المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشمل المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في السنوات الأخيرة مناطق جغرافية مختلفة، بما في ذلك منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وغرب آسيا، والقطبين الشمالي والجنوبي، وأفريقيا، بالإضافة إلى مجالات متنوعة مثل الاقتصاد والتكنولوجيا. وفي خضم ذلك، تشكلت منافسة استراتيجية في منطقة الخليج الفارسي في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.
علي رضا ثمودي ـ عضو الهيئة العلمية في معهد ابرار للبحوث
خلال فترة الحرب الباردة، اعتمدت نظرة الصين إلى منطقة الخليج الفارسي وغرب آسيا على رؤية ماو التي دعمت حركات التحرر، وذلك لتثبيت نفسها كلاعب دولي رسمي. ولكن بعد نهاية الثورة الثقافية، تحول نهج الصين نحو القضايا غير الأيديولوجية والاقتصادية والتجارية. في هذا السياق، ظهر مفهوم دولي تحت عنوان “سياسة العدو الصفري”، وقد اتبعت الصين هذا النهج في السنوات الأخيرة. تتميز هذه السياسة بخصائص هامة؛ منها أن بكين تركز بشكل أكبر على المناقشات الدبلوماسية والاقتصادية بدلاً من المسائل العسكرية. كما أنها تسعى إلى تعزيز تعددية الأطراف، وتجنب الأحادية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وقد زادت هذه السياسة من أهمية المنطقة بالنسبة للصين، خاصة بعد وصول شي جين بينغ إلى السلطة وتطبيق مبادرة “الحزام والطريق”.
علاوة على ذلك، يمكن تحليل السياسة الخارجية للصين تجاه دول الخليج الفارسي بناءً على مفهوم “الحصانة الاستراتيجية”. تسعى بكين، كلاعب قوي في مواجهة الولايات المتحدة، إلى الدخول عبر البوابة الاقتصادية، وإقامة علاقات مع جميع الأطراف، مع محاولة عدم الظهور بمظهر المتحدي لسلطة اللاعب المهيمن. في الواقع، وفي ظل الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في المنطقة، تقوم الصين بتوسيع علاقاتها مع الأطراف الأخرى. كما يجب ملاحظة أن ما يقرب من 40% من احتياجات الصين من الطاقة يتم توفيرها عبر الخليج الفارسي ومضيق هرمز، وهذا الموضوع له أهمية كبيرة للصين.
النقطة التالية هي أن الصين تعتبر الشريك التجاري الأهم لدول الخليج الفارسي؛ وفقاً لإحصاءات صدرت حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين ودول المنطقة 299 مليار دولار، وهو ما يغطي 19 بالمئة من العلاقات التجارية لدول مجلس تعاون الخليج الفارسي، تليها الهند والولايات المتحدة واليابان. في السنوات الأخيرة، شهدت هذه العلاقات الاقتصادية زيادة كبيرة، وفي مجال التكنولوجيا، تتواجد العديد من الشركات الصينية في المنطقة، وهناك تعاون واسع في المناقشات التكنولوجية؛ لدرجة أن أساتذة كيمياء صينيين يُدرّسون في جامعات السعودية والإمارات، وتتعاون شركات صينية مختلفة مع أبوظبي والرياض، لا سيما في مجالات مثل الخدمات السحابية. في مجال الصناعات العسكرية، وعلى الرغم من أن الصينيين متأخرون نسبياً، إلا أن تعاونهم العسكري والتسليحي مع بعض دول المنطقة قد زاد في السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من تخلفهم بفارق كبير عن الولايات المتحدة، فقد توصلوا إلى اتفاقات مع السعودية والإمارات لبناء مصانع لإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة. أوجه التعاون هذه في المجال التسليحي والعسكري في تزايد، ولكن الحرب الأخيرة قد تحدث تغييرات. يتعلق موضوع مهم في فترة الحرب بسفر ولي عهد الإمارات إلى الصين والمكالمة الهاتفية مع بن سلمان، مما أدى إلى طرح مفهوم “الأمن المستدام والمشترك في الخليج الفارسي”. لقد كانت الصين نشطة أيضاً في مجال الوساطة، وفي زيارة وزير الخارجية الباكستاني إلى الصين، طرحوا اقتراحاً من خمس مواد، ومن خلال إرسال مبعوث خاص إلى المنطقة، وعلى عكس ما بدا للوهلة الأولى، نشطوا بشدة للسيطرة على الوضع؛ لأن أي توتر في هذه المنطقة يمكن أن يضع العراقيل أمام مبادرة “الحزام والطريق”.
ومن الموضوعات المهمة الأخرى، مسألة خروج الإمارات من منظمة أوبك، والتي إذا ترافقت مع إعادة فتح مضيق هرمز، فستكتسب أهمية كبيرة لأمن الطاقة الصيني؛ إذ إنه في حال خروج الإمارات من هذه القواعد، ستتاح إمكانية التعامل بعملة غير الدولار، مثل “اليوان”، وهو ما يسهم في تدويل العملة الصينية وفي التبادل بالعملات المحلية. ومع ذلك، سعى الصينيون دائماً إلى الحفاظ على نوع من التوازن بين إيران والسعودية والإمارات والكيان الإسرائيلي. أما انعكاس هذه الأوضاع على الصين والولايات المتحدة في المنطقة، فهو أن الدور الأمني الصيني سيزداد تدريجياً على الأرجح؛ إذ إن العرب قد توصّلوا إلى قناعة بأن مبدأ “النفط مقابل الأمن” قد تعرض للتشكيك، وأن الولايات المتحدة ستمنح في نهاية المطاف الأولوية للكيان الإسرائيلي. وقد أدى هذا التصور إلى تقاربٍ أكبر بين السعودية والصين. غير أنه لن يحدث تحول جذري على المدى القصير، لأن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بنحو 50 ألف جندي في المنطقة، ولأن البنية الدفاعية للدول العربية تعتمد على واشنطن. لذلك، فإن تصور حدوث زيادة سريعة في تعاون الصين مع دول المنطقة في هذا المجال ليس مرجحاً، لكن نموذج العلاقات في قطاع الطاقة سيكون مختلفاً، وقد تتشكل “مجموعة طاقة الخليج الفارسي” بمشاركة الصين. كما أن اتفاقية التجارة الحرة التي تعمل الصين ودول الخليج الفارسي على دفعها قد تُوقَّع خلال هذا العام، وهو ما سيزيد من مستوى الاعتماد الاقتصادي المتبادل بينها.
وفي هذا السياق، تواجه الصين أيضاً منافسين مثل اليابان وكوريا الجنوبية في المنطقة؛ فعلى سبيل المثال، نظام الدفاع الذي قدمته كوريا الجنوبية للإمارات يُقال إنه حقق نجاحاً شبه كامل في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة المنطلقة من إيران. كذلك، تعمل اليابان، رغم القيود القانونية، على زيادة تعاونها الفني في المجال العسكري، ما ساعد على حضور فاعلين آخرين في الساحة الأمنية مع الدول العربية. ومن المتوقع أيضاً أن يزداد دور الصين في القضايا الاقتصادية بشكل أوضح، بينما يتراجع الدور الأمني الأمريكي تدريجياً. وإذا استمرت الذهنية الحالية لدى العرب، فستظل الولايات المتحدة الفاعل الأمني الأول، لكن المنافسة الاقتصادية ستكون هي جوهر المسألة. وفي المجال التكنولوجي، إذا تعرضت مراكز البيانات التابعة للدول العربية لهجمات في حال اندلاع نزاع، وتحول الأمر إلى قضية أمنية، فقد تميل هذه الدول أكثر نحو الصين. أما في المجال العسكري، فمن المرجح أن تستحوذ إلى جانب الصين قوى أخرى مثل كوريا الجنوبية واليابان على حصة أكبر من سلة تسليح الدول العربية، وإن كان ذلك سيجري بوتيرة تدريجية وهادئة.
0 Comments