المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: فتحت الهند، عبر نهج شعبي ونموذج منخفض الكلفة، مساراً جديداً في تطوير الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشكّل مصدر إلهام للدول النامية.
حسين دلاوري ـ باحث في مجال الذكاء الاصطناعي
على الرغم من القيود الاقتصادية الواضحة، حققت الهند خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في مجال الذكاء الاصطناعي، وانتقلت من مجرد مستهلك إلى لاعب فاعل ومؤثر في تشكيل هذا المجال. ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل نتاج استراتيجية عملية وشعبية ترتكز على مبدأين أساسيين: أولهما توسيع نطاق الوصول عبر نماذج استهلاكية منخفضة الكلفة، وثانيهما الاستثمار طويل الأمد في الموارد البشرية التقنية. إن دراسة هذا النهج، ولا سيما بالنسبة للدول التي تعاني من محدودية الوصول إلى رأس المال والتقنيات المتقدمة، تنطوي على دروس استراتيجية مهمة.
جوهر النجاح: إعطاء الأولوية للتطبيق وإتاحة الوصول الواسع
يكمن مفتاح تقدم الهند في الذكاء الاصطناعي، لا في منافسة الرواد العالميين مباشرة في الأبحاث الأساسية، بل في التركيز على التطبيقات العملية والقابلة للتوسع لهذه التكنولوجيا في الحياة اليومية لملايين الناس. فالحكومة الهندية، بالاستناد إلى نجاح بنيتها التحتية الرقمية العامة السابقة مثل نظام الهوية البيومترية “آدهار” ونظام الدفع الموحد، تعمل على الترويج للذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تنموية لمعالجة مشكلات ملموسة في مجالات الزراعة والصحة والخدمات الإدارية. وقد أدى هذا التوجه إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من سلعة فاخرة ومتخصصة إلى خدمة سهلة الاستخدام وشاملة. وفي هذا السياق، يشكّل عنصران مترابطان المحرك الأساسي لهذه الاستراتيجية.
العنصر الأول، هو ابتكار “نموذج الحزم الصغيرة” لإتاحة الوصول أمام المستهلكين. ويستند هذا المفهوم إلى الثورة الاستهلاكية التي شهدتها الهند في ثمانينيات القرن الماضي، حين جرى تسويق المنتجات الصحية في عبوات صغيرة وبأسعار زهيدة جداً، ما حوّل شريحة واسعة من ذوي الدخل المحدود إلى مستهلكين. واليوم امتد هذا المفهوم إلى مجال الذكاء الاصطناعي. فبدل الاشتراكات الشهرية الباهظة، يجري طرح خدمات ذكاء اصطناعي لتطبيقات جزئية ومحددة بأسعار رمزية. فعلى سبيل المثال، يمكن لتاجر صغير، مقابل مبلغ ضئيل، استخدام خدمة قراءة نصوص لتحليل صور فواتيره وإدارة المخزون تلقائياً. كما يتحرك المشروع التجريبي “IndiaAI Compute Pillar” في الاتجاه نفسه، من خلال توفير قدرة حوسبية للباحثين بسعر يقل عن دولار واحد في الساعة. والهدف هو خفض عتبة الكلفة بشكل جذري وخلق طلب واسع النطاق.
أما العنصر الثاني فهو تصميم “خارطة طريق ذكية لتطوير المواهب”. فالهند تدرك أن المنافسة على استقطاب العدد المحدود من نخبة الذكاء الاصطناعي العالمية ليست حلاً قابلاً للتوسع؛ ولذلك تركز بشكل أساسي على تأهيل كوادر متخصصة متعددة التخصصات وذات طابع تطبيقي. ويعني ذلك تدريب ليس فقط المهندسين، بل أيضاً مديري المنتجات، ومحللي القطاعات الصناعية، والمتخصصين القادرين على الربط بين القدرات التقنية والاحتياجات الفعلية لمختلف قطاعات الاقتصاد.
ويؤدي دور الدولة هنا أهمية محورية؛ إذ تقوم الحكومة بدور “الزبون الأول” عبر اعتماد حلول الذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة، ما يسهم في خلق سوق أولية ويعزز الثقة والطلب داخل المجتمع من خلال إظهار الفائدة العملية. كما تندرج الجهود الرامية إلى تعميم الوصول إلى البنية التحتية، عبر توفير موارد حوسبية منخفضة الكلفة للمراكز التعليمية في المدن الصغيرة، ضمن الإطار نفسه.
تحويل القيود إلى فرص
يُعد النموذج الهندي مصدر إلهام لعدة أسباب. أولاً، يقوم هذا النموذج على قدر من الاعتماد على الذات والتنمية القائمة على الاحتياجات الداخلية. ويمكن لدول نامية أخرى مثل إيران، من خلال إعطاء الأولوية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في معالجة التحديات الداخلية كإدارة الموارد المائية، وتحسين كفاءة الطاقة، أو تطوير خدمات الصحة عن بُعد، أن تخلق قيمة حقيقية وتوفر في الوقت نفسه بيئة مناسبة لنمو ونضج الشركات المحلية.
ثانياً، يتيح اقتصاد الحجم والسوق الداخلية الكبيرة في إيران، على غرار الهند، إمكانية اختبار وتطوير نماذج “الحزم الصغيرة” منخفضة الكلفة لعدد هائل من المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
ثالثاً، يشكّل رأس المال البشري الشاب والمتحمس في البلاد ميزة أولية مشتركة. ويتمثل مفتاح النجاح في إنشاء مسار تعليمي واضح لتحويل هذه الطاقات الخام إلى كوادر تطبيقية متخصصة، مع التركيز على المهارات التي تربط التكنولوجيا بالمجالات التخصصية الوطنية.
ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يخلو من التحديات. فالاعتماد على العتاد الحاسوبي المتقدم وأشباه الموصلات، التي لا يزال جزء كبير منها مستورداً، يمثل نقطة ضعف مهمة لكل من الهند، وبدرجة أكبر لإيران.
وقد تتفاقم هذه المشكلة في ظل العقوبات، ما يستدعي استراتيجيات موازية مثل تحسين الخوارزميات لتتلاءم مع العتاد المتاح، أو انتهاج دبلوماسية تكنولوجية هادفة. كذلك، يشكّل خطر تعميق الفجوة الرقمية وظهور انقسام دائم بين من يملكون إمكانية الوصول إلى هذه التكنولوجيا ومن يُحرمون منها تهديداً جدياً قد يؤثر في نجاح المشروع برمته. كما أن الحوكمة الذكية لإيجاد توازن بين الرقابة والأمن وبيئة الابتكار، إضافة إلى تصميم آليات للحفاظ على الكفاءات المدرّبة داخل البلاد، تُعد من التحديات الأخرى التي تواجه هذا النموذج التنموي.
في المحصلة، تُظهر تجربة الهند أن التقدم في مجال التقنيات المتقدمة لا يستلزم بالضرورة استنساخ النماذج الغربية. فقد نجحت الهند، بالاعتماد على ظروفها المحلية، في إخراج الذكاء الاصطناعي من البرج العاجي إلى قلب المجتمع، وتحويله إلى أداة للتنمية. وربما يكون الدرس الأهم لإيران هو إعادة تعريف الذكاء الاصطناعي بوصفه “تكنولوجيا ميسّرة للتنمية”، والتركيز على ابتكار حلول منخفضة الكلفة، عالية التأثير، وقابلة للتوسع لخدمة المجتمع. وفي هذا المسار، يظل الاستثمار في الإنسان وبناء الأطر المؤسسية للابتكار أهم من الاستثمار في التكنولوجيا وحدها.
0 Comments