المجلس الإستراتيجي أونلاين ـ رأي: رئيسة وزراء بريطانيا الجديدة، التي كانت تُعرف سابقاً بكونها شخصية ليبرالية ومعارضة للملكية وكانت تُعتبر من مؤيدي ديفيد كاميرون ورافضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بدأت تؤيد تدريجياً أفكار وآراء المحافظين وانضمت إلى معسكر أنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ما قرّبتها إلى قمة هرم الحزب.
حسين سياحي ـ باحث في الشؤون الدولية
تم اختيار ليز تراس رئيسة وزراء بريطانيا مؤخراً. حيث تمكنت بصفتها وزيرة خارجية سابقة من التغلب على ريشي سوزاك، لتصبح خليفة بوريس جونسون. حالياً وبعد وصولها إلى منصب رئاسة الوزراء، فإن ما يحظى بالأهمية هو سياسات بريطانيا في الساحتين الداخلية والخارجية ونتائجها.
إن نتائج الاستطلاعات وحقيقة أن 52٪ من المشاركين يعتبرونها غير مؤهلة لرئاسة الوزراء، تظهر صعوبة إثبات كفاءات ثالث رئيسة وزراء في التاريخ البريطاني. يبدو أنه من أجل إثبات كفاءتها وتحقيق النجاح، يجب على ليز تراس أن تخلق توازناً مناسباً بين القضايا الداخلية والخارجية على أساس إشراف كامل على الوضع العالمي، وخاصة الجانب الاقتصادي.
داخلياً، كل شيء يعتمد على تجاوز الأزمة الاقتصادية وأزمة الطاقة الحالية بطريقة أقل ضرراً وأقل ضغطاً، والحد من التضخم والتعامل مع الركود. خارجياً، ووفقاً لتوجهات تراس في حكومة جونسون، فإن السياسة الخارجية البريطانية ستتبنى – في إطار عقيدة بريطانيا العالمية – تحقيق الاستقرار وتوسيع مناطق النفوذ، وزيادة التواجد في المناطق الإستراتيجية، والقيام بدور نشط في النظام الدولي.
الأزمة الاقتصادية؛ عقبة أمام سياسة خارجية نشطة وديناميكية
خلال حملتها الانتخابية، وعدت تراس بتخفيض الضرائب ومتابعة البرامج التي تهدف إلى النمو الاقتصادي. بدت خططها الاقتصادية أكثر شمولاً من خطط ريشي سوناك، منافسها ورئيس الخزانة السابق، الذي كان قد وضع السيطرة على التضخم على رأس خططه الاقتصادية.
رغم ذلك، ربما كان ينبغي على تراس أن تأخذ بعين الاعتبار القيود الماثلة أمام تنفيذ خططها ومدى تأثير سلوكها في مجال السياسة الخارجية لتحقيق خططها الاقتصادية. على سبيل المثال، تراس على استعداد لإنفاق 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي لزيادة الميزانية العسكرية بحلول نهاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
بالإضافة إلى ذلك، من أجل تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد، تخطط رئيسة الوزراء البريطانية لتنفيذ برامج مثل تخفيض الضرائب العامة وضرائب الشركات، وخفض الفواتير المتعلقة باستهلاك الطاقة، وعدم زيادة تكاليف التأمين الوطني.
هذه السياسات ستكون مؤشراً على انخفاض إيرادات الحكومة وزيادة نفقاتها. من ناحية أخرى، سيركز جزء من السياسة الخارجية البريطانية على مواجهة الصين واتخاذ موقف أكثر صرامة تجاهها، في حين تمثل التجارة معها 7.5٪ من حجم تجارة بريطانيا، ما دفع حتى بوريس جونسون إلى اتخاذ نهج مهادن فيما يتعلق ببكين.
بالنظر إلى موضوع تفتيش الاتحاد الأوروبي لحدود أيرلندا الشمالية، هناك خطر لنشوب حرب تجارية بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا أيضاً. لذلك، إذا اتخذت رئيسة الوزراء الجديدة إجراءات مسببة للتوتر، فسيكون من الواضح أن مهمتها لتحسين الوضع الاقتصادي وتجاوز الأزمة ستصبح أكثر صعوبة.
على كل حال، إذا اعتبرنا أن تراس تعتبر المصالح الجيوسياسية أهم من القضايا الاقتصادية وتتطلع إلى تعزيز مكانة بريطانيا الدولية وزيادة نفوذها في العالم، فسيتعين عليها دفع ثمن ذلك، ولن يقتنع الرأي العام البريطاني إلا عندما تكون نتائج السياسة الخارجية لرئيسة الوزراء ملموسة وناجحة.
السعي إلى تعزيز النفوذ في البحر الأسود ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ
ليس لدى ليز تراس أي خطط لمواكبة أوروبا. ربما عندما التزمت الصمت رداً على سؤال عما إذا كان الرئيس الفرنسي هو صديقها أم لا، توصلت بروكسل إلى قناعة بأن الخيار الأول لبريطانيا خلال فترة زعامة تراس هو العلاقات عبر المحيط الأطلسي ومع الولايات المتحدة الأمريكية.
خلال فترة رئاستها للحكومة، سيصبح الخيار النهائي لبريطانيا في مجال السياسة الخارجية أكثر وضوحاً. سيعود التعاون مع الولايات المتحدة إلى شكله المثالي بالنسبة لكلا الجانبين. كما أنه من المحتمل أن تستمر ليز تراس في دعم أوكرانيا بل وتكثيفه، وبهذه الطريقة، من خلال دعم الجبهة الناشئة والمعادية لروسيا المتمثلة في أوكرانيا وبولندا وليتوانيا، فإنها ستمهد الطريق لنفوذ أكبر في محور بحر البلطيق والبحر الأسود و تثبيت مكانة بريطانيا في هذه المنطقة.
السياسة الخارجية لحكومة تراس، ستضع الصين إلى جانب روسيا، وسيتم البت إلى حد ما في وضعية هذا البلد في إطار النظام الدولي القائم واللاعبين الرئيسيين فيه. من وجهة نظر تراس، فإن جذب رأس المال الصيني وشراء هذا البلد للشركات البريطانية يضران بالأمن البريطاني؛ وكما قيل، فإن القضايا الأمنية والجيوسياسية ستكون مقدمة على القضايا الاقتصادية والتجارية.
في عقيدة السياسة الخارجية لتراس، سيتغير تصنيف الصين من منافس إلى تهديد خطير. في هذا السياق، فإن العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف مع الهند وأستراليا، والتي تطورت مؤخراً إلى اتفاقيات ومعاهدات، ستشهد مزيداً من التطور وستتوجه بريطانيا إلى دول محايدة أخرى في المنطقة.
كما سيتم توسيع التعاون مع اليابان، في مجالات مثل FCAS (نظام القتال الجوي المستقبلي وطائرات الجيل السادس). الدفاع القوي عن هونغ كونغ، والضغط على لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لإدانة الصين بسبب ارتكاب الإبادة الجماعية للأويغور، وكذلك أفكار مثل تأسيس الناتو العالمي والناتو الاقتصادي مع مجموعة السبع، والإصرار على أن تكون ميزانية كل عضو في الناتو 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي تُعَدّ أمثلة على جهود حكومة تترأسها شخصية كانت في يوم من الأيام من أنصار ديفيد كاميرون الذي شهد عهده العصر الذهبي للعلاقة بين بكين ولندن.
بشكل عام، لن يكون وضع سياسة خارجية جذابة على الورق معقداً للغاية. المهم هو حساب التكلفة والفائدة من جراء تنفيذ إجراء ما، وكذلك الفهم الصحيح لفرص النجاح ومخاطر تنفيذ خطة إستراتيجية كبيرة. إن المواجهة مع الصين وروسيا، زيادة النفوذ في مناطق إستراتيجية مثل البحر الأسود والمحيطين الهندي والهادئ والمواجهة مع الاتحاد الأوروبي في قضية أيرلندا الشمالية تتطلب الكثير من الجهد ودفع الكثير من التكاليف، خاصة التكاليف الاقتصادية.
0 Comments