المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: في الحروب الحديثة، كان التصور السائد دائماً هو أن الأسلحة الأكثر تكلفة وتطوراً، والتابعة لشركات مرموقة، تضمن النصر الحاسم. إلا أن التطورات الأخيرة على الجبهة الشمالية للأراضي المحتلة خلال الأشهر الماضية قد دقت ناقوس الخطر لهذا الاعتقاد القديم. حيث وجد جيش الكيان الإسرائيلي، بامتلاكه أحدث أنظمة الدفاع الجوي مثل "القبة الحديدية"، و"مقلاع داوود"، بالإضافة إلى مقاتلات الجيل الخامس F-35 ودبابات "ميركافا" وغيرها من المعدات الحديثة التي لا تتوفر إلا في عدد قليل من دول العالم، نفسه عاجزاً عملياً أمام مسيّرات حزب الله اللبنانية التي لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات من الدولارات. إن اعتراف بنيامين نتنياهو المرير بعدم القدرة على مواجهة هذا التهديد، وأمره بتخصيص ميزانية غير محدودة لإيجاد حل، يكشف عن حقيقة مفادها أن عصر التفوق المطلق للتقنيات باهظة الثمن قد ولى.
برسام محمدي ـ خبير في الشؤون الإقليمية
وفقاً لتقارير ميدانية، منذ بدء الاشتباكات على الجبهة الشمالية للأراضي المحتلة وجنوب لبنان، تم إطلاق أكثر من 500 طائرة مسيّرة تابعة لحزب الله، كان جزء كبير منها من النوع الانتحاري والمزود بألياف بصرية، باتجاه أهداف صهيونية. نظراً لتوجيهها عبر الأسلاك، لا تصدر هذه الطائرات المسيّرة أي إشارات إلكترونية، ولهذا السبب، أصبحت أنظمة الحرب الإلكترونية والرادارات وأجهزة التشويش المعقدة التابعة للكيان الصهيوني عاجزة عن مواجهتها.
ويتمثل رد الفعل الرئيسي لجيش الكيان الصهيوني، أو بالأحرى الحل الأساسي لهذا الكيان لمواجهة هذه الطائرات المسيّرة، في تركيب شبكات معدنية فوق الدبابات والملاجئ. وهو إجراء وُصف بأنه الشكل الأكثر إثارة للسخرية من “الدفاع النشط”. وفقاً لوسائل الإعلام العبرية، تم توزيع أكثر من 158 ألف متر مربع من هذه الشبكات على الجنود حتى الآن، ويستمر هذا التوجه. هذه الصورة بحد ذاتها تروي عمق الأزمة: جيش أنفق مليارات الدولارات على أنظمة داوود، ومقلاع داوود، والقبة الحديدية، واضطر إلى حماية جنوده بالشبكات والمظلات المعدنية.
هنا توجد نقطة مهمة تتعلق بتداعيات وجود مثل هذه الطائرات المسيّرة في ساحة المعركة ضد الكيان الصهيوني. وفي هذا الصدد، يجب اعتبار الأثر الاستراتيجي الأهم لظهور طائرات حزب الله زهيدة الثمن هو كسر معادلة التكلفة – المنفعة التقليدية. يتم انتاج كل طائرة مسيّرة من طراز FPV مزودة بالألياف البصرية التابعة لحزب الله بتكلفة تتراوح بين 300 و 500 دولار، في حين تبلغ قيمة دبابة “ميركافا” من طراز Mk-4 حوالي 5 ملايين دولار. بعبارة أبسط، يقوم حزب الله، بتكلفة أقل من صاروخ عادي مضاد للدروع، بتدمير أغلى معدات جيش الكيان الصهيوني.
علاوة على ذلك، فإن “القبة الحديدية”، المصممة لمواجهة الصواريخ الباليستية، أصبحت غير فعالة عملياً في رصد اكتشاف هذه المسيّرات الصغيرة الخالية من الأثر الكهرومغناطيسي. هذه الحقيقة تتحدى التفوق التكنولوجي للكيان الصهيوني، وتُظهر أن الابتكار التكتيكي يمكن أن يعوّض فجوة القوة الهائلة.
لقد نجح حزب الله، بهذا السلاح البسيط والمبتكر، في فرض “إطار سلوكي جديد” على جيش الكيان الصهيوني. كل جرّافة مدرعة تدخل إلى المناطق الحدودية لقرى جنوب لبنان، يتم استهدافها وتدميرها خلال دقائق بواسطة طائرة FPV مسيّرة. المدفعيات عيار 155 ملم، التي كانت تقصف المناطق السكنية حتى الأمس، أصبحت الآن أهدافاً ثابتة بحد ذاتها. وقد اعترف مسؤول إسرائيلي صراحة قائلاً: “لقد حول حزب الله منطقة جنوب لبنان بأكملها إلى منطقة محظورة لمعداتنا الثقيلة”.
يتراوح مدى هذه الطائرات المسيّرة، التي فنّدت التقديرات الأولية للكيان الصهيوني، بين 20 و 50 كيلومتراً. هذا يعني أن جميع قواعد ومنشآت الاحتلال في حيفا ومنطقة الجليل المحتلة تقع مباشرة في مرمى نيران هذه الأسلحة الرخيصة، بينما دخلت الحرب غير المتكافئة مرحلة يمكن فيها للاعب غير حكومي بميزانية محدودة أن يرسم خطوطه الحمراء في عمق أراضي العدو.
في مواجهة مسيّرات حزب الله، بلغ الارتباك الاستراتيجي لتل أبيب من العمق درجة دفعت مجلس الوزراء الحربي للكيان الصهيوني مؤخراً إلى الموافقة على ميزانية قدرها 700 مليون دولار لمواجهة تهديد هذه المسيّرات، بل وأصدرت أمراً بتأسيس مصنع لإنتاج طائرات FPV المسيّرة بكميات كبيرة داخل الجيش. وهو إجراء يعني فعلياً تقليد حزب الله اللبناني واعترافاً رسمياً بالعجز عن تحقيق التفوق الدفاعي. في الوقت نفسه، اعترف نتنياهو في اجتماع مجلس الوزراء بأن مواجهة طائرات الألياف البصرية التابعة لحزب الله تتطلب الصبر والوقت، وهو ما لا يعني سوى الهزيمة والجمود في مواجهة حزب الله.
ولكن التطورات في شمال فلسطين المحتلة ونوع المعركة غير المتكافئة الجديدة لحزب الله تحمل ثلاث رسائل رئيسية:
أولاً، أن التفوق التكنولوجي البحت لم يعد يضمن النصر في ساحة المعركة. ليس فقط المقاومة الإسلامية، بل بعد الآن، يمكن لأي دولة تتعرض لعدوان من قبل الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي أن تقلل بسهولة من فجوة القوة من خلال الابتكار واستخدام التقنيات الرخيصة.
ثانياً، لقد تغيرت معادلة التكلفة بشكل كبير في الحروب الحديثة؛ حيث يمكن لطائرة مسيّرة بتكلفة بضع مئات من الدولارات أن تعطل معدات تقدر قيمتها بملايين الدولارات.
ثالثاً، سيؤدي انتشار هذه التقنيات إلى دفع نمط حروب المستقبل نحو معارك غير متكافئة، ومنخفضة التكلفة، وقائمة على الإبداع التكتيكي.
بشكل عام، ما يجري في جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة خلال الأشهر الأخيرة هو أكثر من مجرد تكتيك عسكري جديد، وهو في الأساس سقوط أسطورة تكنولوجية وانهيار للإيمان بالتفوّق الجوي المطلق للكيان الصهيوني في المنطقة. جيش أنفق مئات المليارات من الدولارات على أنظمة دفاعية بمليارات الدولارات ومقاتلات من الجيل الخامس، أصبح عاجزاً أمام طائرات مسيّرة بتكلفة 300 دولار مزودة بأسلاك ألياف بصرية.
ساحة المعركة المستقبلية، ستعتمد أكثر على الإبداع التكتيكي، واستخدام التقنيات البسيطة والفعالة، والفهم الصحيح للمعادلة الجديدة للتكاليف، بدلاً من الاعتماد على الأسلحة المعقدة والمكلفة. لقد نجح حزب الله، بسلاح رخيص وبسيط ولكنه مبتكر، في تغيير معادلة القوة على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة إلى الأبد؛ معادلة تُعرّض وجود الكيان الصهيوني لتهديدات أكثر استراتيجية.
0 Comments