل إيران، عبر مزيج من القوة الذكية والدبلوماسية النشطة وتطوير البنى الدفاعية، على تحقيق توازن مستدام في الخليج الفارسي”.
وتابع نادري: “إن تزايد الحوارات متعددة الأطراف، بما في ذلك بين طهران ومسقط، وطهران والدوحة، إضافة إلى الاجتماعات المشتركة مع بغداد والكويت، إلى جانب الزيارة الأخيرة لنائب وزير الشؤون الخارجية الإيراني إلى السعودية، كلها تشكّل مؤشرات على نشوء تدريجي لهندسة أمنية جديدة في المنطقة تقوم على الثقة والحوار والتنمية المشتركة، لا على وجود قوات عسكرية أجنبية”.
الأمن الجماعي للخليج الفارسي من منظور إيران
وأكد هذا الخبير قائلاً: “إن مفهوم الأمن الجماعي في نظر إيران هو مفهوم محلي متعدد الأبعاد. فخلافاً للنماذج الغربية التي تحصر الأمن في الإطار العسكري، ترى طهران أن الأمن الحقيقي يتحقق عبر التعاون في المجالات المختلفة، خصوصاً الاقتصادية والثقافية والبيئية بين الشعوب”. وأضاف: “في مرحلة ما بعد حرب غزة، باتت الحاجة لإعادة تعريف هذا المفهوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالخليج الفارسي ليس مجرد ساحة تنافس للقوى، بل هو ممر حيوي للطاقة والتجارة العالمية. وأي اضطراب فيه ستكون له تداعيات متسلسلة على الاقتصاد الدولي؛ ولذلك تؤمن إيران بأن أمن الخليج الفارسي يجب أن يُبنى بمشاركة فعلية من الدول المطلة عليه ومن دون تدخل خارجي”.
وفي الختام قال نادري: “في هذا الإطار، طرحت إيران مبادرات مثل “تحالف الأمل” الذي يركز على التعاون البحري والإغاثي والبيئي. وقد أثبتت أزمة غزة أن مرحلة الاعتماد الأمني على القوى الخارجية قد انتهت. ويمكن للخليج الفارسي أن يمضي نحو السلام والاستقرار من خلال مبادرات محلية، وتؤكد إيران أنها، بما تملكه من قدرات تاريخية ودبلوماسية، مستعدة للقيام بدور فعّال في هذا النظام الإقليمي الجديد”.
0 Comments