جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
المنافسة الخفية والعلنية بين السعودية والإمارات في التجارة والسياسة

سيد محمد حسيني ـ سفير إيران الأسبق لدى السعودية
أدخلت المقاتلات العسكرية السعودية، من خلال مهاجمتها سفينتين كانتا تحملان معدات عسكرية أرسلتها الإمارات إلى الميليشيات المدعومة من أبوظبي في جنوب اليمن (المجلس الانتقالي الجنوبي)، المنافسة بين السعودية والإمارات في اليمن مرحلة جديدة.
كما وصفت وزارة الخارجية السعودية، وبالتوازي مع الحكومة الحاكمة في صنعاء، الوجود العسكري الإماراتي في جنوب اليمن بأنه خطير، وأعلنت: “إن أي تهديد للأمن القومي السعودي خط أحمر، ولن نتردد في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهته”.
وانطلاقاً من ذلك، تبرز ضرورة تقديم تحليل للمنافسة الخفية والعلنية بين الإمارات والسعودية في القضايا الاقتصادية والسياسية.
تحول العلاقات الاقتصادية والمنافسة الإقليمية
تشهد العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة انتقالاً من نموذج “التعاون – المنافسة الخفية” إلى نموذج “المنافسة – التعاون”، وهي منافسة تتخذ أحياناً طابعاً خفياً وأحياناً أخرى طابعاً علنياً. ونادراً ما حمل تاريخ العلاقات بين الملكيات الخليجية رواية عن “الوحدة والتضامن”.
فخلف الواجهة المعلنة للبيانات المشتركة، كانت هناك دائماً تقريباً منافسة دقيقة على المصالح؛ حيث رافقت التوافقات البراغماتية منافسة هادئة وخفية، وخلافات حدودية نشطة وأخرى كامنة، وتنافس على قيادة الدول العربية، ومساعٍ متواصلة لتعزيز النفوذ عبر الأمن والاقتصاد والعلاقات مع القوى الصاعدة والتقليدية.
ومع بداية القرن الحادي والعشرين، باتت المنافسة بين السعودية والإمارات في مختلف القضايا أقل علنية، لكنها في الواقع أصبحت أوسع نطاقاً وأكثر منهجية. وتظهر هذه المنافسة في نماذج التنمية، وفي السعي للتحول إلى القطب الرئيسي في المنطقة في مجالات الاستثمار واللوجستيات وتدفقات رأس المال والمقار الإقليمية للشركات الدولية.
وإذا كانت المنافسة بين الملكيات الخليجية في السابق تُخفى في الغالب خلف آداب الدبلوماسية، فإنها اليوم تتجلى بصورة متزايدة في الاقتصاد والاستثمار والقرارات المؤسسية. وفي الواقع، برزت هذه المنافسة بوضوح مع ولي العهد محمد بن سلمان، ولي العهد والحاكم الفعلي للسعودية، من خلال استراتيجية التحول المعروفة بــ “رؤية 2030”.
ويتمثل المحور الأساسي لهذه المنافسة في الصراع على التحول إلى القطب التجاري الأبرز في المنطقة. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما دبي وأبوظبي، بشكل منهجي في استقطاب المقرات المركزية للشركات الدولية الكبرى وتدفقات رأس المال والبنى التحتية الخدمية اللازمة للتجارة العالمية.
وبالتوازي مع ذلك، تعمل الرياض على إعادة تشكيل نموذج الحوكمة وتغيير المقاربة في السياسات الداخلية والخارجية، مستلهمة بشكل انتقائي من الاقتصاد السياسي الدولي. ويجري تنفيذ سياسات تحرير الأنظمة بهدف تحقيق معاملة متساوية للمستثمرين المحليين والأجانب. كما يجري الترويج للمناطق الاقتصادية الخاصة (مع حوافز ضريبية وتنظيمية) في السعودية، لجذب المشاريع الإنتاجية واللوجستية، بالاستفادة من نموذج “جذب الاستثمار الأجنبي المباشر FDI”.
وتبرز ساحة أخرى للمنافسة بين البلدين في مجال الممرات البرية والبحرية والجوية. ففي المجال البحري، تُركّز السعودية على الزيادة الكبيرة في طاقة الموانئ والأحزمة اللوجستية بهدف تقليل الاعتماد على الخليج الفارسي ومضيق هرمز. وقد صُممت الأنظمة المتعلقة بالممرات اللوجستية في السعودية بحيث لا تقتصر الشحنات على العبور الترانزيتي فحسب، بل تُحدث قيمة مضافة داخل البلاد.
أما الجبهة الأكثر حساسية، فهي النقل الجوي. فقد وضعت السعودية هدف الانضمام إلى قائمة أفضل عشرة بلدان في العالم في مجال الطيران. وصيغت استراتيجية الطيران في السعودية بهدف رفع حركة المسافرين السنوية إلى 330 مليون مسافر بحلول عام 2030، وزيادة طاقة الشحن إلى 4.5 ملايين طن، بدعم شبكة تضم 250 وجهة.
ويُعد ذلك تحدياً مباشراً لصناعة الطيران في الإمارات، التي تمتلك خبرة وسجلاً يمتدان لعقود. فنجاح رؤية السعودية في قطاع الطيران لا يؤدي فقط إلى تقليص عدد المسافرين على الرحلات الإماراتية، بل يتسبب أيضاً في تراجع حجم الخدمات المرتبطة بالطيران في الإمارات، من النقل البري والصيانة إلى الفنادق والسفر التجاري.
المنافسة السياسية والوساطة الإقليمية
تتخذ المنافسة بين السعودية والإمارات في الساحة السياسية أحياناً طابعاً خفياً وتحت السطح، وأحياناً أخرى طابعاً واضحاً ومعلناً. فكل من أبوظبي والرياض تسعيان للتحول إلى “مركز الثقل” السياسي الرئيسي الذي تُدار من خلاله المفاوضات ووقف إطلاق النار وترتيبات الأمن الإقليمي.
ويُعدّ أوضح مثال على ذلك الحرب الأهلية في السودان، التي تحولت إلى ساحة لتجسيد المقاربات التنافسية بين السعودية والإمارات. فالسعودية تراهن على الوساطة وخفض التوتر في السودان، لأنها تحتاج في إطار استراتيجيتها التنموية إلى حزام على البحر الأحمر على حدودها البحرية مع السودان. في المقابل، وعلى الرغم من نفيها الرسمي لهذه الادعاءات، بات يُنظر إلى الإمارات العربية المتحدة بشكل متزايد على أنها لاعب يعمل، عبر شبكات نفوذ وشركاء ميدانيين، لمصلحة أحد أطراف الحرب الأهلية في السودان.
ويمثل اليمن، كما اتضح في الآونة الأخيرة، نموذجاً آخر لهذه المنافسة الخفية، حيث أفضت إلى ظهور شرخ داخل الائتلاف المشترك. ومع مرور الوقت، ابتعدت الإمارات العربية المتحدة عملياً عن الخط السعودي، وأنشأت مجال نفوذ خاصاً بها في جنوب اليمن، وقدمت الدعم للميليشيات المعروفة بـ”المجلس الانتقالي الجنوبي”، التي تفتقر، في حال سقوط الحوثيين، إلى الشرعية الدولية لحكم اليمن، وتسير في اتجاه تقسيم البلاد. في المقابل، تسعى السعودية إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الوحدة الشكلية في معسكر مناهضي الحوثيين. وتوجد نماذج مماثلة من المنافسة السياسية بين البلدين في ليبيا ومصر أيضاً.
وتتمثل صورة أخرى للمنافسة السياسية في سعي البلدين إلى “اكتساب موقع الوسيط في السلام” في الأزمات الإقليمية والدولية. فعلى سبيل المثال، عززت الإمارات العربية المتحدة موقعها في الوساطة من خلال عمليات تبادل منتظمة للأسرى بين روسيا وأوكرانيا. كما أن الإمارات، بعد تطبيع علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي، حصلت على أوراق سياسية إضافية وقنوات نفوذ جديدة في واشنطن وفي منطقة غرب آسيا.
وبناءً على ذلك، لم تعد المنافسة الاقتصادية بين أبوظبي والرياض منذ وقت طويل مجرد “منافسة صحية على جذب الاستثمار”، بل تحولت بشكل متزايد إلى صراع على مركز ثقل التجارة الإقليمية. فالسعودية، عبر رؤية 2030 ونفوذها التقليدي في المنطقة، تسعى إلى نقل النواة الإدارية للتجارة الإقليمية إلى الرياض، في حين تحاول الإمارات العربية المتحدة الحفاظ على دورها بوصفها المركز التقليدي للتجارة في المنطقة. وفي مجال السياسة الخارجية، يتجلى المنطق ذاته في التنافس على الوساطة والنفوذ في مناطق الصراع من السودان إلى اليمن.
والمفارقة أن هذه المنافسة، رغم ضخامة الموارد لدى الطرفين، يمكن أن تنقلب إلى ضرر عليهما. فإذا تحولت المنافسة بين السعودية والإمارات في المستقبل إلى لعبة صفرية المحصلة، فلن تتشكل قيادة تجارية أو سياسية لا في أبوظبي ولا في الرياض، بل سترتفع كلفة عدم الاستقرار الإقليمي على الجميع.
والأخطر من ذلك أن الخلافات السياسية يمكن أن تُضعف الأهداف الاقتصادية. فعندما تتحول الأزمات الإقليمية إلى ساحات للتنافس، تنجذب الدول إلى تحالفات متناقضة، وتتآكل مصداقية الوسطاء، وتتبدد الثقة بين الدول. وفي نهاية المطاف، وعلى المدى الطويل، يمكن لهذه المنافسة أن تضعف البرامج المستقبلية لدول مجلس التعاون في الخليج الفارسي. ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: هل تستطيع أبوظبي والرياض التوصل إلى تفاهم حول حدود المنافسة ومجالات التسوية أم لا؟
0 Comments