المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال محلل بارز في شؤون شبه القارة الهندية إن العرض العسكري الكبير الذي أقامته الصين في الثالث من سبتمبر/أيلول 2025 لم يكن مجرد استعراض للقوة؛ بل كان بداية فصل جديد في المعادلات الجيوسياسية العالمية. فحضور قادة الصين وروسيا وكوريا الشمالية في آن واحد أمام الكاميرات، خاصة في ظل الكشف عن "المثلث الاستراتيجي النووي" لبكين، بعث برسالة واضحة إلى واشنطن وحلفائها مفادها أن النظام الأحادي القطبية الماضي آخذ في الانهيار، وأن العالم يتجه نحو التعددية القطبية. فالمنظومات الصاروخية الجديدة التي تطلق من البر والبحر والجو رفعت قدرة الردع النووي للصين إلى مستوى غير مسبوق، وردود الفعل الأمريكية، بدءً من تصريحات دونالد ترامب الساخرة إلى حالة التأهب في البنتاغون، أظهرت أن واشنطن تنظر إلى هذه التطورات كتهديد استراتيجي. ويرى العديد من المحللين أن هذا الحدث، إلى جانب بعده العسكري، يُعد رمزاً لتشكل تحالفات جديدة بين قوى الشرق في مواجهة الغرب. وفي الوقت نفسه، تسارعت وتيرة سباق التسلح والضغوط الدبلوماسية في منطقة آسيا - المحيط الهادئ، ودخلت المعادلات الأمنية في تايوان وما بعدها مرحلة جديدة. ويبدو أن عرض بكين لم يكن مجرد مراسم عسكرية، بل بداية حقبة سيشهد فيها القرن الحادي والعشرون إعادة تعريف لمفهوم القوة بوتيرة متسارعة.
من فخ ثيوسيديديس إلى فخ تشرشل؛ المسارات المحتملة أمام الصين والولايات المتحدة
قال نوذر شفيعي في حوار مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: “التاريخ كان دائماً شاهداً على صعود القوى وأفولها؛ وهو مسار يتكرر اليوم في شكل التنافس بين الصين والولايات المتحدة”. وبحسب هذا الأستاذ الجامعي، فإن “الولايات المتحدة قلقة من تحديات الصين، وستسعى لمنع بكين من التحول إلى القوة المهيمنة عالمياً.
ويشير هذا المحلل إلى مفهوم “فخ ثيوسيديديس”، موضحاً أن “هذه النظرية، المستمدة من تجارب حروب اليونان القديمة، تشرح كيف أن القوة المهيمنة، خوفاً من صعود منافس جديد، تنجرف نحو مواجهة عسكرية”. ومن هنا يحذّر من أن “من الممكن أن تفكر واشنطن في خطوات عسكرية لاحتواء الصين؛ وهو سيناريو وإن لم يكن حتمياً، لكن لا يمكن تجاهله”.
ويرى الخبير في شؤون جنوب شرق آسيا أن “المعادلات الراهنة لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تشمل طيفاً واسعاً من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية”. ومن خلال طرحه سيناريوهين رئيسيين، يصف المسارات الماثلة أمام القوتين بهذا الشكل: “الأول هو سيناريو المواجهة المباشرة أو فخ ثيوسيديديس، حيث يقود التنافس غير القابل للتحكم إلى حرب ساخنة؛ والثاني هو سيناريو “فخ تشرشل” المستند إلى سياسة احتواء الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، وقد يؤدي إلى نشوء حرب باردة جديدة بين واشنطن وبكين”.
ويضيف الأستاذ الجامعي: “إذا تحقق السيناريو الثاني، فإن عداء الولايات المتحدة والصين سيتجلى أساساً في مجالات الدعاية، الضغوط الاقتصادية، والتقييد السياسي، بينما سيتجنب الطرفان الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة”. ويؤكد أن “مستوى التوتر وطريقة السيطرة عليه يتوقفان على مهارة إدارة قادة البلدين، إذ إن لكل مسار منهما سيكون له تداعيات عميقة على النظام الدولي”.
الصين على أعتاب منعطف تاريخي؛ دبلوماسية الذئب المحارب والطموح العالمي
يرى هذا الخبير في شؤون شبه القارة الهندية أن “الصين، بحكم عدد سكانها الضخم، وقوتها الاقتصادية، وإرثها الحضاري، لا يمكنها أن تتخلى عن مسار التحول إلى قوة عالمية”. ويرى إن “هذا المسار ليس مجرد رغبة من قادة الصين، بل إن القدرات الكامنة داخلها تدفعها نحو لعب دور أكبر في النظام الدولي”.
ويشير شفيعي إلى التغييرات البنيوية في القيادة الصينية، بما في ذلك تعديل الدستور لتمديد غير محدود لولاية شي جين بينغ، معتبراً ذلك علامة على إدراك بكين لدخولها “منعطفاً تاريخياً حساساً” يتطلب قيادة قوية واستراتيجية. ويضيف أن قادة الصين تخلوا الآن عن الدبلوماسية التقليدية واتجهوا إلى ما يُعرف بـ “دبلوماسية الذئب المحارب” التي تعكس المزيد من الصراحة والحزم والثقة بالنفس في السياسة الخارجية لهذا البلد.
ويشدد الخبير في شؤون جنوب شرق آسيا على أن “هذا التحول في نهج بكين ليس مجرد دعاية، بل يعكس تغيراً في موازين القوة داخل النظام العالمي”. ويرى أن “الصين اليوم لاعب لا يقتصر دوره على المجال العسكري، بل يشمل الاقتصاد، التكنولوجيا، وحتى الفضاء السيبراني”. ومن وجهة نظر شفيعي، فإن “العرض العسكري الأخير يُجسّد هذا المسار؛ إذ إن الصين من خلال عرض قدراتها الاستراتيجية تحاول أن تبعث برسالة واضحة إلى خصومها بأن زمن الأحادية القطبية يوشك على الانتهاء، وأن نظاماً متعدد الأقطاب في طور التبلور”.
ويتابع الخبير في شؤون شرق آسيا: “على مستوى خارج الإقليم، فإن تقارب الصين وروسيا وكوريا الشمالية في مواجهة الغرب يذكّر بأجواء الحرب الباردة، لكن مع معادلات أكثر تعقيداً؛ إذ إن التنافس الآن لم يعد عسكرياً فقط، بل تكنولوجياً، واقتصادياً، وحتى سيبرانياً أيضاً. ويبدو أن عرض بكين العسكري بداية لمرحلة لن تبقى فيها موازين القوى العالمية على حالها كما في السابق”. ويختم الأستاذ الجامعي الحوار بالتأكيد على أن “مستقبل النظام العالمي يعتمد إلى حد كبير على طبيعة تفاعل الصين والولايات المتحدة. فإذا تمت إدارة الأزمات بذكاء، فسيستمر التنافس بين القوتين في مستوى قابل للتحكم، وإلّا، فقد يدخل العالم مرحلة من التوترات البنيوية التي ستتجاوز آسيا وتمتد آثارها إلى كامل النظام الدولي”.
0 Comments