جدیدترین مطالب

نظرة في أبعاد وآفاق التوتر في العلاقات بين تركيا والكيان الإسرائيلي

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: على الرغم من أن تصاعد التوترات اللفظية والاستراتيجية بين تركيا والكيان الإسرائيلي لم يرفع احتمالات اندلاع حرب مباشرة، فإنه يكشف عن تشكّل نظام جديد في إطار المنافسات الجيوسياسية في غرب آسيا.

الموازنة في سلسلة نقاط الاختناق؛ من الردع البحري إلى الدبلوماسية متعددة المسارات

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا، بدءاً من تصاعد التوترات في الخليج الفارسي، مروراً بالتحركات الصاروخية والمسيّرات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التحذير الأخير الصادر عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن تهديد حرية الملاحة، إلى تحول جوهري في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على إطار إقليمي ومحلي، بل امتدت لتربط بين ممرين حيويين للاقتصاد العالمي، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب.

دور القوى الناشئة في إعادة صياغة قواعد النظام العالمي

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: لم تعد القوى الوسطى، مثل الهند وتركيا وأستراليا وبعض دول الخليج الفارسي، أطرافاً هامشية في النظام الدولي، بل أصبحت، من خلال دبلوماسية التوازن، تعيد رسم معادلات القوة العالمية.

لماذا أخفقت الاستراتيجية العسكرية لواشنطن

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تجاهلت واشنطن قدرات الردع وأدوات الاقتصاد السياسي التي تمتلكها إيران، فوجدت نفسها أمام مأزق استراتيجي في مضيق هرمز، لا تستطيع الوسائل العسكرية وحدها إخراجها منه.

مؤشرات الاختيار بين الحرب أو الدبلوماسية

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن تحليل السياسة الخارجية لا يكون ذا قيمة إلا إذا قيَّم القرارات على أساس المعلومات والظروف التي كانت متاحة لحظة اتخاذها، لا استناداً إلى النتائج التي لم تتكشف إلا بعد انتهاء الأزمة.

الرسائل والتداعيات الاستراتيجية لكسر الحصار المفروض على اليمن

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن هبوط أول رحلة جوية مباشرة من طهران إلى صنعاء بعد أكثر من عقد من الزمن لا يُعد مجرد حدث اعتيادي في مجال النقل الجوي، بل يمثل تحولاً إنسانياً وسياسياً واستراتيجياً، تنعكس تداعياته إلى ما هو أبعد من الجغرافيا اليمنية.

Loading

أحدث المقالات

نظرة في أبعاد وآفاق التوتر في العلاقات بين تركيا والكيان الإسرائيلي

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: على الرغم من أن تصاعد التوترات اللفظية والاستراتيجية بين تركيا والكيان الإسرائيلي لم يرفع احتمالات اندلاع حرب مباشرة، فإنه يكشف عن تشكّل نظام جديد في إطار المنافسات الجيوسياسية في غرب آسيا.

الموازنة في سلسلة نقاط الاختناق؛ من الردع البحري إلى الدبلوماسية متعددة المسارات

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا، بدءاً من تصاعد التوترات في الخليج الفارسي، مروراً بالتحركات الصاروخية والمسيّرات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التحذير الأخير الصادر عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن تهديد حرية الملاحة، إلى تحول جوهري في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على إطار إقليمي ومحلي، بل امتدت لتربط بين ممرين حيويين للاقتصاد العالمي، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب.

دور القوى الناشئة في إعادة صياغة قواعد النظام العالمي

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: لم تعد القوى الوسطى، مثل الهند وتركيا وأستراليا وبعض دول الخليج الفارسي، أطرافاً هامشية في النظام الدولي، بل أصبحت، من خلال دبلوماسية التوازن، تعيد رسم معادلات القوة العالمية.

لماذا أخفقت الاستراتيجية العسكرية لواشنطن

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تجاهلت واشنطن قدرات الردع وأدوات الاقتصاد السياسي التي تمتلكها إيران، فوجدت نفسها أمام مأزق استراتيجي في مضيق هرمز، لا تستطيع الوسائل العسكرية وحدها إخراجها منه.

مؤشرات الاختيار بين الحرب أو الدبلوماسية

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن تحليل السياسة الخارجية لا يكون ذا قيمة إلا إذا قيَّم القرارات على أساس المعلومات والظروف التي كانت متاحة لحظة اتخاذها، لا استناداً إلى النتائج التي لم تتكشف إلا بعد انتهاء الأزمة.

الرسائل والتداعيات الاستراتيجية لكسر الحصار المفروض على اليمن

المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن هبوط أول رحلة جوية مباشرة من طهران إلى صنعاء بعد أكثر من عقد من الزمن لا يُعد مجرد حدث اعتيادي في مجال النقل الجوي، بل يمثل تحولاً إنسانياً وسياسياً واستراتيجياً، تنعكس تداعياته إلى ما هو أبعد من الجغرافيا اليمنية.

Loading

كلمة الدكتور خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية في مؤتمر “القانون الدولي تحت وطأة الهجوم: العدوان والدفاع” ـ مركز الدراسات السياسية والدولية بوزارة الشؤون الخارجية

المجلس الاستراتيجي أونلاين: ألقى الدكتور خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، كلمة في مؤتمر "القانون الدولي تحت وطأة الهجوم: العدوان والدفاع" الذي عُقد في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 في مركز الدراسات السياسية والدولية بوزارة الشؤون الخارجية.

بسم الله الرحمن الرحيم

أقدّم شكري لسعادة الدكتور عراقجي وسعادة الدكتور خطيب زاده على تنظيم مثل هذا المؤتمر. مثل هذه المؤتمرات يمكن أن تؤدي دوراً مهماً جداً في توضيح قضايا إيران والمنطقة. إن مؤتمر اليوم الذي يتناول موضوع العدوان والدفاع، وفي ضوء الكلمات والمداخلات التي طُرحت اليوم في الجلسات المختلفة، وكما تم إبلاغي، فقد قام بتوضيح الظروف الدولية الراهنة بشكل جيد من حيث عدم احترام القانون والقانون الدولي.

وللأسف، مع أنه بُذلت جهود كبيرة جداً في العالم لتأسيس منظمة دولية وصياغة قوانين دولية على أمل أن تحكم العلاقات بين الدول وتمنع الحرب وإراقة الدماء، إلا أننا نرى للأسف أن سيادة القانون قد تحولت إلى سيادة القوة، وخاصة مع وصول السيد ترامب إلى منصب رئاسة الولايات المتحدة، والذي لا يؤمن أصلاً بالقوانين الدولية، بل يلجأ إلى القوة والضغط والحرب من أجل تحقيق أهدافه.

لقد كانت إيران من بين مؤسسي منظمة الأمم المتحدة، وسعت خلال جميع هذه الفترات إلى تطبيق القوانين الدولية ومنع الحرب وإراقة الدماء، لكن القوى الكبرى طالما أساءت استخدام هذه المنظمة، ومع مرور السنوات أصبحت الأمم المتحدة أضعف. واليوم نرى أن الأمم المتحدة في وضع ضعيف للغاية، بحيث إن القوى الكبرى تتخذ أي قرار تشاء، فيما تعجز الأمم المتحدة عن منع هذه القرارات الخاطئة. وقد شهدنا حتى فيما يتعلق بقضايا غزة الأخيرة حجم الإهانات الموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وهذا يدل على تراجع مكانة الأمم المتحدة، فبدل أن يكون القانون هو الأساس، وتؤدي الأمم المتحدة دورها الحقيقي، أصبحت سيادة القوة هي الحاكمة.

وعلى كل حال، فإن اسم هذا المؤتمر “العدوان والدفاع” مأخوذ من عنوان مؤتمر “العدوان والدفاع” الذي عقدناه في نهاية الحرب المفروضة التي دامت ثماني سنوات. كنتُ في ذلك الوقت مسؤولاً عن مرکز الاعلام الحربي، وعقدنا مؤتمراً تمت فيه دعوة حقوقيين وشخصيات بارزة من مختلف الدول. وكان مؤتمر “العدوان والدفاع” ناجحاً للغاية، لأنه بحث الأسس القانونية لما جرى في الحرب المفروضة من عدوان واضح، وكان تجربة في كيفية منع وقوع اعتداءات مماثلة لاحقاً.

في الحرب التي دامت ثماني سنوات، صمدنا طوال ثماني سنوات. كانت هناك محاولات كثيرة لدفعنا إلى القبول بوقف إطلاق النار ثم التفاوض لاحقاً، لكن إيران لم تقبل بذلك، وسعت بأن تعتمد على شبابها وقواتها المسلحة في إخراج العدو من الأراضي الإيرانية. لقد كان هذا إنجازاً عظيماً لإيران، ففي وقت كان النظام قد شهد ثورة جديدة وكان الأعداء يظنون أن الأوضاع قد اختلّت وأنهم قادرون على تقسيم إيران وتحقيق أهدافهم، إلا أن الإرادة التي أبداها شعبنا العزيز وشبابنا الغيور مكّنتهم من طرد العدو من الأراضي الإيرانية.

وإذا قمنا بالمقارنة، نرى أن بين تلك الحرب التي استمرت ثماني سنوات وبين حرب الاثني عشر يوماً أوجهاً من التشابه. ففي حرب الثماني سنوات كان الصمود والتماسك والقدرة على التحمل لدى الشعب هي التي قادت إلى تحقيق النصر أمام العدو. وكانت إرادة قواتنا المسلحة وعزمها ودافعها هي التي جعلتهم يقفون بوجه العدو ويدافعون عن البلاد. وفي حرب الاثني عشر يوماً أيضاً شهدنا الأمر نفسه؛ لقد رأيتم الصمود والثبات لدى الشعب، والتماسك التي أبداها الإيرانيون في مواجهة الأجانب، كانت مؤثرة جداً. فبينما كان الأعداء يريدون إحداث انهيار، أظهر الإيرانيون حيثما كانوا، سواء داخل البلاد أم خارجها، تماسكم في مواجهة العدو ومحاربته بشكل واضح.

الاعتماد على الذات في حرب الثماني سنوات وفي حرب الاثني عشر يوماً كان أحد أوجه التشابه الأخرى بين الحربين. نحن في حرب الثماني سنوات لم نعتمد على الأجنبي، بل اعتمدنا على أنفسنا. وفي حرب الاثني عشر يوماً أيضاً رأيتم أنه لم يساعدنا أحد، وكنا نحن وحدنا الذين دافعنا عن بلدنا. في حرب الثماني سنوات، وبالاعتماد على قواتنا الأكفاء، استطعنا أن نستفيد جيداً من الأسلحة التي بقيت من عهد النظام السابق. الطائرات إف-14 التي كانت تتمتع بأحدث التقنيات آنذاك كانت بحوزة القوات الجوية من زمن النظام السابق، لكن عندما غادر الخبراء والقوات الأمريكية إيران، كان الجميع يظن أننا لن نستطيع استخدام هذه الطائرات، إلا أن قوات النخبة الإيرانية نجحوا في استخدامها بصورة جيدة. وهذا يعني أننا بالاعتماد على أنفسنا ومن دون مساعدة المستشارين الأجانب استطعنا استخدام الأسلحة الموجودة، بل وأن ننتج أسلحة أخرى بأنفسنا. في فترة حرب الثماني سنوات بدأ تصنيع السلاح، بما في ذلك الصواريخ. فالصاروخ في الحقيقة هو نتاج فترة الحرب، وقد وصل اليوم إلى درجة تُعد فيها إيران واحدة من القوى الصاروخية في العالم.

كما أن هناك شبهاً آخر بين الحربين، وهو أن المنظمات الدولية لم تقم بأي إجراء لصالح إيران خلال فترة حرب الثماني سنوات. حتى القرار 598 الذي صدر، نرى أنه لا يتضمن شيئاً لصالح إيران، بل كل ما ورد فيه هو وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وتشكيل لجنة لتحديد الطرف المعتدي. وبالطبع، كان العدوان واضحاً إلى درجة أن الأمم المتحدة أعلنت في النهاية أن نظام صدام هو المعتدي، إلا أنه لم تُقدَّم أي مساعدة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكذلك في الأحداث الأخيرة رأيتم أن الأمم المتحدة لم تقدم أي مساعدة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل اكتفى السيد الأمين العام بتوجيه النصيحة للطرفين بضبط النفس. وهذا يدل على أن الأمم المتحدة لا تؤدي ذلك الدور البارز الذي ينبغي أن تقوم به.

وبناءً على أوجه التشابه بين هاتين الحربين وبين هذا الحدث العظيم، يمكن التوصل إلى هذه النتيجة وهي أن الإيراني لا يقبل بالذل ويقف في مواجهة الغطرسة. الإيراني لا يساوم على استقلاله بأي شيء. الإيراني يعتمد على نفسه ويسعى وفق شعار “نحن نستطيع” إلى حل مشاكله بنفسه. نرى هذا اليوم بوضوح في مجال تصنيع السلاح، إذ استطعنا بالاعتماد على كوادرنا النخبة أن ندافع عن أنفسنا عبر تصنيع الصواريخ وبقية الأسلحة.

وفي الوقت نفسه، عندما تُمدّ يد الصداقة نحو الإيراني، فهو مستعد للحوار وللتفاهم والوصول إلى السلام. فبعد سقوط نظام صدام، وعندما كانت قوات داعش التي صنعتها الولايات المتحدة، على وشك إسقاط حكومة بغداد، ورغم أن العراقيين كانوا قد حاربونا سابقاً، فقد ذهبنا لمساعدتهم. ولذلك، فإننا نتعامل بإيجابية مع يد الصداقة ونقدم العون. ونحن اليوم أيضاً نساعد جميع جيراننا ومنهم العراق.

وهناك سؤال يُطرح دائماً في الجلسات المختلفة، وهو إلى متى ستستمر صلابة إيران وصمودها ومقاومتها في مواجهة الغطرسة وفي مواجهة الأجانب؟ وهذا سؤال كان مطروحاً دائماً، ومن بينها قبل عدة سنوات عندما شاركت في مؤتمر الدوحة، حيث التقيت بمجموعة من الإيرانيين الناشطين في مختلف مراكز الفكر، ومن بينهم السيد ولي الله نصر، وقد وجّه إليّ هذا السؤال في تلك الجلسة: إلى متى تريدون الاستمرار في اسلوبكم المقاوم هذا؟

قلتُ له: إلى أن يتم الاعتراف بوجود إيران الثورية، ولا يجدوا حلاً سوى قبول هذا الوجود سواء أعجبهم ذلك أم لم يعجبهم.

قال السيد ولي الله نصر مؤخراً في مقابلة إن الإيرانيين خلال الأربعين سنة الماضية بنَوا مجتمعاً مكتفياً ذاتياً، ماهراً، وواثقاً بنفسه، ولذلك استطاعوا الصمود أمام العقوبات والضغوط. وقال إن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على ركيزتين: الأولى حماية استقلالها، والثانية المقاومة أمام ضغوط الغرب.

وكون السيد ولي الله نصر، بصفته شخصية تعمل في مراكز الفكر الأمريكية، قد توصل إلى هذه النتيجة، فهذا بحد ذاته أمر لافت، إذ يقول إن حماية الاستقلال والمقاومة أمام ضغوط الغرب هما ركيزتا الاستراتيجية الإيرانية.

وعلى كل حال، فإن إيران لن تساوم أحداً على استقلالها. بخلاف بعض الدول التي تقبل بعرض استقلالها للبيع، فإن إيران لن تستسلم أبداً. هذه الروح المعنوية الإيرانية المتمثلة في “نحن نستطيع”، والتي بموجبها عندما نقرر نستطيع حل مشكلاتنا بأنفسنا ونقف بوجه الأجانب وسياسات فرض القوة، هي في الحقيقة ثمرة الاستقلال والقدرة على التحمل أمام الضغوط الأجنبية.

وإلى جانب السيد نصر، أدلى الجنرال ماكنزي، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية والمتقاعد حالياً، مؤخراً بمقابلة مثيرة للاهتمام. أولاً، السيد ماكنزي يدرك أوضاع المنطقة، ولا سيما إيران، أفضل بكثير من السيد ترامب، لأنه كان مسؤولاً عن هذه القضية في المنطقة.

يقول في مقابلته: “إيران تمتلك ثقافة مختلفة وتاريخاً مشرفاً. إيران لن تزول. إنها بلد ذو شعب لا يمكن حذفه من الخريطة السياسية للمنطقة. تحليل قوة إيران دون فهم عميق لتاريخها وثقافتها غير ممكن. إن إيران دولة شكّلها تاريخها الممتد لآلاف السنين، واستطاعت رغم النظرة الأمريكية القصيرة والضيقة الأفق ليس فقط البقاء، بل تعزيز قوتها ونفوذها في المنطقة. الاعتقاد بزوال إيران وهمٌ باطل. هذا البلد قائم منذ آلاف السنين وسيبقى قائماً في المستقبل أيضاً. حتى لو كنا نكره الشكل الحالي للحكم في إيران، لا بد من الإقرار بأن هذا الشعب باقٍ.”

ويقول أيضاً في جزء آخر من حديثه مشيراً إلى صمود ومقاومة الشعب الإيراني: “إن إيران تمتلك قدرة عالية على تحمّل الضغوط والحفاظ على مكانتها.”

وعليه، ترون أن حتى أعداءنا باتوا يؤكدون أن إيران باقية، وأن إيران دولة مقاومة، وشعبها يتمتع بقدرة كبيرة على التحمل، وأن الشعب الإيراني لا يستسلم ويصرّ على تحقيق أهدافه.

أما الاختلاف الجوهري بين الحربين ـ حرب الثماني سنوات وحرب الاثني عشر يوماً ـ فهو أنه بينما في حرب الاثني عشر يوماً اعتدى الكيان الإسرائيلي على إيران بدعم الغرب وبمشاركة الولايات المتحدة، فإن نظام صدام كان وحيداً في العدوان العسكري العراقي على إيران. بينما لم يكن الكيان الإسرائيلي وحده، بل إن الدول الغربية وخصوصاً الولايات المتحدة ساعدت الكيان الإسرائيلي سواء في مجال التسليح أو في المشاركة الميدانية والعملية في الحرب. لقد زوّدوا الكيان الإسرائيلي بالأسلحة الفتاكة، وكما اعترف السيد ترامب نفسه مؤخراً بالمسؤولية، فقد شارك عملياً في هذه الحرب.

وقد قال ترامب مؤخراً في مقابلة: “إسرائيل هي من بدأت الهجوم أولاً. كان هجوماً شديد القوة. أنا المسؤول عنه.” أي إنه قَبِل صراحة بأنه المسؤول عن العمل القذر الذي قام به الكيان الإسرائيلي، بحسب وصف المستشار الألماني.

وعندما يُعلن رئيس دولة ما تحمّل المسؤولية رسمياً، فمن الطبيعي أن يتحمل أيضاً مسؤولية تبعاتها. ولذلك فمن حق الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تطالب بحقوقها إزاء هذا العدوان الذي وقع بمسؤولية أمريكية؛ وأن تطالب الولايات المتحدة بدفع تعويضات عن الخسائر التي تعرضت لها إيران، سواء الخسائر المادية أو البشرية أو النفسية.

والأمريكيون أنفسهم يطالبون بالتعويضات النفسية التي تلحق بشعبهم نتيجة أحداث مختلفة يتعرضون لها، لذا يتعيّن عليهم أيضاً دفع التعويض النفسي للآخرين الذين تضرروا نتيجة العدوان الأمريكي.

ولا شك أن العمليات العسكرية التي نفذها الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة ضد المنشآت النووية الإيرانية كانت عمليات غير قانونية. فالهجوم على المنشآت النووية عمل غير قانوني من الأساس، وخاصة المنشآت النووية الخاضعة لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبناءً عليه، عندما تقر الولايات المتحدة بمسؤوليتها عن هذه الحرب، فمن الطبيعي أن تتحمل مسؤولية دفع تعويضاتها.

على أي حال، يجب على رئيس الولايات المتحدة أن يدرك أن السلام لا يتحقق من خلال فرض القوة، وأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستقف بوجه تعسّفهم، وأن إيران ـ كما أثبتت في حرب الثماني سنوات وفي حرب الاثني عشر يوماً ـ ستدافع عن حقوقها.

وفي الوقت ذاته، أثبتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية طوال مسيرتها أنها مستعدة للحوار؛ ولكن للحوار الذي يقوم على مبدأ المساواة والاحترام المتبادل. المشكلة تكمن في أن الأمريكيين غير مستعدين لهذا النوع من التفاوض، بل يريدون فقط فرض إرادتهم على الآخرين باستخدام القوة.

ومن الطبيعي أن إيران لن ترضخ أبداً لهذه الإملاءات. فهم يحاولون – من خلال الضغوط الاقتصادية والعمليات العسكرية – فرض أهدافهم غير المشروعة على إيران، وهذا الأسلوب مرفوض من وجهة نظر كل إيراني. ولهذا السبب يقف الإيرانيون بوجه هذه السياسات التعسفية.

إحدى المشكلات التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم هي أن السيد ترامب يفتقر إلى الخبرة الدبلوماسية، وكذلك فريقه. ففريقه أيضاً بلا خلفية دبلوماسية. وغالبية أعضاء فريقه من مقدمي البرامج والمنتمين إلى شبكة فوكس نيوز وأمثالهم. وهم يتصورون أن الساحة السياسية والدبلوماسية مجرد مسرح تلفزيوني يمكنهم تقديم عروضهم فيه والمضيّ قدماً بأسلوبهم ذاته.

في السابق، وصل أشخاص إلى رئاسة الولايات المتحدة من دون امتلاك خبرة دبلوماسية، إلا أن ظروفهم كانت مختلفة. فالسيد ريغان كان ممثلاً، لكنه قبل أن يصبح رئيساً تولّى منصب حاكم ولاية كاليفورنيا واكتسب خبرة ما، كما كان لديه فريق قوي ساعده في رسم صورته السياسية. وكذلك السيد كارتر، كان مزارعاً، لكنه تولّى منصب حاكم ولاية جورجيا قبل الرئاسة، واكتسب خبرة أيضاً.

أما السيد ترامب فقد اعتمد على الثروة ووصل إلى الرئاسة دون امتلاك خبرة دبلوماسية، ولذلك فإن السيد ترامب نفسه وفريقه يفتقرون بالأساس إلى الخبرة الدبلوماسية اللازمة.

ومن الأمثلة الواضحة على انعدام الخبرة لدى هذا الفريق ما حدث مؤخراً قبل الانتخابات العراقية. فقد اتصل وزير الدفاع الأمريكي بالعراقيين وهددهم بلهجة غير مهذبة بشأن الحشد الشعبي، وطالبهم بضرورة حلّ الحشد الشعبي.

وهذا تصرّف غير مهذب إطلاقاً، ولا يليق بدولة أن تخاطب دولة أخرى بصيغة الأمر. والعراقيون بطبيعة الحال لن يخضعوا لمثل هذه الإهانات. وبفعل هذه التصرفات غير المدروسة من جانب الأمريكيين، فقد جرت الانتخابات العراقية بشكل مهيب، وبلغت نسبة المشاركة أكثر من 59%، كما حققت القوى الثورية أصواتاً عالية، بحيث باتت تمتلك حالياً أغلبية مقاعد البرلمان العراقي.

وهذه نتيجة غياب الخبرة الدبلوماسية، حيث تؤدي مثل هذه الممارسات إلى نتائج عكسية تماماً. وبالنسبة لإيران، فإن الأسلوب الذي تعامل به السيد ترامب وفريقه مع الإيرانيين، طبيعي أن يؤدي إلى رفض الإيرانيين لهذه الضغوط، والى الوقوف بوجه الغطرسة الأمريكية.

ومن الطبيعي أن أي نضال يمرّ بحالات من الصعود والهبوط، وهذا أمر لا جدال فيه. فالانتصار أو الهزيمة في إطار المواجهة والمقاومة أمر طبيعي. فإذا ارتكب الإسرائيليون اليوم، بدعم أمريكي، هذه الجرائم الكبرى في غزة، ومارسوا القتل الوحشي، واستخدموا التجويع كسلاح ضد الشعب، فهذا لا يعني أن إرادة الشعب الفلسطيني ستزول.

لا يمكن القضاء على إرادة الشعوب عبر البنادق. ولذلك، فإن ما تتعرض له فلسطين اليوم من جرّاء جرائم وتجاوزات الكيان الصهيوني ودعم الولايات المتحدة، لا يعني أن حركة حماس ستنتهي، ولا يعني أن حزب الله في لبنان سينتهي، ولا يعني أن أنصار الله في اليمن سينتهون، أو أن الحشد الشعبي في العراق سينتهي تحت ضغط القوى الأجنبية.

الصعود والهبوط أمر طبيعي، لكن لا يمكن القضاء على إرادة الشعوب في الدفاع عن نفسها، والدفاع عن أوطانها، والدفاع عن مبادئها بالقوة والضغط والسلاح.

وهذا نتيجة ظهور الثورة الإسلامية في بلدنا. فعندما قامت الثورة الإسلامية، استيقظت دول المنطقة، وخاصة مسلمو المنطقة، تجاه حقوقهم، وأصبحوا أكثر عزماً في سبيل استعادتها.

ومن الطبيعي أنّ من آثار الثورة الإسلامية الإيرانية أننا نشاهد اليوم في دول المنطقة، بما في ذلك العراق ولبنان واليمن ودول أخرى، أنّ الشعوب تناضل من أجل حقوقها.

وأما في الختام فلدي توصية لترامب. فكما جرّب أسلاف السيد ترامب ورأوا أن إيران لا يمكن القضاء عليها بالقوة، وأنها دولة مصمّمة وتصرّ على نيل حقوقها. رأينا هذا في قضية البرنامج النووي. ففي الوقت الذي لم تكن الدول الغربية مستعدة لأن نُشغّل حتى 15 جهاز طرد مركزي داخل بلادنا، ومارست علينا شتى أشكال الضغوط، قررنا في الأيام الأخيرة من فترة ترأسي الوزارة أن نكسر التعليق ونبدأ التخصيب. وفجأة وجد الأمريكيون أن 19 ألف جهاز طرد مركزي بدأت بالدوران. عندها أدركوا أنه لا يمكن إخضاع إيران بالضغط. وهم أنفسهم اقترحوا البدء بالمفاوضات. ومن خلال سلطنة عمان جرت محادثات، وانتهى الأمر في نهاية المطاف إلى الوصول إلى الاتفاق النووي.

وعليه، فإن توصيةً مني للسيد ترامب، أن يدرس ويطالع تجارب من سبقوه. فكما اضطر أولئك في نهاية المطاف إلى الاعتراف بالجمهورية الإسلامية كما هي، بوصفها دولة وشعباً مقاوماً، فأنتم أيضاً ستُضطرون إلى القبول بالجمهورية الإسلامية الإيرانية. تعالوا وأجروا مفاوضات حقيقية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أساس الاحترام المتبادل ومبدأ المساواة.

نحن لا نهرب من التفاوض، ولكننا لسنا مستعدّين لمفاوضات تكون تحت الضغط والبندقية والسلاح والجريمة.

وعليه فإن توصية مني للسيد ترامب أن تأتي وتختار نهجاً إيجابياً، وأن تُظهر استعدادك للتفاوض وفق مبدأ المساواة والاحترام المتبادل، وسترى ما النتائج المتقابل التي ستترتب على ذلك.

وبطبيعة الحال، فلتعلم أننا لن نتخلى عن التخصيب لأغراض سلمية، ولن نتخلى عن قدرتنا الدفاعية، ولن نضع استقلالنا في موضع المساومة.

شكراً جزيلاً.

0 Comments