جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
الأهمية والتداعيات الاستراتيجية لتحركات أنصار الله المهمة على السواحل الغربية لليمن

برسام محمدي ـ خبير في الشؤون الإقليمية
إن العملية القوية والخاطفة الأخيرة لقوات أنصار الله على السواحل الغربية لليمن، والتي لا تزال مستمرة، قد أحدثت خلال فترة قصيرة إحدى أكثر نقاط التحول حسماً في حرب اليمن وتطورات غرب آسيا؛ وهو تحول مضى خلافاً لجميع الحسابات السعودية والأمريكية والغربية والصهيونية.
وخلال العملية العسكرية الواسعة الأخيرة، تم تحرير أكثر من 2600 كيلومتر مربع من المناطق الحساسة في محافظتي تعز والحديدة، بما فيها مدن حيس والخوخة والوازعية وموزع، وقاعدة خالد بن الوليد العسكرية. ومع دخول القوات إلى مدينة “المخأ” الساحلية وانتشارها في منطقة “ذُباب” والجزيرة الاستراتيجية “ميون” (بريم)، انهارت الخطوط الدفاعية لقوات التحالف بقيادة السعودية والمجموعات التابعة لطارق صالح. ولم يسجل هذا التحول الميداني السريع النهاية الحاسمة لوقف إطلاق النار الهش لعام 2022 فحسب، بل أخرج أيضاً الجغرافيا العسكرية لليمن من حالة الجمود، وأدخل بنية المعركة في مرحلة تُرسّخ سيطرة صنعاء على الممرات الحيوية.
أهمية السيطرة الجيوسياسية على المخأ وجزيرة ميون
من أبرز مفاجآت العملية الأخيرة لأنصار الله في اليمن تحرير المخأ وجزيرة ميون. ويقع ميناء المخأ على مسافة تقدر بنحو 60 إلى 75 كيلومتراً شمال مضيق باب المندب؛ وهو ممر مائي استراتيجي يبلغ عرضه 29 كيلومتراً، ويُعد بوابة تربط البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي بقناة السويس والبحر الأبيض المتوسط.
إن السيطرة على المخأ، بالتزامن مع الدخول إلى جزيرة ميون وتثبيت الموقع بالقرب من جزر حنيش وزقر، قد حولت طبيعة نفوذ أنصار الله من “قوة ردع قائمة على المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى” إلى “سيطرة وحضور ميداني مباشر” على خطوط الملاحة البحرية. وتوفر جزيرة ميون الهلالية الشكل، التي تفصل الممرين الشرقي والغربي لباب المندب عن بعضهما، لأنصار الله إشرافاً بصرياً ورادارياً ونارياً مباشراً بالمدفعية، من دون الحاجة إلى أسلحة معقدة. كما أتاح هذا الانتشار الإقليمي إمكانية قطع شرايين الإمداد التابعة للتحالف باتجاه الجنوب وفرض حصار كامل على التحركات المعادية على امتداد الشريط الساحلي بأكمله.
فشل الاستراتيجيات الاقتصادية للتحالف المناهض لليمن
لقد أسفرت نجاحات أنصار الله في اليمن، بل فتوحاتهم في الواقع، حتى الآن عن تداعيات استراتيجية مهمة؛ إذ تسببت التداعيات الاقتصادية لهذا الانتصار في صدمة فورية للمعادلات الأمنية وانتقال الطاقة على الصعيد العالمي. فالسعودية، التي كانت قد نقلت صادراتها النفطية عبر خط أنابيب الشرق إلى الغرب إلى ميناء ينبع، في أعقاب الاضطرابات السابقة، لتستغني عن الحاجة إلى مضيق هرمز، ترى الآن أن مسارها البديل عبر البحر الأحمر أصبح عرضة للخطر بالكامل مع اتساع نطاق نفوذ أنصار الله.
وتشير الإحصاءات إلى انخفاض حاد في صادرات ينبع من 3.8 ملايين برميل إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً، وانخفاض إجمالي إنتاج السعودية إلى 6.2 ملايين برميل. وفي الوقت نفسه، كشف ارتفاع سعر خام برنت إلى أكثر من 100 إلى 110 دولارات، وانخفاض حركة السفن في قناة السويس بأكثر من 50 في المئة، بمتوسط 40.8 سفينة يومياً، عن عمق اعتماد الاقتصاد الدولي على أمن هذا الممر المائي. وقد وضع هذا الوضع أداة ضغط غير مسبوقة في أيدي صنعاء لفرض مطالبها الاقتصادية ورفع الحصار الشامل عن اليمن.
تعزيز موقف محور المقاومة وأداة احتواء الكيان الصهيوني
وعلى المستوى الإقليمي، وبعيداً عن التداعيات الاقتصادية وتداعيات الطاقة، تعمل فتوحات أنصار الله الجديدة مباشرة لمصلحة الاستراتيجية المتكاملة لمحور المقاومة. فمع سيطرة صنعاء على الساحل الغربي وباب المندب، تشكلت أداة جيوستراتيجية مزدوجة إلى جانب مضيق هرمز، بما يجعل السيطرة على أهم شرايين التجارة والنفط في العالم تصب في مصلحة الجبهة المناهضة للهيمنة. وقد أدخل هذا الأمر المؤسسات الأمنية للكيان الصهيوني في حالة من الصدمة والهلع؛ إذ إن الحصار البحري لميناء إيلات (أم الرشراش) قد انتقل الآن من مرحلة التعطيل المؤقت إلى الإشراف الإقليمي الكامل، ودفع التحركات البحرية لهذا الكيان في البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى طريق مسدود.
إن إجراء تل أبيب مناورات طارئة بسيناريوهات حروب متعددة الجبهات، ومحاولة الرياض بناء إجماع مع دول مثل باكستان، وهي محاولة لم تنجح حتى الآن، بل وحتى رفض ترامب طلب الرياض الانخراط بصورة جدية في الصراع ضد اليمن، كلها مؤشرات على فشل الهياكل الأمنية الموالية للغرب في احتواء القوة المنبثقة عن المقاومة المحلية في اليمن. ويقر الخبراء بأن أنصار الله، بوصفهم فاعلاً مستقلاً يعتمد على قدرات دفاعية داخلية ويتمتع بإرادة استراتيجية، قد غيّروا قواعد اللعبة.
إعادة إنتاج توازن القوى الإقليمي
لقد أعاد هذا الانتصار الميداني الكبير ترتيب توازن القوى في شبه الجزيرة العربية ومنطقة غرب آسيا بصورة جوهرية. فقد التحالف المعتدي والحكومة القائمة في عدن، بعد خسارتهما الخطوط اللوجستية على الساحل الغربي، قدرتهما الهجومية، بل إنهما باتا في موقع ضعف مطلق حتى على الجبهات الشرقية، مثل مأرب والجوف.
ولم تؤدِ زيادة القدرة التفاوضية لأنصار الله إلى ترسيخ موقع هذه الحركة بوصفها الحاكم الفعلي وغير المنازع عليه لليمن في أي مسار دبلوماسي أو سياسي دولي فحسب، بل مدّت أيضاً العمق الجيوسياسي لجبهة المقاومة من الخليج الفارسي إلى باب المندب والبحر الأبيض المتوسط. ويظهر هذا الإنجاز أن توازن القوى لم يعد يتحدد بواسطة الأساطيل العابرة للأقاليم أو الدولارات النفطية، بل إن السيطرة على الجغرافيا الميدانية وإرادة الصمود هما اللتان ترسمان حدود الجغرافيا السياسية الجديدة.
إن فتوحات أنصار الله الأخيرة في المخأ ومضيق باب المندب تتجاوز مجرد تحرك عسكري بسيط، فقد أحدثت زلزالاً هائلاً في جغرافية المنطقة السياسية. وإن تثبيت الحضور المادي لليمنيين على البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، بالتزامن مع تصاعد الأزمات المتوازية، قد جعل أي تصميم أمني في المنطقة من دون مشاركة صنعاء وموافقتها محكوماً بالفشل. وقد أدى تلاقي هذا التحول مع قوة محور المقاومة في غرب آسيا إلى خفض هامش أمن الكيان الصهيوني وداعميه الغربيين – العرب إلى أدنى مستوى تاريخي، ورسالتُه الواضحة هي التغيير الذي لا رجعة فيه في توازن القوى لمصلحة الشعوب المستقلة وجبهة المقاومة في أهم ممرات الترانزيت العالمية.
0 Comments