جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
اللقاء المتوتر والمهين بين زيلينسكي وترامب؛ نتيجة الثقة المطلقة بالولايات المتحدة

سينا رايمندي ـ خبير في الشؤون الدولية
ما جرى علناً بين الرئيسين الأمريكي والأوكراني لم يكشف فقط عن التوترات في علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها التقليديين، بل أثار أيضاً تساؤلات مهمة حول مستقبل النظام الدولي ودور الولايات المتحدة فيه. في هذا المقال، سنستعرض نتائج الثقة المطلقة بالولايات المتحدة استناداً إلى أمثلة تاريخية والحدث الأخير، كما سنناقش أفضل الاستراتيجيات للتعامل مع هذا البلد. بالإضافة إلى ذلك، سنجيب على تساؤلات فرعية تتعلق بموقف أوروبا، وأسباب تغيير موقف الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا، والتحول في رؤيتها لأوروبا، فضلاً عن المنافسة مع روسيا والصين خلال الولاية الثانية لترامب.
نتيجة الثقة المطلقة بالولايات المتحدة الأمريكية في العلاقات الدولية
إن تاريخ العلاقات الدولية مليء بأمثلة تُظهر كيف أن الثقة المطلقة بالولايات المتحدة قد أضرت بحلفائها. ومن أبرز هذه الأمثلة، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران خلال الولاية الأولى لترامب. لم يؤدِّ هذا القرار إلى إضعاف ثقة أوروبا بواشنطن فحسب، بل كشف أيضاً عن استعداد الولايات المتحدة للتنصل من التزاماتها الدولية بكل سهولة. مثال آخر على ذلك هو الانسحاب المفاجئ للقوات الأمريكية من أفغانستان عام 2019، والذي أدى إلى تفاقم الأزمة في المنطقة وخيبة أمل الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة.
أما فيما يتعلق بأوكرانيا، ففي البداية شجعت الولايات المتحدة كييف على الوقوف بوجه روسيا، من خلال مساعدات عسكرية ومالية. أما اليوم، في ظل موقف ترامب المختلف والضغوط على زيلينسكي للقبول بإفساح المجال للدبلوماسية في التعامل مع روسيا، تراجعت هذه المساعدات بشكل ملحوظ. هذا التحول في الموقف لم يضع أوكرانيا في موقع ضعيف فحسب، بل أثار أيضاً شكوكاً لدى حلفاء الولايات المتحدة في مدى إمكانية الوثوق بها. بعبارة أخرى، فإن الثقة المطلقة بواشنطن قد تؤدي إلى تبعية خطيرة، تجعل الحلفاء في نهاية المطاف عرضة لمواقف حرجة، خاصة عند تغيّر الأولويات الداخلية أو سياسات الإدارة الأمريكية.
الاستراتيجية المثلى تجاه الولايات المتحدة
بالنظر إلى هذه الحقائق، فإن أفضل استراتيجية للتعامل مع الولايات المتحدة تتمثل في تقليل الاعتماد عليها وتنويع العلاقات الدولية. ينبغي على الدول تعزيز التعاون الإقليمي والدولي مع قوى أخرى، بدلاً من الاعتماد الكامل على واشنطن. على سبيل المثال، يمكن لأوروبا تقليل تبعيتها للولايات المتحدة من خلال تعزيز التعاون داخل الاتحاد الأوروبي وتوسيع شراكاتها مع لاعبين آخرين. كما أن إنشاء آليات أمنية مستقلة عن الناتو قد يساعد أوروبا على الحفاظ على قدرتها الدفاعية في حال تراجع الدعم الأمريكي.
كيف ستتعامل أوروبا مع الولايات المتحدة؟
الردود الأوروبية الأخيرة على أحداث لقاء ترامب وزيلينسكي تظهر أن أوروبا بصدد إعادة النظر في علاقاتها مع الولايات المتحدة تدريجياً. قالت كايا كالاس، المسؤولة عن السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، عقب اللقاء الأخير بين ترامب وزيلينسكي: “اليوم أصبح واضحاً أن العالم الحر بحاجة إلى قائد جديد”، مما يعكس استياء أوروبا من القيادة الأمريكية ورغبتها في تحقيق استقلال أكبر. على الرغم من أن أوروبا لا تزال لا تعتبر الولايات المتحدة عدواً كاملاً، إلا أنه يبدو أن القارة في طريقها نحو تقليص اعتمادها على واشنطن وتعزيز مكانتها كلاعب مستقل على الساحة الدولية.
أسباب التحول في الموقف الأمريكي تجاه أوكرانيا
يمكن البحث عن أسباب تغير الموقف الأمريكي تجاه أوكرانيا في عدة عوامل رئيسية. أولاً، سياسة “أمريكا أولاً” التي وضعها ترامب نصب عينيه قد جعلت واشنطن تركز بشكل أكبر على المصالح الداخلية قصيرة الأمد بدلاً من الالتزامات الدولية طويلة الأمد. ثانياً، الضغوط الداخلية والانقسامات السياسية في الولايات المتحدة قد يكون لها تأثير على قرارات ترامب. ثالثاً، المنافسة المتزايدة مع الصين والحاجة إلى تركيز الموارد على هذه المنافسة قد تكون قد أدت إلى تقليص الدعم الأمريكي لأوكرانيا.
تغيير النظرة الأمريكية تجاه أوروبا والمنافسة مع روسيا والصين في ولاية ترامب الثانية
في ولاية ترامب الثانية، يبدو أن النظرة الأمريكية إلى أوروبا والمنافسة مع روسيا والصين قد شهدتا تغييرات ملحوظة. انتقد ترامب علناً حلفاءه الأوروبيين وطالبهم بزيادة حصتهم في تمويل نفقات الناتو. هذا النهج يشير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لدعم أوروبا بشكل غير محدود. وفي الوقت ذاته، يبدو أن ترامب يظهر ميلاً أكبر لتحسين العلاقات مع روسيا، وهو ما قد يكون جزءاً من استراتيجية أكبر لمواجهة الصين. هذه التغيرات تُظهر أن الولايات المتحدة في طور إعادة تعريف أولوياتها على الساحة الدولية.
الخلاصة
اللقاء المشحون بين ترامب وزيلينسكي أظهر مرة أخرى أن الثقة المطلقة بالولايات المتحدة قد تكون محفوفة بالمخاطر. أفضل استراتيجية تجاه الولايات المتحدة هي تقليل الاعتماد عليها وتنويع العلاقات الدولية. كما يبدو أن أوروبا تسير نحو مزيد من الاستقلال وتقليص الاعتماد على واشنطن. التغير في الموقف الأمريكي تجاه أوكرانيا والنظرة الجديدة لواشنطن إلى أوروبا والمنافسة مع روسيا والصين تعكس تحولات عميقة في السياسة الخارجية الأمريكية، مما سيدفع حلفاءها التقليديين إلى إعادة تقييم علاقاتهم مع واشنطن.
0 Comments