جدیدترین مطالب
الموازنة في سلسلة نقاط الاختناق؛ من الردع البحري إلى الدبلوماسية متعددة المسارات
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا، بدءاً من تصاعد التوترات في الخليج الفارسي، مروراً بالتحركات الصاروخية والمسيّرات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التحذير الأخير الصادر عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن تهديد حرية الملاحة، إلى تحول جوهري في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على إطار إقليمي ومحلي، بل امتدت لتربط بين ممرين حيويين للاقتصاد العالمي، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
أحدث المقالات
الموازنة في سلسلة نقاط الاختناق؛ من الردع البحري إلى الدبلوماسية متعددة المسارات
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا، بدءاً من تصاعد التوترات في الخليج الفارسي، مروراً بالتحركات الصاروخية والمسيّرات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التحذير الأخير الصادر عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن تهديد حرية الملاحة، إلى تحول جوهري في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على إطار إقليمي ومحلي، بل امتدت لتربط بين ممرين حيويين للاقتصاد العالمي، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
ضرورة تحليل تجربة عدوان الكيان الصهيوني والاستفادة من الفرص الجديدة

الدكتور محمد مهدي مظاهري ـ أستاذ جامعي
لحسن الحظ، لم تتحول الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوماً إلى مواجهة شاملة أو حرب استنزاف، وذلك بفضل التنسيق والإدارة الجديرة بالثناء من قبل الجهاز الدبلوماسي والقيادات العسكرية الإيرانية. ووفقاً لتقارير سرية للغاية حصلت عليها شبكة CNN وقامت بنشرها، فإن الهجوم الأمريكي لم يُحدث تأثيراً جوهرياً على المنشآت وأجهزة الطرد المركزي الإيرانية، ولم يدمر القدرة النووية الإيرانية بأي حال. ومع ذلك، يبدو إن هذه التجربة المريرة التي حدثت في الأسبوعين المنصرمين تحمل دروساً ورسائل متعددة للمسؤولين وصنّاع القرار في إيران في أبعاد مختلفة، مما يستوجب على صانعي السياسات مراجعة نقاط القوة والضعف بنظرة واقعية، ووضع استراتيجيات مستقبلية للبلاد مستفيدين من هذه التجارب.
أول الدروس في هذا المجال يتعلق بالبعد العسكري، حيث يتطلب إعادة النظر في استراتيجيات الردع الفاعل. ورغم أن الضربات الصاروخية الدقيقة، التي وجهتها إيران للأراضي المحتلة رداً على عدوان الكيان الإسرائيلي، كانت محل تقدير، وأثارت دهشة وإعجاب ليس فقط الإيرانيين بل وشعوب المنطقة كافة، إلا أن الهجمات المتكررة للكيان الإسرائيلي على المراكز العسكرية والسكنية وبعض البنى التحتية للطاقة في البلاد، أظهرت أكثر من أي وقت مضى، الحاجة الملحة لإنشاء طبقات دفاعية أكثر عمقاً وتنوعاً لحماية البنى التحتية الحيوية والمراكز الحساسة في البلاد.
لذا، لا ينبغي إغفال أن مجرد امتلاك القدرة على الهجوم ليس كافياً، بل من الضروري كذلك تطوير القدرة الدفاعية المضادة للصواريخ وحماية المجال الجوي للبلاد. ومن جهة أخرى، يتوجب في المجال الهجومي، الاستثمار في مجال أنظمة التخفي الراداري والتغلب على دفاعات العدو. كما يبدو أن إيران، نظراً للحرب المركبة التي شنها العدو ضد بلادنا، يجب أن تولي مزيد الاهتمام بجوانب الحرب الإلكترونية، والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي، والمسيّرات الدقيقة، والمسيرات الهجومية المتطورة، للمنافسة مع الحروب الحديثة.
النقطة الثانية، الكشف عن تعاون بعض العناصر الداخلية مع الكيان الإسرائيلي، ما سهّل على هذا الكيان الغاصب تنفيذ هجومه. يمكن تحليل وتقييم سببية استعداد البعض للتعاون مع العدو بخيانة وطنهم من زوايا مختلفة؛ وقد ساهم في هذه القضية تراجع رأس المال الاجتماعي للنظام السياسي في السنوات الأخيرة، وتفاقم المشاكل الاقتصادية، والإغراءات المالية للكيان الإسرائيلي، وعدم انتماء بعض المهاجرين الأجانب إلى إيران التي منحتهم اللجوء، بالإضافة إلى عوامل أخرى. لذا، من الضروري أن يقوم المسؤولون الأمنيون والاستخباراتيون في البلاد، بعيداً عن الإجراءات العاطفية والتسرع في إعدام الخونة، بالتركيز أولاً على تحديد أسباب وجذور هذا العمل الغريب والمعادي للوطن، وإعداد تقرير دقيق وعادل للجهات المعنية، وتقديم توصيات لمنع تكرار هذه التجربة المريرة.
إلى جانب ظهور الحقيقة المروعة لبعض التعاون الداخلي مع العدو، شهدنا جانباً آخر من المجتمع الإيراني، والذي كان أيضاً غريباً ومثيراً للفخر ومصدر سعادة. فبعض شرائح المجتمع الإيراني التي كانت في السنوات الماضية من بين المعارضين للنظام السياسي، وبعضهم حاولوا التعبير عن عدم رضاهم عن الظروف السياسية والاقتصادية في البلاد من خلال مقاطعة صناديق الاقتراع، غيرت موقفها بعد عدوان الكيان الإسرائيلي بطريقة لا تصدر إلا من إيراني وطني، وسارعت إلى دعم الوطن والدفاع عن وحدة أراضيه، وشجعت الآخرين على وضع الخلافات جانباً في هذه الظروف والتفكير فقط في إنقاذ إيران.
نفس الفتيات اللواتي كن يشكون من التشدد والرسائل النصية التي تفرض غرامات بسبب حجابهن، شاركن في هذه الأيام الـ 12 من عدوان الكيان الإسرائيلي على بلادنا في المسيرات الداعمة لإيران، وخرجن ليلاً في الشوارع حاملات العلم الإيراني ليبعثن برسالة للعدو: لا تنتظروا تمردنا، نحن حتى لو كنا معترضين على الوضع الحالي في بلادنا، فلسنا خونة أو بائعات للوطن، ولم نعلق آمالنا على دول أجنبية من أجل التغيير في إيران، وأولويتنا قبل كل شيء هي “صلابة واستقلال وحرية إيران”!
هذا التلاحم والتضامن الذي نشأ بين مختلف فئات الشعب في خضم الحرب يُعد ثروة اجتماعية ثمينة؛ وعلى المدراء وصانعي القرار في البلاد أن يقدموا رداً مناسباً على هذا الشعور بالحب لإيران والوطن، بقرارات صائبة ومدروسة للحفاظ على هذه الثروة الناشئة بأفضل شكل ممكن.
كما كان استهداف مبنى الإذاعة والتلفزيون وشجاعة المذيعة التي واصلت التغطية المباشرة، واحدة من المفاجآت الأخرى خلال فترة الحرب، رغم أن الإيرانيين لم يكونوا راضين عن أداء هذه المؤسسة في السنوات الماضية، ولم يعتبروها وسيلة إعلامية محايدة تمثل صوت جميع الإيرانيين، غير أن استهدافها أثار موجة من التعاطف لديهم ولدى النشطاء السياسيين، وتم تداول بفخر مقاطع فيديو لشجاعة المذيعة على مواقع التواصل مراراً وتكراراً. هذا الاهتمام والدعم الشعبي يعد فرصة ذهبية لهذه المؤسسة لتعديل سياساتها المتشددة وسلوكها السابق، والرد على الدعم الشعبي، وإظهار أنه إذا كان بإمكان جميع الإيرانيين أن يشعروا بالحزن لاستهداف الإذاعة والتلفزيون، فإن هذه الوسيلة الإعلامية يمكن أن تهتم أيضاً بمشاغل كافة أبناء الشعب الإيراني، وتسمح للمحللين والخبراء من مختلف التوجهات السياسية بالتعبير عن آرائهم.
هذه الوسيلة الإعلامية، التي كانت خلال أيام الحرب تظهر باستمرار نساء وفتيات شبه محجبات يحملن الأعلام لتثبت للعالم أن هؤلاء الفتيات أيضاً يدعمن النظام السياسي، يجب عليها أن تتبنى بعد ذلك نظرة أكثر رحمة وتسامحاً تجاههن، وألا يتم استبعادهن مرة أخرى من شاشة التلفزيون بعد عودة الأوضاع إلى طبيعتها. فالشباب الإيراني، بكل توجهاته ومعتقداته، هم أبناء هذا البلد، ومن الضروري أن يُسمع صوتهم وأن تُؤخذ مطالبهم بعين الاعتبار.
في الساحة الدولية أيضاً، كانت ردود الفعل على عدوان الكيان الإسرائيلي على إيران ذات أهمية. إن موقف الدول العربية والإسلامية في المنطقة التي أدانت جميعها هذا الهجوم على بلادنا، يُظهر أن النهج الأخير للسياسة الخارجية للبلاد المتمثل في تعزيز العلاقات مع دول الجوار على أساس المصالح المشتركة وتقليل سوء الفهم كان سياسة مفيدة وفعالة يجب أن تستمر وتعزز.
من جهة أخرى، فإن الدعم الواضح والحازم من بعض الدول للكيان الصهيوني يُشير إلى ضرورة تعزيز الدبلوماسية النشطة مع القوى الأخرى، وخاصة الدول غير المنحازة والناشئة، حتى تتمكن إيران من ترسيخ مكانتها في ميزان القوى العالمي. الدرس المهم في هذا المجال هو ضرورة استخدام أدوات الدبلوماسية بذكاء، وتعزيز اللوبي وتكثيف جهود التوعية على الصعيد الدولي لتوضيح مواقف إيران ودحض السرديات الخاطئة.
وفي الختام، يجب القول إن هذه الحرب التي استمرت 12 يوماً لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت مرآة عاكسة للتحديات والفرص التي تواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مختلف الأصعدة. وعلى الرغم من أن وقف إطلاق النار يبدو هشاً وغير مستقر نظراً للسلوك المعتاد للكيان الإسرائيلي، ينبغي على المسؤولين في بلادنا إلى جانب إعادة بناء القوات في مختلف المجالات، التفكير في تشخيص ودراسة جذور الاختراق وأبعاده ومواجهته بجدية وإدارة البلاد بشكل أفضل في الظروف المختلفة، دون الإغفال عن الدروس التي أفرزها هذا العدوان.
تشمل هذه الدروس ضرورة تعزيز القدرات العسكرية والردع الفعال، والتحصين الاقتصادي، وزيادة رأس المال الاجتماعي، وتبني دبلوماسية نشطة وذكية على المستويين الإقليمي والدولي. إن النجاح في تجاوز هذه الأزمات وضمان أمن وتقدم البلاد مستقبلاً، يتطلب نظرة واقعية، وتبني استراتيجيات شاملة، وتعزيز التلاحم الوطني. لقد ذكّرتنا هذه التجربة مرة أخرى بأن الاستعداد للتحديات غير المتوقعة يتطلب نهجاً شاملاً ومتوازناً في جميع أبعاد الحوكمة.
0 Comments