جدیدترین مطالب
الموازنة في سلسلة نقاط الاختناق؛ من الردع البحري إلى الدبلوماسية متعددة المسارات
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا، بدءاً من تصاعد التوترات في الخليج الفارسي، مروراً بالتحركات الصاروخية والمسيّرات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التحذير الأخير الصادر عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن تهديد حرية الملاحة، إلى تحول جوهري في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على إطار إقليمي ومحلي، بل امتدت لتربط بين ممرين حيويين للاقتصاد العالمي، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
أحدث المقالات
الموازنة في سلسلة نقاط الاختناق؛ من الردع البحري إلى الدبلوماسية متعددة المسارات
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا، بدءاً من تصاعد التوترات في الخليج الفارسي، مروراً بالتحركات الصاروخية والمسيّرات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التحذير الأخير الصادر عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن تهديد حرية الملاحة، إلى تحول جوهري في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على إطار إقليمي ومحلي، بل امتدت لتربط بين ممرين حيويين للاقتصاد العالمي، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
ضغط الرأي العام لوقف التعاون العسكري مع الكيان الصهيوني

برسام محمدي – خبير في الشؤون الإقليمية
إن ما يميز هذا المسار عن الاحتجاجات السابقة ليس فقط اتساعه وسرعته، بل أيضاً تجاوزه حدود الغضب الشعبي البحت ودخوله إلى مجال الإجراءات الرسمية للدول. إن جرائم الحرب في غزة ولبنان، وأخيراً العدوان الوحشي على إيران وارتكاب جرائم حرب من خلال استهداف المناطق السكنية والبنى التحتية الحيوية ومراكز الطاقة وغيرها، قد خلقت خطاً أحمر لدى الرأي العام الأوروبي لم يعد بالإمكان إدارته عبر شعارات عامة وبيانات حذرة.
إسبانيا، بوصفها رائدة هذه الحركة، قد وضعت رسمياً إلغاء اتفاقية التعاون العسكري مع الكيان الصهيوني على جدول أعمالها. وقد اتُّخِذ هذا الإجراء من جانب إسبانيا، التي كانت لسنوات داعماً نسبياً لحقوق الفلسطينيين، طابعاً عملياً وخرج من الإطار الرمزي. غير أن الأكثر إثارة هو التحول في مواقف فرنسا وإيطاليا. فباريس، التي كانت دائماً تعتبر نفسها حليفاً استراتيجياً للكيان الصهيوني، تبنت مواقف تصفها وسائل الإعلام الصهيونية بأنها معادية لإسرائيل وذلك بعد هجمات هذا الكيان على لبنان واستهداف قوات حفظ السلام الفرنسية في ذلك البلد. حتى اليمين الإيطالي بقيادة جورجيا ميلوني، خلافاً لجميع التوقعات التقليدية، قام بتعليق اتفاقية التعاون الدفاعي مع الكيان الصهيوني. وعلى الرغم من أن ألمانيا وإيطاليا قد أوقفتا حالياً اقتراح إسبانيا لإلغاء اتفاق الاتحاد الأوروبي مع الكيان الصهيوني، فإن هذا الأمر لن يؤثر في التوجه المتنامي لمعاداة إسرائيل في أوروبا. وتشير هذه الحقيقة إلى أن الحكومات الأوروبية، التي كان لبعضها سجل من الدعم الصارم للكيان الصهيوني، قد أدركت في النهاية أن التعاون مع هذا الكيان أصبح يسبب لها مشكلات.
على المستوى العابر للحكومات، نجحت مبادرة “العدالة لفلسطين” في المدن الأوروبية، خلال ثلاثة أشهر فقط، في جمع أكثر من مليون توقيع، وهو ما يتجاوز مجرد عريضة إلكترونية بسيطة، ليصبح مؤشراً على تحول جيلي في نظرة الأوروبيين إلى القضية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، دعا أكثر من 350 مسؤولاً أوروبياً سابقاً، من دبلوماسيين إلى جنرالات ووزراء، إلى تعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني. ويُعد هذا الحجم من الإجماع بين النخب السياسية والأمنية السابقة في أوروبا أمراً غير مسبوق، ويوجه رسالة واضحة إلى الحكومات الحالية مفادها أن الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني لم يعد يُنظر إليه كضرورة أو واقعية استراتيجية، بل كإجراء مُكلِف.
وتعود أسباب تحول هذا الغضب العام إلى إجراء سياسي رسمي إلى عاملين: الأول، عجز الكيان الصهيوني عن تقديم رواية مقنعة لعملياته العسكرية وجرائم الحرب التي يرتكبها بما يبرر الخسائر في صفوف المدنيين وتدمير البنى التحتية الحيوية في غزة ولبنان وحتى إيران. وقد وضعت الصور التي بثت لعمليات قصف المستشفيات والمدارس ومخيمات اللاجئين حتى أشد الداعمين الغربيين في موقف صعب. أما العامل الثاني، فهو النمو الملحوظ في وعي الرأي العام في أوروبا إزاء المعايير المزدوجة في السياسة الخارجية للدول الغربية. إذ يدرك المواطنون الأوروبيون جيداً أن المبادئ ذاتها المتعلقة بحقوق الإنسان التي يتم الدفاع عنها بحزم في أوكرانيا، يتم تجاهلها بسهولة في غزة ولبنان. وقد أدى هذا التناقض الواضح إلى تقويض شرعية السياسة الخارجية الأوروبية في نظر الرأي العام.
ويُظهر تقييم تداعيات هذا المسار أن النظام الدولي يواجه نقطة تحول تاريخية. وعلى خلاف فترات التوتر السابقة، مثل حرب لبنان عام 2006 أو العمليات في غزة في عامي 2008 و2014، فإن هذه المرة لم تقتصر المعارضة على الدول اليسارية أو الإسكندنافية فحسب، بل توحد ائتلاف من اليسار إلى اليمين في أوروبا ضد سياسات الكيان الصهيوني. وقد أصبحت إيطاليا والمجر والنمسا، التي كانت حتى وقت قريب تُعد من الحلفاء الأوفياء لتل أبيب في المجلس الأوروبي، إما صامتة الآن أو تتبنى مواقف انتقادية. وقد أدى هذا الإجماع الجديد إلى تقليص قدرة جماعات الضغط التابعة للكيان الصهيوني في بروكسل والعواصم الأوروبية بشكل كبير.
ويُعد التباين بين ردود فعل الحكومات والرأي العام نقطة مهمة أيضاً. ففي العديد من الدول الأوروبية، اضطرت الحكومات إلى الرد متأخرة وتحت تأثير الضغط الشعبي. وقد اضطرت فرنسا وألمانيا، اللتان لديهما سجل طويل في قمع الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، الآن إلى انتقاد الكيان الصهيوني. وهذا يدل على أنه لم يعد من الممكن اعتبار أوروبا ملاذاً دبلوماسياً آمناً للكيان الصهيوني؛ مكاناً تقدم فيه الحكومات الدعم خلف الأبواب المغلقة بينما تتظاهر بالحياد أمام الرأي العام. إن الفجوة بين النخب السياسية والمواطنين آخذة في الانغلاق، ولكن هذه المرة لصالح المطالب الشعبية.
ومع ذلك، لا ينبغي التغاضي عن صعوبات الطريق المقبلة. فلا تزال ألمانيا واحدة من أشد الداعمين للكيان الصهيوني، كما أن الولايات المتحدة، من خلال استخدام حق النقض في مجلس الأمن، تمنع الانهيار الكامل للدعم الدبلوماسي لتل أبيب. إضافة إلى ذلك، فإن اتفاقيات التعاون بين الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني تتضمن بنوداً تجعل إلغاءها من جانب واحد مكلفاً ومعقداً. ومع ذلك، فإن التوجه الحالي يُظهر أن حتى الحكومات الأوروبية الحذرة مضطرة إلى التكيف التدريجي مع مطالب الرأي العام. ومن الاعتراف بدولة فلسطين من قبل إسبانيا وإيرلندا والنرويج، إلى استدعاء السفراء ووقف مبيعات الأسلحة، تنتقل أوروبا من البيانات السياسية إلى الإجراءات العملية.
وبشكل عام، فإن ما يحدث اليوم في أوروبا يجعل العودة إلى الوضع السابق أمراً مستحيلاً. وحتى إذا هدأت الحرب في غزة ولبنان، فإن مستوى انعدام الثقة والمطالب في أوروبا لن يعود إلى ما كان عليه قبل عام 2023. لقد فقد الكيان الصهيوني بشكل دائم جزءاً كبيراً من رأسماله الرمزي والسياسي في أوروبا. ويُعد ذلك خبراً محبطاً للغاية لمكانة ومستقبل هذا الكيان في الغرب، إلا أنه من منظور القانون الدولي والعدالة يمكن اعتباره نقطة نهاية لاستثناء تاريخي لم يعد قابلاً للتحمل.
0 Comments