المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: "إن الشكل الحالي للعلاقات التجارية والاستثمارية بين الاتحاد الأوروبي والصين غير قابل للاستمرار". هذه العبارة التي وردت في ختام الاجتماع الاستراتيجي الأخير للمفوضية الأوروبية بشأن الصين، ربما تمثل أهم توصيف للتحول الذي تشهده العلاقات بين بروكسل وبكين خلال السنوات الأخيرة.
مرتضى مكي ـ خبير في الشؤون الأوروبية
فإذا كان القادة الأوروبيون في العقود الماضية ينظرون إلى توسيع التجارة مع الصين بوصفه رمزاً لنجاح العولمة والاعتماد الاقتصادي المتبادل، فإن هذا الاعتماد المتبادل نفسه تحول اليوم إلى مصدر للمخاوف الاقتصادية والصناعية وحتى الأمنية. وفي الواقع، تمر أوروبا بمرحلة تاريخية انتقالية؛ مرحلة كان يُعتقد فيها أن دمج الصين في الاقتصاد العالمي سيؤدي إلى مزيد من التقارب السياسي والاقتصادي، إلا أن العديد من صناع القرار الأوروبيين باتوا يخلصون اليوم إلى أن هذا الافتراض لم يتحقق فحسب، بل أدى في بعض المجالات إلى نتائج معاكسة.
ويُظهر تحليل الاتجاهات الاقتصادية أن مخاوف بروكسل لا تنبع فقط من تزايد العجز التجاري مع الصين، بل ترتبط أيضاً بتحولات أعمق في بنية الاقتصاد العالمي. فعلى مدى العقدين الماضيين، استطاعت الصين أن تنتقل من موقع “مصنع العالم” إلى مكانة قوة صناعية وتكنولوجية متقدمة. وقد اعتُبر هذا التحول في بدايته فرصة كبيرة لأوروبا، إذ استفادت الشركات الأوروبية من السوق الصينية الضخمة، كما تمكن المستهلكون الأوروبيون من الحصول على سلع منخفضة التكلفة. غير أن العوامل نفسها التي كانت تُعد في السابق مزايا اقتصادية، تحولت اليوم إلى مصادر قلق استراتيجي. فالكثير من أصحاب الصناعات الأوروبية يرون حالياً أن المنافسة مع الشركات الصينية أصبحت أكثر صعوبة تدريجياً، سواء في صناعة الفولاذ أو السيارات الكهربائية أو الألواح الشمسية أو البطاريات أو حتى التقنيات المتقدمة، وذلك بسبب ما تحظى به هذه الشركات من دعم واسع من الحكومة المركزية، وإمكانية الحصول على التمويل، والطاقة المدعومة، والسياسات الصناعية طويلة الأمد.
وتشير الدراسات الصادرة عن مراكز أبحاث مثل بروغل، ومركز السياسات الأوروبية، ومعهد الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي، ومجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، إلى أن القلق الأوروبي لم يعد مقتصراً على التجارة وحدها، بل أصبح يتمحور حول قضية “الأمن الاقتصادي”، وهو مفهوم تحول بعد جائحة كورونا وأزمة سلاسل التوريد والحرب الأوكرانية إلى أحد المفاهيم المحورية في رسم السياسات الأوروبية. فقد أدرك القادة الأوروبيون، ولا سيما بعد تجربة الاعتماد الواسع على الغاز الروسي، أن الإفراط في الاعتماد على قوة خارجية واحدة قد يتحول في أوقات الأزمات إلى نقطة ضعف جيوسياسية. واليوم تُطرح المخاوف نفسها فيما يتعلق بالصين. فاعتماد أوروبا على استيراد العناصر الأرضية النادرة، والمواد الأولية الحيوية، والبطاريات، والرقائق الإلكترونية، والعديد من التقنيات اللازمة للتحول الأخضر، دفع بروكسل إلى إعادة النظر في علاقاتها الاقتصادية مع بكين.
وتزامن هذا التحول في النظرة الأوروبية مع تزايد المخاوف بشأن فائض الطاقة الإنتاجية الصينية. فالكثير من الاقتصاديين الأوروبيين يرون أن تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين والمشكلات الهيكلية التي يواجهها اقتصادها جعلا بكين أكثر اعتماداً على التصدير من أي وقت مضى. ونتيجة لذلك، تتدفق كميات هائلة من السلع الصينية إلى الأسواق العالمية بأسعار تنافسية. ومن وجهة النظر الأوروبية، فإن هذا التطور لا يؤدي فقط إلى تفاقم العجز التجاري للاتحاد الأوروبي، بل يضعف أيضاً القدرة التنافسية لعدد كبير من الصناعات المحلية. ولهذا السبب، اعتمدت بروكسل خلال السنوات الأخيرة مجموعة من أدوات الدفاع التجاري، بدءاً من فرض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية، وصولاً إلى تشديد الرقابة على الاستثمارات الأجنبية، والتحقيق في الدعم الحكومي الصيني، وصياغة تشريعات جديدة لحماية الصناعات الاستراتيجية الأوروبية.
ومع ذلك، فإن التحدي الرئيسي الذي تواجهه أوروبا يتمثل في أنها لا تستطيع اتباع المسار نفسه الذي سلكته الولايات المتحدة. فعلى خلاف واشنطن، ترتبط الاقتصادات الأوروبية بعلاقات أعمق بكثير مع الصين. فالصين تعد أحد أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي، كما أن آلاف الشركات الأوروبية تحقق جزءاً مهماً من إيراداتها من السوق الصينية. ويبرز في هذا السياق الاقتصاد الألماني، الذي يُعد المحرك الصناعي لأوروبا، إذ يعتمد في العديد من قطاعاته على السوق الصينية. وقد استفادت شركات صناعة السيارات الألمانية الكبرى لسنوات طويلة من نمو السوق الصينية، وما زالت تحقق فيها جزءاً كبيراً من مبيعاتها العالمية. وقد أدى هذا الاعتماد المتبادل إلى غياب إجماع كامل داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع الصين. ففرنسا وليتوانيا وبعض الدول الأخرى تدعو إلى تبني نهج أكثر تشدداً، وترى أن على أوروبا حماية صناعاتها الاستراتيجية من المنافسة غير العادلة. في المقابل، تخشى ألمانيا وبعض دول جنوب أوروبا من أن يؤدي تصعيد التوترات إلى إجراءات انتقامية صينية تقوض الفرص الاقتصادية القائمة وتلحق الضرر بمصالحها التجارية.
وتُعد هذه التباينات في وجهات النظر إحدى أهم العقبات أمام بلورة سياسة أوروبية موحدة تجاه بكين. فالاتحاد الأوروبي، بخلاف الولايات المتحدة التي تتمتع ببنية أكثر مركزية في اتخاذ القرار، مضطر إلى الموازنة بين مصالح وأولويات سبع وعشرين دولة عضو، وهو ما يجعل عملية صنع القرار أكثر تعقيداً. وفي ظل هذه الظروف، تبنّت بروكسل استراتيجية لإدارة علاقاتها مع الصين تُعرف باسم “خفض المخاطر”. وقد تحول هذا المفهوم تدريجياً إلى الركيزة الأساسية للسياسة الأوروبية تجاه الصين، إذ يمثل محاولة لإيجاد طريق وسط بين خيارين متطرفين: فلا هو الإبقاء على حالة الاعتماد الواسع التي سادت في الماضي، ولا هو السعي إلى الانفصال الاقتصادي الكامل. ويدرك القادة الأوروبيون جيداً أن القطيعة التامة مع الصين ليست ممكنة ولا مرغوبة. فحجم التبادل التجاري بين الجانبين، وتعقيد سلاسل التوريد، والاحتياجات المتبادلة بين الاقتصادين، تجعل مثل هذا السيناريو بالغ التكاليف. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الوضع القائم ينطوي، من وجهة نظر بروكسل، على مخاطر متزايدة.
لذلك يتمثل هدف أوروبا في تقليص الاعتماد في القطاعات الحساسة والاستراتيجية، وتنويع سلاسل التوريد، وتعزيز القدرة على الصمود الاقتصادي، من دون التشكيك في جوهر العلاقات الاقتصادية مع الصين. غير أن هذه الاستراتيجية تواجه عقبة مهمة تتمثل في قدرة الصين على ممارسة ضغوط مضادة. فقد أظهرت بكين خلال السنوات الأخيرة أنها تستخدم الأدوات الاقتصادية بوصفها وسيلة نفوذ جيوسياسية. وتشكل القيود المفروضة على تصدير العناصر الأرضية النادرة، والتحكم في صادرات بعض المواد الأولية الاستراتيجية، واستخدام الوصول إلى السوق الصينية كأداة ضغط، أمثلة واضحة على هذه القدرة. ولهذا السبب، يشعر كثير من السياسيين الأوروبيين بالقلق من أن تؤدي الإجراءات الأكثر تشدداً تجاه الصين إلى ردود فعل انتقامية من جانب بكين. وتزداد أهمية هذا القلق في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأوروبي تحديات تتمثل في ضعف النمو، وأزمة التنافسية الصناعية، والضغوط الناجمة عن التحول الأخضر.
إن ما نشهده اليوم في العلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي لا يقتصر على خلاف تجاري فحسب، بل يعكس تحولات أعمق في النظام الاقتصادي الدولي. فالعولمة القائمة على الكفاءة الاقتصادية، التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة، تفسح المجال تدريجياً لعالم تلعب فيه الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية والتكنولوجية دوراً أكثر بروزاً. وإذا كانت الشركات في الماضي تتخذ قراراتها استناداً أساساً إلى تكاليف الإنتاج والربحية، فإن الحكومات باتت اليوم تولي القدر نفسه من الاهتمام لأمن سلاسل التوريد، والقدرة على الصمود الاقتصادي، والاستقلال التكنولوجي.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن تفسير مستقبل العلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي من خلال المفاهيم التقليدية للتعاون أو المواجهة. فالحقيقة أن الطرفين بحاجة إلى بعضهما البعض، وفي الوقت نفسه أصبح كل منهما أقل ثقة بالآخر مقارنة بالماضي. فأوروبا تحتاج إلى السوق الصينية ورؤوس الأموال والقدرات الإنتاجية الصينية، بينما تعتمد الصين على التكنولوجيا والاستثمارات والسوق الاستهلاكية الأوروبية. غير أن هذا الاعتماد المتبادل يترافق مع احتدام المنافسة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وصناعات المستقبل، وسلاسل التوريد، والنفوذ الجيوسياسي.
ومن هذا المنظور، دخلت العلاقات بين بروكسل وبكين مرحلة من “المنافسة المُدارة”؛ وهي مرحلة لا يبدو فيها أن العودة إلى التفاؤل الاقتصادي الذي ساد العقود الماضية أمر محتمل، كما لا يبدو أن اندلاع حرب باردة اقتصادية شاملة أمر مرجح. والأقرب إلى الواقع هو نشوء نظام جديد يحكم العلاقات بين الجانبين، نظام يستمر فيه التبادل التجاري والاستثماري، لكنه يصبح أكثر من أي وقت مضى خاضعاً للاعتبارات الأمنية والصناعية والاستراتيجية. وفي الواقع، توصلت أوروبا اليوم إلى قناعة مفادها أن ملف الصين لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل أصبح أحد أهم الاختبارات الاستراتيجية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي في القرن الحادي والعشرين؛ اختبار لن يحدد فقط مستقبل العلاقات الأوروبية الصينية، بل سيؤثر أيضاً في جزء مهم من مستقبل النظام الاقتصادي العالمي.
0 Comments