المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التحركات الأمريكية الأخيرة في لبنان إلى أنّ واشنطن قد تكون بصدد الابتعاد عن النهج المكلف المتمثل في نزع سلاح حزب الله، والتوجّه بدلاً من ذلك نحو احتواء وإدارة قدراته العسكرية.
حميد خوش آيند ـ خبير في الشؤون الاقليمية
إنّ التحركات الأمريكية الأخيرة في لبنان، التي تتركّز على تطبيع العلاقات بين بيروت وتل أبيب، تعكس تغييراً استراتيجياً ملموساً في سياسة واشنطن الخارجية تجاه هذا البلد. وعلى الرغم من بعض التقارير التي فسّرت زيارات مسؤولين، مثل توم باراك، إلى الأراضي المحتلة على أنّها إنذار أخير لنزع سلاح حزب الله، ومقدمة لبدء عدوان شامل من قبل الكيان الصهيوني على لبنان، فإنّ ثمة مؤشرات أقوى تدل على أنّ البيت الأبيض بات يتلقى تقديرات ميدانية وسياسية تعتبر نزع سلاح حزب الله أمراً غير ممكن، وفي أحسن الأحوال بالغ الكلفة وأصعب بكثير مما كان يُتصوّر سابقاً.
وحتى مع افتراض المضي في خيار الهجوم العسكري للكيان الصهيوني على لبنان، فقد تبيّن مؤخراً بشكل عملي حجم الإحباط الأمريكي من إمكانية نزع السلاح الكامل لهذه الجماعة. ويعود السبب الجوهري لهذا الإحباط إلى مواقف حزب الله الحازمة وغير القابلة للمساومة، وإلى قوته المتجذّرة في المعادلات الأمنية اللبنانية، بحيث إنّ أي خطوة جريئة تهدف إلى القضاء عليه ستكون مقرونة بكلفة لا يمكن تحمّلها.
إنّ المواقف الجديدة لكبار قادة المقاومة اللبنانية، إلى جانب تصريحات المسؤولين الأمريكيين ومسؤولي الكيان الصهيوني، تُظهر بوضوح استحالة تحقيق مشروع نزع سلاح حزب الله. فقد أعلن الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله في لبنان، في كلمة ألقاها مؤخراً خلال التجمع الفاطمي لوحدة العمل النسائي في حزب الله ببيروت، بكل حزم: “إذا وقعت حرب، فلن تتحقق أهداف العدو أبداً، وهذا أمر واضح لنا تماماً. على أمريكا أن تعلم أننا سندافع عن أنفسنا، وحتى لو انقلبت السماء على الأرض، فلن يتحقق شيء اسمه نزع السلاح لتحقيق أهداف الكيان الإسرائيلي، حتى لو دخل العالم بأسره في حرب ضد لبنان”.
كما حذّر محمود قماطي، عضو المجلس السياسي في حركة حزب الله اللبنانية، قائلاً: “أحذّر من فيضان كأس صبر المقاومة. حزب الله لن يتخلى أبداً لا عن سلاحه ولا عن دوره المقاوم. وإذا نفد صبر المقاومة، فلن تجادل أحداً بعد ذلك. وستبقى قوات حزب الله أشبه بأشباح في جنوب الليطاني”.
وبعد هذه التصريحات الصريحة للشيخ نعيم قاسم، اكتفى دونالد ترامب، خلال مؤتمره الصحفي في البيت الأبيض، وعند سؤاله عن نزع سلاح حزب الله وحماس، بالقول: إنّ حزب الله ولبنان مسألة معقّدة، ويجب الانتظار لمعرفة ما سيحدث.
كما أكّد توم باراك، المبعوث الخاص لترامب والمسؤول عن ملف نزع سلاح حزب الله، أنّ فكرة نزع سلاح حزب الله بالقوة غير ممكنة، وأنه ينبغي أن نسأل أنفسنا كيف يمكن منع حزب الله من استخدام سلاحه. ومن جهته، قال ميشيل عيسى، السفير الأمريكي الجديد، رداً على سؤال حول كيفية ممارسة الضغط على حزب الله للتخلي عن سلاحه: “إذا لم يكن نزع السلاح ممكناً، فسنضطر إلى احتوائه”. وفي السياق ذاته، نشرت مجلة فورين بوليسي تقريراً نقلت فيه عن أحد مسؤولي حكومة الكيان الإسرائيلي قوله إنّ فكرة إضعاف أو جمع أسلحة حركة حزب الله ليست سوى وهم ولا تتمتع بقابلية التنفيذ.
الانتقال من نزع السلاح إلى احتواء السلاح؛ الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
في الوقت الذي تُظهر فيه مواقف المقاومة اللبنانية الصلبة أنّ التهديدات العسكرية لا تؤدي فقط إلى نزع سلاح حزب الله، بل قد تُفضي إلى مواجهة كارثية ذات عواقب غير متوقعة على المعتدين، فإنّ تصريحات المسؤولين الأمريكيين والصهاينة تشكّل دليلاً على أنّ واشنطن وتل أبيب قد ابتعدتا عن جديتهما السابقة في دفع سياسة نزع سلاح حزب الله، ودخلتا مرحلة من التردد والتراجع.
وبناءً على ذلك، يبدو أنّ الولايات المتحدة بصدد تغيير استراتيجيتها من نزع السلاح، الذي يستلزم مواجهة شاملة ومكلفة مع المقاومة اللبنانية، إلى استراتيجية احتواء السلاح؛ أي أنّ واشنطن، في استراتيجيتها الجديدة، تسعى إلى تقييد القدرات الصاروخية لحزب الله، وتقليص نطاق نفوذ المقاومة في لبنان من خلال الأدوات الدبلوماسية، والضغوط الاقتصادية، وخلق حالة من الردع.
إنّ فشل مشروع نزع سلاح حزب الله بات اليوم أوضح من أي وقت مضى بالنسبة للولايات المتحدة. فحتى في حال وقوع هجوم عسكري، سيقاتل حزب الله حتى آخر عنصر ولن يقبل بنزع سلاحه، وهي حقيقة عبّرت عنها المقاومة اللبنانية بأعلى المستويات وبكل وضوح. وقد أدركت واشنطن جيداً أنّ الضغط من أجل نزع سلاح حزب الله لن يُفضي إلى نتيجة. بل وحتى إذا نُفذت التهديدات، فإنّ المقاومة اللبنانية لن تستسلم، وقد يؤدي اندلاع جولة جديدة من المواجهات إلى إلحاق أضرار جسيمة بالمصالح الأمريكية في المنطقة، وتقويض كل الشعارات التي يرفعها ترامب تحت مسمّى السلام. ومن هنا، يسعى البيت الأبيض إلى التكيّف مع الواقع القائم، والانتقال التدريجي، وبصورة تحفظ ماء الوجه نسبياً، من مشروع نزع السلاح، مع تركيزه على محورين: أولاً، سياسة منع استخدام السلاح بدلاً من نزعه، وثانياً، خفض مستوى المواجهة بين لبنان والكيان الصهيوني، ومن ثم دفع مسار تطبيع العلاقات بين الطرفين.
0 Comments