المجلس الاستراتيجي أونلاین ـ رأي: إن طالبان، التي واجهت مراراً وتكراراً الرد السلبي من أمريكا على طلبها المباشر وغير المباشر للاعتراف بحكم هذه الجماعة في أفغانستان طيلة الأشهر الأخيرة، لجأت إلى سياسة التهديد.
محمدرضا عسكري مورودي - باحث أقدم في القضايا الآسيوية
حذر وزیر داخلیه طالبان من أنه إذا رفض البیت الأبیض الاعتراف بحکم طالبان، فإن الحرکه ستواصل تهدید المصالح الأمریکیه. تحذیر وزیر داخلیه طالبان للولایات المتحده من تعرّض مصالحها للخطر، قد یشیر إلى تحول محتمل فی نهج طالبان تجاه الولایات المتحده. ودعت طالبان مراراً وتکراراً الولایات المتحده فی الأشهر الأخیره للاعتراف بحکم هذه الجماعه فی أفغانستان.
فی المقابل، قالت الولایات المتحده إنها لیست فی عجله من أمرها للاعتراف رسمیاً بحکم طالبان فی أفغانستان، واشترطت أی إعاده نظر إزاء هذه الجماعه بتغییر سیاسات طالبان وممارساتها وأفعالها. بالإضافه إلى عدم الاعتراف بحرکه طالبان، خلقت واشنطن فعلاً تحدیاً اقتصادیاً کبیراً للشعب الأفغانی من خلال تجمید الأموال الأفغانیه. إن عدم وصول طالبان إلى موارد البنک المرکزی المالیه فی البنوک الأجنبیه أدى إلى عجز حکومه طالبان فی توفیر الضروریات الأساسیه، بما فی ذلک الغذاء والدواء من الدول الأخرى للشعب الأفغانی. ولهذا السبب فإن الولایات المتحده تحدت حکومه طالبان أکثر من أی دوله أخرى وسعت إلى إضعاف هذه الجماعه فی أفغانستان.
بحسب وجهه نظر طالبان، فإن أوروبا، على الرغم من مظهرها المستقل لاتخاذ قرار بشأن نوع المواجهه مع أفغانستان، لکنها تتبع سیاسات الولایات المتحده، ومن المستبعد جداً أن تتخذ الدول الأوروبیه إجراءات بهذا الشأن حتى تعترف أمریکا بحکم طالبان.
تدعو الولایات المتحده وأوروبا الآن إلى رفع القیود المفروضه على أنشطه الجماعات العرقیه والدینیه والطائفیه والسیاسیه المختلفه فی أفغانستان، و جعلت أی اعتراف رسمی بحکم طالبان مشترطًا باحترام الحقوق والحریات الفردیه والاجتماعیه، فضلاً عن تشکیل حکومه شامله بمشارکه جمیع المکونات العرقیه فی هذا البلد.
بالنظر إلى أنه خلال أکثر من خمسه أشهر منذ استعاده طالبان السلطه فی أفغانستان، لم تتخذ هذه الجماعه أی إجراء لاحترام مبدأ الجمهوریه، وحریه المرأه فی الدراسه والعمل، ومشارکه الجماعات العرقیه فی السلطه، لذلک فإن المجتمع الدولی یواصل معارضه دعوه طالبان للاعتراف الرسمی بهذه الجماعه.
فی مثل هذه الظروف، لجأت حکومه طالبان إلى آلیه التهدید من أجل إقناع الولایات المتحده بالاعتراف بهذه الجماعه فی أفغانستان.
هناک فرضیه بأن طالبان تتصور بما أن الترکیز على الحرب فی أفغانستان کان فعالاً فی طرد القوات الأجنبیه بعد عقدین من الزمن، فإنها تستطیع إجبار البیت الأبیض على الاعتراف رسمیاً بطالبان من خلال تهدید الولایات المتحده باستئناف الإجراءات ضد المصالح الأمریکیه.
على الرغم من أن طالبان استطاعت بشکل ما، استعاده السلطه فی أفغانستان بالقوه والعسکره، لکن جذب الدول للاعتراف بهذه الجماعه لیس أمراً یمکن حصول طالبان علیه بالقوه. یتعین على حکومه طالبان الامتثال لمعاییر دولیه معینه داخل أفغانستان للحصول على اعتراف رسمی من المجتمع الدولی، بحیث یمکن عوده الثقه فی الجماعه تدریجیاً.
خاصه وأن البیان الختامی لاجتماع أوسلو مؤخراً، بعد اجتماع طالبان مع ممثلین عن بعض الدول الغربیه فی النرویج، أکّد على أن الطریقه الوحیده للاعتراف بحکومه طالبان فی أفغانستان هی تشکیل حکومه شامله، وقد رفضت طالبان حتى الآن الامتثال لهذا الأمر.
أخیراً، یبدو أن حکومه الولایات المتحده، على الرغم من بعض الانفتاحات وحتى المساعدات الإنسانیه، لن تکون مستعده للاعتراف بحکومه طالبان بسهوله حتى تشکّل حکومه شامله فی أفغانستان وتقوم بتطبیع الظروف المعیشیه فی إطار الحریات المعترف بها دولیاً فی المجالین الفردی والاجتماعی.
السیاسه الأمریکیه الحقیقیه تجاه طالبان
بالنظر إلى شعار الحکومه الأمریکیه فی بدایه احتلال أفغانستان عام 2001 لتعزیز القیم الدیمقراطیه والحریات الفردیه والاجتماعیه على النحو المنصوص علیه فی اتفاقیات حقوق الإنسان، فإذا لم تؤد التطورات فی أفغانستان فی ظل حکم طالبان إلى الانفتاحات اللازمه لتقویه الجمهوریه، واحترام حقوق الفئات المختلفه، وخاصه النساء والإعلام والجماعات السیاسیه والأقلیات، من المرجح أن تستمر حکومه الولایات المتحده فی تجمید الأموال الأفغانیه، لاستخدامها کأداه ضغط على حکومه طالبان لتغییر إجراءاتها وسیاساتها وبرامجها.
باعتبار أن الدول الغربیه عاده ما تتصرف بالتنسیق مع الولایات المتحده بشأن السیاسه الخارجیه، وخاصه فی موضوع أفغانستان، فلن تکون الدول الغربیه الأخرى (الأوروبیه) على استعداد للاعتراف رسمیاً بحکم طالبان فی أفغانستان کما تتصرف واشنطن، ما لم تقم طالبان بإجراء التغییرات المتوقعه من قبل أمریکا فی أفغانستان، وقد یؤدی هذا الأمر إلى تفاقم التحدیات والأزمات التی ستواجه حکومه طالبان فی أفغانستان.
فی النهایه، فإن تهدید طالبان بتعریض المصالح الأمریکیه فی المنطقه للخطر لا یمکنه أن یفرض على مسؤولی البیت الأبیض أن یغیّروا سیاستهم المتمثله فی ممارسه الضغوط القصوى تجاه طالبان. لأن الولایات المتحده لدیها القدره على الضغط على طالبان من خلال العمل العسکری کلما حاولت قوات طالبان تهدید مصالحها فی المنطقه. إن الوضع الحالی فی أفغانستان، والذی یُعزى إلى حد کبیر إلى عجز حکومه طالبان فی حکم البلاد، یُظهر أن التهدید الذی تطرحه هذه الجماعه ضد الولایات المتحده هو مجرد شعار، وأن طالبان تحاول من خلال هذه التهدیدات، إجبار الولایات المتحده على الإفراج عن الأموال الأفغانیه المجمده.
0 Comments