المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: لقد أصبحت السياسات المتعلقة بالهجرة في أوروبا، لا سيما في السنوات الأخيرة، أكثر خضوعاً للضغوط السياسية الداخلية، وتنامي التيارات اليمينية المتطرفة، والتحديات الأمنية والاقتصادية، منها للمبادئ الإنسانية والاعتبارات المتعلقة بحقوق الإنسان.
عابد أكبري ـ خبير في الشؤون الأوروبية
على الرغم من أن العديد من الدول الأوروبية، خاصة ألمانيا، كانت قد رفعت في الماضي شعارات من قبيل “ثقافة الترحيب” لإظهار انفتاحها وقبولها للمهاجرين، إلا أن الدلائل الموجودة تشير إلى تغيير واضح في هذا النهج. ففي ألمانيا، تم خلال النصف الأول من عام 2024 فقط ترحيل أكثر من 7000 شخص إلى بلدانهم الأصلية أو إلى دول ثالثة، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 17% مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق. كما تشير الإحصائيات النهائية للعام إلى تجاوز عمليات الترحيل حاجز الـ 10 آلاف حالة. وكانت معظم عمليات الترحيل هذه من نصيب مواطني تركيا وجورجيا وأفغانستان وألبانيا وسوريا، وشملت في العديد من الحالات أشخاصاً أقاموا لسنوات داخل البلاد. في الوقت ذاته، بلغ عدد طلبات اللجوء المقدمة في ألمانيا 213,499 طلباً، مما يمثل انخفاضاً بنسبة 34% مقارنة بعام 2023.
وقد حذر “مركز تحليل السياسات الأوروبية” في برلين (CEPA) في تقرير له من أن تبنّي سياسات صارمة بخصوص الهجرة، خاصة في بلدان مثل ألمانيا وفرنسا والسويد والنمسا، يعكس في الغالب خضوعاً لضغوط الأحزاب اليمينية الشعبوية أكثر من كونه استجابة فعلية لحاجة واقعية إلى تقليص الهجرة. وفي هذا السياق، استغل حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) الخطابات المناهضة للهجرة لتعزيز موقعه في استطلاعات الرأي، بل وتحوّل في بعض الولايات إلى الحزب الأول. وقد دفع هذا الضغط الأحزاب الوسطية إلى تبنّي مواقف أكثر تشدداً هي الأخرى. فعلى سبيل المثال، أقرّت الحكومة الألمانية في أكتوبر/تشرين الأول 2024 مشروع قانون يُسرّع عمليات الترحيل ويهدف إلى تقليص الدعم الاجتماعي للاجئين. من ناحية أخرى، يواجه المهاجرون في ألمانيا تمييزاً هيكلياً وتزايداً في أعمال العنف. ووفقاً لتقرير “مؤسسة الإحصاء والهجرة”، فقد تم تسجيل أكثر من 1400 حالة اعتداء عنصري في العام الماضي، استهدفت في الغالب لاجئين، مسلمين، وأشخاصاً من أصول إفريقية. وتستمر هذه الاعتداءات في ظل حرمان الكثير من المهاجرين، خصوصاً في الولايات الشرقية، من فرص متكافئة في العمل والتعليم والرعاية الصحية.
كما أكّد التقرير السنوي لـ “وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية” (FRA) على وجود تمييز واضح ضد المهاجرين في سوق العمل، والسكن، وحتى في النظام القضائي الألماني. وأظهرت نتائج دراسة أجراها “معهد ماكس بلانك” (Max Planck) عام 2023 أن أكثر من 45% من المهاجرين من أصول عربية، و51% من ذوي الأصول الإفريقية في ألمانيا، قد تعرضوا شخصياً لتجارب تمييز في حياتهم اليومية.
المسألة الأخرى المثيرة للقلق هي التوجه المتزايد نحو “أمننة الهجرة”، وهي ظاهرة تولي الأجهزة الأمنية والشرطة مسؤولية إدارة ملف الهجرة، بدلاً من المنظمات الاجتماعية ومؤسسات الإدماج. ففي ألمانيا، أصبحت بعض جوانب اتخاذ القرار بشأن قبول أو رفض طلبات الهجرة تُدار بمشاركة مباشرة من “المكتب الاتحادي لحماية الدستور” وأجهزة الأمن الداخلي. وإضافةً إلى ذلك، فإن إنشاء مخيمات حدودية تحت إشراف الشرطة، إلى جانب تنفيذ عمليات احتجاز وقائي للمهاجرين الذين لا يحملون وثائق إقامة، هي أمثلة على تفوق النهج الأمني على النهج القائم على الحقوق. في مثل هذه الظروف، فإن الهجرة إلى أوروبا تعني العيش في حالة من التعليق المستمر: فلا قبول تام، ولا طرد صريح.
ويعيش العديد من المهاجرين، خصوصاً من الجيل الثاني، حالة ازدواجية في الهوية: فمن جهة يشعرون بالغربة تجاه المجتمع المُضيف، وفي الوقت ذاته، تتضاءل روابطهم الاجتماعية مع موطنهم الأصلي. هذه الحالة لا تهدد فقط التماسك الاجتماعي، بل تهيئ أيضاً بيئة خصبة لنمو مشاعر الإحباط، والعزلة، وردود الفعل الاحتجاجية في أوساط المهاجرين.
إن السياسات الحالية لأوروبا المتعلقة بالهجرة، أكثر من كونها استجابة لأزمة حقيقة، تعكس أزمة داخلية في قيم الديمقراطية الليبرالية؛ قيم غالباً ما تُستبدل في اللحظات الحاسمة بالمصالح الجيوسياسية، وضغوط الأطراف السياسية، والاضطرابات الاقتصادية. قضية الهجرة في أوروبا لم تعد مجرد أزمة إنسانية، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لضمير الحكومات ومصداقيتها السياسية. إن التعامل الإنساني، العادل والشفاف مع المهاجرين، هو مقياس للنضج السياسي والأخلاقي للأنظمة الحديثة، قبل أن يكون معروفاً ومِنّةً من جانب الدولة المضيفة. وللأسف، تواصل أوروبا تراجعها في هذا الامتحان، إذ تنال درجات أدنى يوماً بعد يوم.
0 Comments