المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: في حين كان هدف استراتيجية أقصى الضغوط التي تبنتها الولايات المتحدة هو إخضاع إيران، فإن فشل هذه الاستراتيجية، إلى جانب التحديات الاقتصادية والجيوسياسية، دفع واشنطن إلى البحث عن مخرج من هذا المأزق.
مهدي دميرتشي ـ خبير في الشؤون الدولية
أفق غامض لأقصى الضغوط
استراتيجية أقصى الضغوط التي صممتها الولايات المتحدة ضد إيران قامت على افتراض أن الجمع بين العقوبات الاقتصادية الخانقة، والعزلة الدبلوماسية، والتهديد العسكري، سيجبر في نهاية المطاف منظومة صنع القرار في إيران على التراجع. ولم تكن هذه الاستراتيجية مجرد سياسة عقوبات، بل محاولة لإعادة تعريف ميزان القوى في غرب آسيا. غير أن تجربة السنوات الأخيرة أظهرت أن هذا الافتراض كان قائماً على فهم ناقص لطبيعة الدولة والمجتمع في إيران. وخلافاً لتوقعات واشنطن، فإن الضغوط الاقتصادية الشديدة لم تؤدِّ إلى انهيار سياسي، بل أسفرت عن تشكّل نوع من الاقتصاد المقاوم وآليات جديدة للالتفاف على العقوبات.
وتشير تحليلات معهد “ريسبونسبل ستيت كرافت” إلى أن المخاوف الجدية بشأن التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية لاستمرار المواجهة مع إيران قد بدأت تتبلور حتى داخل الولايات المتحدة نفسها. وقد دفعت التقديرات المتعلقة بتكاليف حرب قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، وتأثيرها على سوق الطاقة، بعض النخب الأمريكية تدريجياً إلى الاستنتاج بأن سياسة أقصى الضغوط، بدلاً من أن تستنزف إيران، أوقعت الولايات المتحدة وحلفاءها في دائرة من التكاليف المتزايدة.
اقتصاد الحرب وفشل حسابات واشنطن
أحد أهم أسباب فشل أقصى الضغوط هو تغيّر طبيعة اقتصاد الحرب في العالم المعاصر. ففي السابق، كانت العقوبات الاقتصادية قادرة على قطع وصول دولة ما بالكامل إلى الأسواق العالمية، ما يضعها في موقف شديد الهشاشة. أما في العالم متعدد الأقطاب اليوم، فقد أصبح هذا النوع من العزل أكثر صعوبة بكثير.
وتُظهر التقارير المنشورة بشأن تفعيل الصين مجدداً للأنظمة المضادة للعقوبات الأمريكية المتعلقة بالنفط الإيراني أن بكين ليست مستعدة للتضحية بمصالحها الطاقوية والجيوسياسية من أجل السياسات الأحادية الجانب لواشنطن. ويعكس هذا التطور تغيراً مهماً في بنية الاقتصاد العالمي، حيث باتت قدرة الولايات المتحدة على فرض عزلة كاملة تواجه قيوداً جدية.
وبالإضافة إلى الصين، توصلت أطراف أخرى كثيرة إلى قناعة مفادها أن الاستخدام الواسع للعقوبات من قبل الولايات المتحدة قد يتحول إلى تهديد لأمنها الاقتصادي هي أيضاً. وقد ساعد ذلك في نشوء آليات مالية وتجارية موازية. ومن جهة أخرى، فإن الاقتصاد العالمي نفسه لا يتحمل حرباً واسعة ضد إيران. وتشير التحليلات المطروحة في البرامج الإعلامية والتحليلية بشأن مضيق هرمز إلى أن أي اضطراب في هذا الممر الاستراتيجي قد يؤدي إلى صدمة غير مسبوقة في سوق الطاقة. ومثل هذا الوضع لن يضغط على اقتصاد أوروبا وآسيا فحسب، بل على الاقتصاد الأمريكي أيضاً.
ردع إيران واهتزاز إرادة الولايات المتحدة
كانت سياسة أقصى الضغوط يمكن أن تنجح فقط لو كانت مدعومة بتفوق عسكري ونفسي مطلق للولايات المتحدة. لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن إيران نجحت في بناء نوع من الردع متعدد الطبقات، ما زاد بشكل كبير من كلفة أي مواجهة مباشرة. وهذا الردع ليس عسكرياً فقط، بل له أيضاً أبعاد اقتصادية وجيوسياسية ونفسية. فإمكانية التأثير على أمن الطاقة في المنطقة، والقدرة على الرد غير المتماثل، وشبكة العلاقات الإقليمية، كلها عوامل جعلت الخيار العسكري بالنسبة لواشنطن خياراً مكلفاً وغير قابل للتنبؤ.
إن سعي البيت الأبيض إلى إيجاد مخرج من الأزمة يوضح أنه حتى داخل البنية السياسية الأمريكية نفسها، توجد مخاوف عميقة من الانزلاق إلى حرب استنزاف. ولا تزال تجربة العراق وأفغانستان حاضرة في الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية، وهو ما يقلل من الرغبة في الدخول في مواجهة واسعة جديدة.
وفي هذا السياق، أظهرت إيران أيضاً أنها قادرة على تحويل الضغط الاقتصادي إلى جزء من استراتيجية المقاومة. وعلى الرغم من أن العقوبات فرضت تكاليف باهظة على الاقتصاد الإيراني، فإنها لم تتمكن من كسر الإرادة السياسية والأمنية للبلاد. وهذه إحدى أهم أسباب التآكل التدريجي لاستراتيجية أقصى الضغوط.
قيود قوة العقوبات في العصر الجديد
یجب تحلیل فشل استراتيجية أقصى الضغوط في سياق التحولات الأوسع للنظام الدولي. فالعالم اليوم لم يعد عالم التسعينيات أحادي القطب، حيث تستطيع الولايات المتحدة فرض إرادتها على الآخرين دون تكلفة. إن ظهور قوى مثل الصين وزيادة ميل الفاعلين الإقليميين نحو الاستقلال الاستراتيجي قد خلق قيوداً جديدة لواشنطن. حتى في أوروبا، ظهرت توجهات نحو الابتعاد عن بعض سياسات المواجهة الأمريكية. وقد اكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في مجالي الاقتصاد والطاقة.
في ظل هذه الظروف، لم تعد العقوبات أداة مطلقة وحاسمة، بل أصبحت أداة يمكن أن يؤدي الإفراط في استخدامها إلى تقويض مصداقية الولايات المتحدة ونفوذها. فالعديد من الدول تسعى الآن إلى تقليل اعتمادها على النظام المالي الذي تهيمن عليه واشنطن، وهذا بحد ذاته يحد من فعالية العقوبات على المدى الطويل.
لقد تشكلت استراتيجية أقصى الضغوط ضد إيران على أساس تصور مفاده أن الجمع بين العقوبات الاقتصادية والتهديد العسكري يمكن أن يكسر الإرادة السياسية لطهران. ومع ذلك، فقد أظهرت تطورات السنوات الأخيرة أن هذه الاستراتيجية لم تحقق أهدافها الرئيسية فحسب، بل تكبدت أيضاً تكاليف متزايدة للولايات المتحدة وحلفائها.
لقد أدى اقتصاد الحرب، وتحولات النظام الدولي، وتشكيل الردع متعدد الطبقات لإيران، إلى ابتعاد واشنطن تدريجياً عن منطق الضغط المطلق، والبحث عن طريقة لإدارة الأزمة والخروج منها. هذا التحول ليس مجرد فشل تكتيكي، بل هو مؤشر على القيود المتزايدة على القوة الأمريكية في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.
0 Comments