المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن استمرار الحرب الأمريكية على إيران، فضلاً عن زيادة التكاليف العملياتية، قد أثار تساؤلات حول القدرة الفعلية للترسانة الأمريكية على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في عدة جبهات في الوقت نفسه؛ وهو أمر يؤثر في الردع، والقدرة على الإنتاج الدفاعي، وترتيب أولويات الموارد لدى واشنطن.
بهمن براتي ـ خبير في الشؤون الدفاعية
الحرب على إيران وانكشاف القدرة الفعلية للترسانة الأمريكية
من أبرز القضايا التي طُرحت في الأوساط الاستراتيجية بواشنطن عقب اتساع نطاق الحرب على إيران، حجم الضغط الذي تتعرض له مخزونات الذخائر المهمة والمنظومات الأمريكية المتقدمة. وعلى خلاف الروايات التي تتحدث عن “نفاد المخزونات” أو “أزمة وشيكة”، تقدم المصادر الموثوقة صورة أكثر تعقيداً. فقد أفاد مسؤولون أمريكيون وتقارير منشورة بتراجع ملحوظ في بعض مخزونات الذخائر المتقدمة، إلا أن هناك اختلافاً في وجهات النظر بشأن التداعيات الاستراتيجية لهذا الوضع.
وحذّر المعهد الأمريكي الصهيوني “جينسا”، استناداً إلى تقييمات بعض المسؤولين العسكريين وخبراء الدفاع، من أن الاستخدام المكثف للصواريخ الدقيقة بعيدة المدى والصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي في الحرب مع إيران يمكن أن يؤثر في قدرة الولايات المتحدة على الردع في مناطق أخرى. ويركز التقرير على منظومات مثل صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، ومنظومة “ثاد”، وصواريخ “توماهوك” الجوالة، والذخائر الدقيقة بعيدة المدى، ويجادل بأن هذه المعدات، بخلاف الذخائر التقليدية، لا يمكن تعويضها بسرعة.
في المقابل، لا يرى موقع “ريسبونسبل ستيت كرافت” التابع لمعهد كوينسي الأمريكي أن تراجع المخزونات ناجم عن الحرب على إيران وحدها، بل يعتبره نتيجة تزامن عدة التزامات عسكرية أمريكية كبرى، من بينها دعم أوكرانيا، والدفاع عن الكيان الصهيوني، وزيادة الوجود العسكري في الخليج الفارسي. ووفقاً لهذا الرأي، فإن المشكلة الأساسية لا تكمن في عملية عسكرية بعينها، وإنما في تراكم الضغوط الناجمة عن أزمات متعددة ومتزامنة.
ومن المنظور العسكري، فإن تراجع مخزونات بعض الصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي أو الصواريخ بعيدة المدى لا يعني بالضرورة تراجع القدرة القتالية الإجمالية للولايات المتحدة، لكنه قد يحد من حرية تصرف القادة ويجعل ترتيب الأولويات بين مختلف الجبهات أمراً ضرورياً؛ وبالتالي، فالمسألة لا تتعلق فقط بنقص الذخائر، وإنما بتقييد إمكانية الاستجابة المتزامنة لعدة أزمات كبرى.
كما أفادت تقارير وكالة رويترز البريطانية بالاستهلاك الكبير للصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، والصواريخ الاعتراضية “باتريوت” و”ثاد”، وجزء من صواريخ “توماهوك” في الحرب التي استمرت عدة أشهر مع إيران، وهو ما أثار مخاوف بشأن استعداد الولايات المتحدة لمواجهة أزمات لاحقة. وقد أثارت هذه التقارير والتحليلات رد فعل انفعالياً من جانب الإدارة الأمريكية، التي سعت إلى التقليل من أهمية مثل هذه التحليلات.
الضغط الناجم عن الالتزامات المتزامنة لواشنطن
تتضح أهمية هذه المسألة بصورة أكبر إذا أخذنا في الاعتبار أن الولايات المتحدة سعت على مدى سنوات إلى تحويل الأمن إلى سلعة للبيع، وأقامت التزامات تعاقدية مع بعض الدول. فقد دعمت واشنطن أوكرانيا عسكرياً في الوقت نفسه، وتواصل دعم الكيان الإسرائيلي، وتحافظ على ردعها في مواجهة الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، كما دأبت لسنوات على بيع وعود بالأمن للدول العربية المطلة على الخليج الفارسي في إطار حزم باهظة التكلفة. ويتطلب كل واحد من هذه الالتزامات منظومات يستغرق إنتاجها وقتاً طويلاً، ويتطلب تكاليف مرتفعة، ويعتمد على سلاسل إمداد معقدة.
ومن ثم، فإن تراجع مخزونات الذخائر المتقدمة يمكن أن يجبر صانعي القرار الأمريكيين على الموازنة بين الأولويات المختلفة. ويزيد هذا الوضع تكلفة الحفاظ على وجود متزامن في عدة جبهات بالنسبة إلى الولايات المتحدة؛ وهي مسألة أكد عليها كل من معهد “جينسا” وموقع “ريسبونسبل ستيتكرافت”، رغم اختلافهما الفكري.
التشكيك في قدرة الولايات المتحدة على الردع
يتمثل أحد التساؤلات الرئيسية في ما إذا كانت التحذيرات بشأن تراجع المخزونات العسكرية الأمريكية تعكس مشكلة حقيقية، أم أنها جزء من مساعي المؤسسات الدفاعية والصناعات العسكرية في هذا البلد لزيادة الميزانية؟ ويعتبر معهد “جينسا” أن تراجع المخزونات يمثل تهديداً مباشراً لمصداقية الردع الأمريكي، ويجادل بأنه إذا خلصت الصين أو روسيا أو حتى الفاعلون الإقليميون إلى أن واشنطن تواجه قيوداً في استخدام ذخائرها الاستراتيجية، فقد يعيدون النظر في حساباتهم بشأن تكلفة المواجهة مع الولايات المتحدة. ومن هذا المنظور، فإن إدراك الآخرين لقدرات الولايات المتحدة يحظى بأهمية إلى جانب عدد الصواريخ، لأن الردع مفهوم ذو أبعاد نفسية وسياسية أيضاً.
في المقابل، يرى موقع “ريسبونسبل ستيتكرافت” أن هذا الوضع لا يمثل ضعفاً عسكرياً أمريكياً بقدر ما هو نتيجة لسياسة الولايات المتحدة القائمة على “تقديم التزامات تتجاوز قدراتها وإمكاناتها”. ومن ثم، فإن الحل لا يقتصر على زيادة القدرات، بل يشمل أيضاً إعادة النظر في الأولويات الاستراتيجية وتقليص الالتزامات العسكرية. ويختلف هذا النهج عن تأكيد معهد “جينسا” على زيادة القدرات العسكرية والميزانية الدفاعية.
قدرة الصناعات الدفاعية والتداعيات الاستراتيجية
لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أكبر صناعة دفاعية في العالم، فيما تعمل شركات مثل “لوكهيد مارتن” و”آر تي إكس” (رايثيون) على زيادة الطاقة الإنتاجية لبعض الصواريخ والصواريخ الاعتراضية. ومع ذلك، فإن تعقيد التكنولوجيا، ومحدودية بعض المكونات، والاعتماد على سلاسل الإمداد، وطول المدة اللازمة للتصنيع، تجعل زيادة الإنتاج عملية تستغرق عدة أشهر أو حتى عدة سنوات. كما طلبت وزارة الحرب الأمريكية من الصناعات العسكرية تقديم خطط عاجلة لزيادة الإنتاج، وهو ما يعكس الحاجة إلى إعادة بناء المخزونات بسرعة.
وفي هذا الإطار نفسه، يؤكد معهد “ليكسينغتون” الاقتصادي أن سرعة استهلاك الذخائر في الحروب عالية الكثافة كشفت حاجة الولايات المتحدة إلى إصلاح التخطيط الدفاعي وزيادة الطاقة الإنتاجية.
وبوجه عام، تشير الأدلة المتاحة إلى أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران فرضت ضغطاً كبيراً على جزء من مخزونات الذخائر الأمريكية المتقدمة. وتتمثل المشكلة الأساسية في ارتفاع تكلفة الحفاظ على الالتزامات المتزامنة في عدة جبهات، وانكشاف محدودية الطاقة الإنتاجية في مواجهة الاستهلاك السريع للذخائر المتقدمة.
وبالنسبة إلى واشنطن، سيكون التحدي الرئيسي هو تحقيق التوازن بين إعادة بناء المخزونات، والحفاظ على الردع في مواجهة الصين وروسيا، ومواصلة دعم أوكرانيا والكيان الإسرائيلي والشركاء العرب في الخليج الفارسي. وإذا استمر استهلاك الذخائر ولم تتحقق زيادة الإنتاج بالوتيرة نفسها، فقد يتحول هذا الضغط من مشكلة عملياتية إلى قيد استراتيجي على السياسة الخارجية الأمريكية.
0 Comments