المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا، بدءاً من تصاعد التوترات في الخليج الفارسي، مروراً بالتحركات الصاروخية والمسيّرات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التحذير الأخير الصادر عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن تهديد حرية الملاحة، إلى تحول جوهري في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على إطار إقليمي ومحلي، بل امتدت لتربط بين ممرين حيويين للاقتصاد العالمي، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
الدكتور محمد مهدي مظاهري ـ أستاذ جامعي
وقد أسهم هذا التشابك، وإن كان قد عزز قدرات الردع لدى محور المقاومة، في الوقت ذاته في إيجاد معادلات جديدة وتحديات استراتيجية معقدة أمام إيران. وتُعد هذه الحقيقة المستجدة قابلة للتحليل من زوايا متعددة، الأمر الذي يجعل من الضروري لصنّاع القرار في مجال السياسة الخارجية إيلاء الاهتمام لكل من أبعادها الإيجابية والمخاطر المصاحبة لها.
الأبعاد المستقبلية للترابط الجيوسياسي بين مضيق هرمز وباب المندب
1- تحويل الممرات البحرية الضيقة إلى سلسلة من أدوات الضغط المتبادل
من الناحية الإيجابية والردعية، أدى الترابط بين أمن مضيق هرمز ومضيق باب المندب إلى تشكيل “شبكة ضغط متقاطعة”. فالمراقبة الصارمة للملاحة في مضيق هرمز من قبل إيران، إلى جانب القدرات العملياتية لحركة أنصار الله اليمنية في باب المندب، وضعت خطوط المواصلات الدولية الممتدة من الخليج الفارسي إلى المحيط الهندي وقناة السويس ضمن سلسلة ردع واحدة. وقد رفع ذلك كلفة أي عمل عسكري أو فرض عقوبات مباشرة ضد إيران من قبل القوى الغربية، إذ إن أي اضطراب أمني في إحدى هذه النقاط ينتقل سريعاً إلى بقية نقاط الاختناق الرئيسية للطاقة والتجارة العالمية.
2- إرباك حسابات “الحرب منخفضة الكلفة وقصيرة الأمد” لدى القوى العابرة للأقاليم
تتمثل إحدى أهم مزايا المراقبة الصارمة التي تمارسها إيران في مضيق هرمز، بالتزامن مع امتداد التوترات إلى منطقة باب المندب، في تقويض عقيدة “الحروب المحدودة والخاطفة” التي تتبناها الولايات المتحدة وحلفاؤها. ففي السابق، كانت مراكز الفكر الغربية تفترض إمكانية توجيه ضربات دقيقة إلى البنية التحتية الإيرانية مع الإبقاء على الأزمة ضمن نطاق محدود. غير أن الربط بين أمن هذين المضيقين أثبت أن أي تحرك عسكري ضد إيران سيتحول فوراً إلى “أزمة طويلة الأمد في سلسلة الطاقة والتجارة العالمية”. وقد أدى ذلك إلى رفع مستوى المخاطر بالنسبة للاقتصادات التي تعاني أصلاً من التضخم وتقلبات أسعار الطاقة، وحوّل الخيار العسكري ضد إيران من إجراء منخفض الكلفة إلى سيناريو عالي المخاطر وغير قابل للتنبؤ. وبذلك تشكل نوعاً من الردع الجاد الذي يقيّد عملياً قدرة الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي على تكرار شن الهجمات ضد إيران بصورة دائمة ووفق إرادتهما.
3- مخاطر تراجع القيمة الاستراتيجية للمضائق وظهور مسارات بديلة
في المقابل، يتمثل أبرز التحديات المستقبلية في رد فعل بنية الاقتصاد العالمي تجاه استمرار حالة انعدام الأمن. فكلما ارتبط اعتماد الأسواق العالمية على ممر مائي بمستويات مرتفعة من المخاطر، ازدادت دوافع القوى الإقليمية والعابرة للأقاليم للاستثمار في “المسارات البديلة والالتفافية”. وقد أدى التصعيد في مضيق هرمز إلى توقف منتجي النفط في الخليج الفارسي عن إنتاج ما يقارب 12 مليون برميل يومياً، الأمر الذي تسبب في ارتفاع حاد في الأسعار. ورغم استئناف تدفقات النفط جزئياً عقب التفاهم الأولي بين الولايات المتحدة وإيران خلال الشهر الماضي، فإن تجدد المواجهات واتساع نطاق التوتر وامتداده إلى مضيق باب المندب أعاد من جديد الدول المنتجة والمستهلكة للنفط إلى دائرة الأزمة.
لقد دفعت هذه الظروف الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة إلى البحث عن بدائل وزيادة القدرة الاستيعابية لخطوط نقل النفط الخام البرية؛ وهو ما قد يتيح لها نقل كميات أكبر من النفط من دون المرور عبر مضيق هرمز، بل وحتى مضيق باب المندب. ويأتي في هذا السياق تطوير خطوط أنابيب نقل النفط من شرق السعودية إلى موانئ البحر الأحمر، وإحياء خط أنابيب نقل النفط من كركوك العراقية إلى ميناء بانياس السوري، وهو المشروع الذي انطلقت خطواته خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الولايات المتحدة، فضلاً عن تعزيز الممرات البرية، مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC)، (الهادف إلى ربط الهند، عبر مسارات بحرية وسككية، بالإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل وصولًا إلى أوروبا ليكون بديلاً للمسارات التقليدية)، إلى جانب تفعيل شبكات السكك الحديدية والطرق البرية بين الدول المطلة على الخليج الفارسي. وإذا ما ترسخت هذه المشاريع، فإنها ستؤدي على المدى البعيد إلى تقليص الأهمية الجيوسياسية الاستثنائية لمضيقي هرمز وباب المندب.
4- خطر تشكل تحالفات دولية قائمة على الإجماع
يتمثل التحدي الحيوي الآخر في تزايد احتمالات رد فعل القوى ذات المصالح المباشرة في التجارة البحرية. فكما تعكس تحذيرات المسؤولين الأوروبيين، فإن انعدام الأمن في باب المندب ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد التجارية الخاصة بالغرب والصين والهند وشرق آسيا. ورغم أن الدول الأوروبية والقوى الآسيوية لم تنخرط بصورة جدية وعلنية في الهجوم العدواني الأمريكي الثاني على إيران، فإن الواقع يشير إلى أن هذه الدول ستجد نفسها مضطرة إلى التحرك حفاظاً على مصالحها الاقتصادية. كما أن استمرار اضطراب حركة الملاحة من شأنه أن يهيئ الظروف أمام الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لتشكيل تحالفات تحت ذريعة “ضمان حرية الملاحة”. وقد يضع ذلك إيران وحركة أنصار الله في موضع الاتهام باعتبارهما “مهددتين لأمن التجارة العالمية”، بل وقد يدفع حتى القوى الصاعدة، مثل الصين والهند، إلى الانضمام إلى إجماع دولي بدعوى حماية الأمن والاستقرار في المنطقة.
5- انتقال حالة انعدام الأمن إلى المجال الشمالي (بحر قزوين)
يشكل الهجوم الأخير الذي شنته أوكرانيا على سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين، بذريعة نقل شحنات عسكرية، والذي جرى بضوء أخضر من الولايات المتحدة والقوى الغربية، جرس إنذار خطيراً بالنسبة لأمن الممرات البديلة لإيران. فقد أظهرت هذه الحادثة أنه إذا ترسخ منطق الحرب واستمر، فإن حتى المسارات الشمالية في بحر قزوين لن تكون بمنأى عن تداعيات الاستقطاب الأمني، وأن جبهة الضغط على خطوط العبور الإيرانية قد تمتد من الجنوب إلى الشمال.
لكن يبقى السؤال: كيف يمكن لإيران أن توظف ورقة الردع التي توفرها المضائق، من دون أن تقع في فخ التحديات المترتبة عليها؟
ولتفادي تحول أداة الردع إلى فخ جيوسياسي وعامل يقود إلى العزلة الدولية، ينبغي للجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تعتمد خارطة طريق ذكية تقوم على المبادئ الآتية:
الانتقال من “الردع السلبي” إلى “المسؤولية الإيجابية”: ينبغي لإيران، من خلال توظيف إمكانات الدبلوماسية النشطة، أن تبادر إلى طرح رؤية لإدارة أمن مضيق هرمز. فالتأكيد على أن إيران هي “الضامن الرئيسي للملاحة البحرية الآمنة والمشروعة” في المنطقة من شأنه أن يفند الرواية الغربية التي تصوّرها باعتبارها تهديداً للتجارة العالمية.
الفصل المدروس بين الملفات واعتماد دبلوماسية إقليمية فعالة: يتعين تجنّب تصعيد التوتر مع الدول الصديقة في الخليج الفارسي، مثل سلطنة عُمان وقطر، والاستفادة من إمكاناتها في بلورة منظومة أمن بحري إقليمية، بما يحول دون نشوء تحالفات عسكرية عابرة للأقاليم. كما ينبغي لإيران أن تحافظ على وضوح خطوطها الحمراء الأمنية، وفي الوقت ذاته أن ترحب بالمبادرات السياسية ومشروعات السلام المقترحة، وأن تدرسها بجدية، بما يسحب الذرائع من الغرب لتشكيل إجماع دولي ضدها.
إدارة ورقة التحكم بخطوط الملاحة والدبلوماسية غير المعلنة: في ظل تدهور العلاقات مع الدول العربية المستضيفة للقواعد الأمريكية والقوى الغربية نتيجة التوترات العسكرية، يمكن أن يتمثل أحد الحلول المنطقية والعملية في “تحويل قوة الردع البحري إلى ورقة تفاوض ملموسة” مع القوى الشرقية صاحبة المصالح. فعلى غرار ما جرى خلال حرب رمضان، ينبغي لإيران، عبر الدبلوماسية غير المعلنة والقنوات الأمنية غير الرسمية، أن تضمن “نظاماً للعبور الانتقائي والآمن” للسفن التابعة للدول غير المعادية، (مثل الأساطيل التجارية الصينية والهندية، وحتى الدول الأوروبية التي لم تنخرط حتى الآن في المواقف الأمريكية)، مع الإبقاء في الوقت نفسه على ارتفاع كلفة التأمين ومستوى المخاطر بالنسبة للدول الغربية وحلفائها. ويحقق هذا النهج ميزتين أساسيتين؛ الأولى، الحيلولة دون تشكل إجماع دولي موحد، (ولا سيما منع انضمام بكين إلى التحالفات الأمنية الغربية)؛ والثانية، دفع الدول المستثناة إلى الدفاع عن استمرار مصالحها التجارية، بما يدفعها إلى الاضطلاع بدور الدرع الدفاعي وعامل تخفيف الضغوط المفروضة على إيران في النزاعات الدبلوماسية الدولية.
تحويل المكاسب الإقليمية إلى عوائد ملموسة والمطالبة الذكية بتحمل موسكو جزءاً من الكلفة: إن عودة التوتر العسكري بين إيران والولايات المتحدة، وما تبعها من اضطرابات أو احتمال إغلاق مضيق هرمز، وفّرت لروسيا أكبر مكاسب اقتصادية واستراتيجية غير متوقعة. ولذلك، ينبغي لإيران ألّا تسمح بأن تكون موسكو المستفيد الوحيد من تداعيات الحرب في الخليج الفارسي، ومن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، ومن انشغال الغرب عن الجبهة الأوكرانية. وبما أن قدرة إيران على الردع هي التي وفّرت هذه المكاسب لروسيا، فإن على طهران أن تطالب بمقابل سياسي ملموس، يمكن أن يشمل الإسراع في تسليم منظومات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية المتطورة، وتوفير خطوط ائتمان وترتيبات للمقايضة التجارية، فضلاً عن استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) بصورة فاعلة في مجلس الأمن الدولي لإحباط مشاريع القرارات التي تسعى الدول الغربية إلى تمريرها ضد إيران. كما ينبغي لإيران أن تطالب موسكو بتحمل مسؤولية ضمان الأمن المادي واللوجستي للأسطول التجاري الإيراني في بحر قزوين، حتى لا تتحمل خطوط العبور الإيرانية كلفة التوترات على الجبهة الشمالية.
وفي الختام، فإن إعادة قراءة التطورات المعقدة الممتدة من الخليج الفارسي والبحر الأحمر إلى أعماق بحر قزوين، تظهر أن تحول “مضيقي هرمز وباب المندب” إلى سلسلة من أدوات الردع المتبادل قد نجح في رفع كلفة أي محاولة للضغط أو الاعتداء الأحادي على إيران بالنسبة للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي. ويُعد هذا الإنجاز الميداني أداة مهمة لترسيخ المكانة الجيوسياسية لإيران، وردع الأطراف المقابلة عن الإقدام على حسابات عسكرية متسرعة.
ومع ذلك، فإن منطق الواقعية في السياسة الخارجية يحذر من أن أداة الردع ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي “ورقة تفاوض” لتحقيق الأمن والاستقرار وصون المصالح الوطنية. فالاعتماد المفرط على إغلاق الممرات البحرية أو زعزعة أمنها، من دون أن يواكبه “نشاط دبلوماسي متعدد المسارات وفاعل”، قد يحوّل عنصر القوة الإيراني إلى فخ أمني، بما يحمله ذلك من مخاطر تتمثل في تشكّل إجماع دولي، وتراجع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، وهروب الاستثمارات من الممرات الوطنية، وانتقال حالة انعدام الأمن إلى ساحات العبور الخلفية، مثل بحر قزوين.
إن الاستراتيجية الأكثر حكمة بالنسبة لإيران تتمثل في تحويل مكاسبها الميدانية إلى أوراق تفاوض على طاولة المفاوضات. فمن الضروري أن تحافظ، بالتوازي مع صون قدراتها الردعية البحرية، على إخراج تحركها الدبلوماسي من الإطار الأحادي، وأن تنخرط في مفاوضات عملية مع طيف واسع من القوى الشرقية والإقليمية، وحتى مع بعض الفاعلين المستقلين في الغرب. وعندئذ فقط، ومن خلال الربط بين الردع العسكري والدبلوماسية متعددة الأبعاد والمسؤولة، يمكن ضمان الأمن الوجودي والسياسي والاقتصادي للدولة، ومنع تحميل المصالح الوطنية الإيرانية أعباء الصراعات الدولية الكبرى.
0 Comments