المجلس الإستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال خبير في مجال الحوكمة الدولية للفضاء الافتراضي والرقمي عن إستراتيجية الولايات المتحدة السيبرانية: "إنها تحاول خلق تقارب بين حلفائها لتقوية الإنترنت الذي تعتبره عالمياً".
في حوار مع موقع المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية، أشار الدكتور بهزاد أحمدي لفوركي إلى تقرير صحيفة “ذا هيل” التابعة للكونغرس الأمريكي، والذي نوقشت فيه جهود واشنطن لتعزيز التحالف السيبراني في المنطقة ضد إيران، موضحاً: “الاتفاق الذي أبرمته الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني والسعودية له جوانب عديدة. وبالتأكيد جزء من هذا الاتفاق له جانب دفاعي ـ أمني ، لكنه ليس مجرد اتفاق أمني. حيث تم إيلاء الاهتمام فيه إلى الصناعات الرائدة مثل الجیل الخامس والتعاون في مجال الجيل السادس من الإنترنت وصولاً إلى استكشاف الفضاء والقضايا الأمنية. وتم بالفعل توقيع اتفاقيات منفصلة بين الهيئة السعودية للأمن السيبراني ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن السيبراني الأمريكيتين”.
وقال إن الاتفاق المبرم مع السعودية له جوانب تفوق القطاع الأمني وتتعلق بالأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية أيضاً، مضيفاً: “حاولت صحيفة “ذا هيل” الادعاء بأن هذا التعاون يرجع إلى مواجهة إيران من خلال إظهار إيران كتهديد مشترك؛ لكن إذا نظرنا بشكل أعمق، فإن اختزال هذه الاتفاقيات في مواجهة ما يوصف بالتهديد الإيراني فقط، تحليل بسيط”.
الهدف الإستراتيجي السيبراني للولايات المتحدة
وأوضح الخبير في في الحوكمة الدولية للفضاء الإلكتروني: “إن إطلاق مبادرات دبلوماسية ذات توجه تكنولوجي، وخاصة المبادرات السيبرانية، هو قضية تابعتها الولايات المتحدة بجدية في السنوات الأخيرة، ومؤخراً تم إنشاء قسم خاص في وزارة الخارجية يكون مديرها على مستوى السفراء ويجب أن يحصل على ثقة الكونغرس. يبين هذا الوضع مدى جديتهم في هذه الإستراتيجية. بناءً على هذه الإستراتيجية، تحاول الولايات المتحدة خلق تقارب بين حلفائها لتقوية الإنترنت، الذي تعتبره عالمياً، ضد الإنترنت المجرأة الذي تدعي أن الصين وروسيا وجهات أخرى تبحث وراءه”.
وأكد أحمدي أن الهدف الرئيسي للولايات المتحدة في إنشاء التحالفات ليس إيران فقط، بل إنها تحاول مواجهة النفوذ المتزايد للدول التي تريد تحدي الهيمنة والأحادية الأمريكية في الفضاء السيبراني، موضحاً: “الجيوسياسية الإلكترونية هي أيضاً ذات أهمية إستراتيجية للولايات المتحدة، والتخطيط لتكون قادرة على تعزيز عمقها السيبراني وأن تكون لها اليد العليا في القضايا الجيوسياسية السيبرانية هو أحد السياسات الهامة لإدارة بايدن في هذا المجال”.
وذكر أنه يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى “عدم الانتشار” في خمسة مجالات تتعلق بإيران، موضحاً: “في فترة سابقة، كانت الولايات المتحدة تركز فقط على قضية عدم الانتشار في مجالات النووي والنفوذ الإقليمي والصواريخ، ولكن وبشكل خاص في العامين الماضيين، تم إضافة موضوعين جديدين وهو “منع الانتشار السيبراني” و “منع انتشار المسيّرات”، إلى أبعاد التعامل مع إيران. لذلك، زاد إنتاج الأدبيات في مراكز الأبحاث الأمريكية في هذا المجال وأصدر الأمريكيون، على مستوى كبار المسؤولين، إشارات متكررة إلى التهديد المتزايد الإيراني في مجالات الإنترنت والطائرات المسيّرة. لذلك، يحاولون إدراج بنود في هذا الصدد في الاجتماعات الثنائية والإقليمية ووضعها على جدول الأعمال العالمي. ومن المنتظر أن يصدروا قرارات أممية بهذا الشأن”.
وذكر الخبير في الحوكمة الدولية للفضاء الافتراضي: “ستواجه إيران بالتأكيد العديد من التحديات مع الولايات المتحدة، خاصة على المستوى الدولي، في مجال الإنترنت والطائرات المسيّرة في المستقبل القريب جداً”.
ووفقاً لأحمدي، في المجال السيبراني، يجري تحليل رؤية الكيان الصهيوني إلى إيران في الغالب في مجال توازن القوى السيبرانية. يعتبر الكيان الصهيوني نفسه منافساً لإيران في الساحة السيبرانية، ويعتقد أن لديه قدرات في المجالات الهجومية والدفاعية ، لكنه وحده لا يستطيع الصمود أمام قدرات إيران. لذلك فهو يبحث عن شركاء إقليميين ودوليين، وقد وجدت الإمارات العربية المتحدة مكانة خاصة في هذا المجال في المنطقة، كما أقامت السعودية تحالفاً مع الكيان الصهيوني بشكل غير رسمي.
الحاجة السيبرانية السعودية
وذكر أن تصوير إيران على أنها عدو عنيد وحياكة روايات مناهضة لإيران والترويج لتصور التهديد الإيراني هو في مصلحة الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ، ولديهما أجندة محددة لتضخيم التهديد الإيراني في هذا المجال، بينما كانت إيران هي من أوائل ضحايا الإرهاب السيبراني حيث تعرضت لهجوم ستوكسنت على منشآت نطنز النووية مردفاً: “على الرغم من أن السعودية في طور النمو في المجال السيبراني، إلا أنها تتمتع بقوة سيبرانية أضعف مقارنة بإيران والإمارات العربية المتحدة، لذلك تجد نفسها بحاجة للانضمام إلى مثل هذه التحالفات. أعتقد أنه من النظرة الاختزالية أن نتخيل أن التحالف السعودي في مجال الأمن السيبراني كان بهدف مواجهة إيران أكثر من أي شيء آخر. قد تشعر السعودية بتهديد سيبراني من جانب إيران. لكنها تشعر بالقلق أيضاً من ناحية أطراف أخرى بما فيها الكيان الصهيوني وحتى خصومها العرب، مثل قطر، وهذا سبب توجهها لبناء التحالفات”.
ووفقاً للخبير، فإن الاتفاقية السيبرانية الأمريكية مع السعودية لها جوانب اقتصادية وتكنولوجية قوية لم يتم تناولها. اليوم تبني السعودية تعاوناً في مجالات مثل الأجيال الجديدة من الاتصالات، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، وتكثيف التعاون الفضائي بشكل خاص بهدف تعزيز الاقتصاد الفضائي، وهو ما يجب تحليله في إطار الخطط الطموحة لمحمد بن سلمان المسماة برؤية 2030″.
وأكد أحمدي: “في منافسة مع لاعبين آخرين، لا سيما الإمارات وإيران وحتى الكيان الصهيوني، تحاول السعودية فصل نفسها عن اقتصاد النفط وتسريع انتقالها الرقمي من خلال إنشاء البنى التحتية الرقمية القوية؛ وفي هذا السياق، تقوم باستثمارات ضخمة أيضاً في مجالات الذكاء الاصطناعي”.
الطريق أمام إيران
وذكر أن إيران ومن أجل التعامل مع التحالفات ضدها، يجب أن تأخذ في الاعتبار العمل في كل من المجالين المحلي والدولي، مضيفاً: “يجب علينا زيادة حصة الاقتصاد الرقمي والاقتصاد الفضائي في الناتج المحلي الإجمالي لدينا. لذلك، يجب أن تكون الخطوة الثانية هي تعزيز البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وكذلك سن القوانين التي تسهل نمو الاقتصاد الرقمي ويمكن أن تؤدي إلى نموه وازدهاره. في الوقت نفسه، يجب الاهتمام أيضاً إلى زيادة قوة وقدرة الدفاع السيبراني للبلاد”.
ودعا الخبير إلى ربط هذا الاقتصاد بالأسواق الإقليمية والدولية واكتساب نصيب منها كإستراتيجية هامة أخرى، قائلاً: “يمكن أن تكون خدماتنا ومعداتنا جذابة للدول الأفريقية وبعض الدول الآسيوية”.
وإذ شدد أحمدي على ضرورة أن يكون لدى إيران مواقف واضحة في مجال الأمن السيبراني لخلق الردع والإعلان بحزم أنها قادرة على الرد على الهجمات السيبرانية من أي مصدر، أكد على ضرورة إبرام اتفاقيات الأمن السيبراني مع الدول الصديقة والمتحالفة، مضيفاً: “على الرغم من أنه في أجواء القضايا الجيوسياسية، يتم تقديم السعودية وبعض الدول العربية كمنافسين لإيران وأحياناً أعداء لها، لكن توجد لديها هواجس مماثلة جداً لإيران في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات”.
وقال: “بالاعتماد على الخبرة التي اكتسبها الأوروبيون على أساس المقاربات الوظيفية والوظيفية الجديدة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، يمكننا استخدام قدرات التعاون الوظيفي في مجال الاقتصاد السيبراني والرقمي لتعزيز العلاقات مع جيراننا، ومن بينهم السعودية. تماماً مثل مجال البيئة، وهو مجال وظيفي لا تتنافس فيه الحكومات مع بعضها البعض، بل تحاول التعاون مع بعضها البعض. التعاون في المجالات الوظيفية يؤدي إلى تليين المواقف في القضايا الصعبة”.
وأكد أحمدي على ضرورة الانتباه إلى الحضور القوي والفعال في المؤتمرات والأوساط الدولية التي تشكل المعايير والقواعد والقوانين السيبرانية، وكذلك الأوساط التي تحدد حقوق “الفضاء الخارجي”، قائلاً: “يجب عقد محافل إقليمية ودولية للحوار بين بلدان الجنوب في مجال الحوكمة الدولية للفضاء السيبراني وحتى الفضاء الخارجي؛ حيث توجد لدى بلداننا هواجس مماثلة جداً في هذه المجالات”.
0 Comments