جدیدترین مطالب
اتفاق مكة على المحك؛ من «معضلة الردع» إلى «خطر تقويض الأمن»
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن اتفاق مكة، الذي وُقّع في 7 أغسطس/آب 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، يواجه في الواقع «معضلة الردع» و«تباين إدراك التهديد» أكثر مما يمثل استجابة للفراغات الجيوسياسية. وفي حين يمثل هذا الاتفاق رمزاً للانتقال نحو الاعتماد على الذات إقليمياً، فإن الاختبارات الميدانية الأولى وتعقيدات العلاقات مع الفاعلين الإقليميين ستحدد المعنى الحقيقي له.
أحدث المقالات
اتفاق مكة على المحك؛ من «معضلة الردع» إلى «خطر تقويض الأمن»
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن اتفاق مكة، الذي وُقّع في 7 أغسطس/آب 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، يواجه في الواقع «معضلة الردع» و«تباين إدراك التهديد» أكثر مما يمثل استجابة للفراغات الجيوسياسية. وفي حين يمثل هذا الاتفاق رمزاً للانتقال نحو الاعتماد على الذات إقليمياً، فإن الاختبارات الميدانية الأولى وتعقيدات العلاقات مع الفاعلين الإقليميين ستحدد المعنى الحقيقي له.
اتفاق مكة على المحك؛ من «معضلة الردع» إلى «خطر تقويض الأمن»

سجاد ساماني ـ خبير في الشؤون الإقليمية
الاختبار الأول؛ مواجهة «الالتزامات السياسية» مع «الوقائع الميدانية»
تكمن أهم معضلة تواجه اتفاق مكة، لا في نص الاتفاق، وإنما في «تباين إدراك التهديد» بين أعضائه. فالسعودية تعتبر الخليج الفارسي واليمن والبحر الأحمر خطها الأمامي للأمن، وبنيتها التحتية للطاقة أكثر نقاطها عرضةً للخطر؛ بينما تنخرط تركيا في الوقت نفسه في ملفات سوريا والعراق وجنوب القوقاز وشرق البحر المتوسط، كما أن منافساتها مع اليونان والاتحاد الأوروبي تفرض عليها أولويات مختلفة؛ في حين تركز باكستان اهتمامها على حدودها الشرقية (الهند وكشمير) والغربية (أفغانستان وتطورات طالبان). وقد وضع هذا التباين المتأصل في إدراك التهديد والتطورات في اليمن اتفاق مكة أمام تحدٍّ جدي في أول اختبار ميداني له.
إن التطورات الأخيرة في اليمن والهجمات الانتقامية لأنصار الله على منشآت الطاقة السعودية رداً على حرب الرياض على اليمن، تمثل بالضبط نقطة الاحتكاك. فقد كشف إعلان وزير الدفاع الباكستاني عن إمكانية تفعيل بند الدفاع المتبادل، ثم التراجع الدبلوماسي لإسلام آباد في 10 سبتمبر/أيلول (مع التأكيد على عدم اتخاذ قرار بشأن رد عسكري فوري)، عن «الفجوة بين الالتزام السياسي والقدرة العملياتية». وتواجه باكستان في الواقع معضلة متعددة المستويات: فمن جهة، التزامها تجاه الرياض وحاجتها إلى الدعم المالي السعودي؛ ومن جهة ثانية، علاقاتها الجيوسياسية المعقدة مع إيران، التي تشترك معها في حدود مباشرة؛ ومن جهة ثالثة، حساسيات الهند التي تنظر بعين الشك إلى أي تقارب عسكري بين باكستان والكتلة العربية.
لكن وراء هذا الحذر تكمن حقيقة أكثر أهمية: إن باكستان وتركيا لا ترغبان بأي حال في اختبار جبهة المقاومة. فكلا البلدين يدرك أن إيران، بوصفها فاعلاً مؤثراً في المنطقة، تستطيع المساعدة في إحلال السلام وتسوية النزاعات. وقد أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أن التوتر مع إيران لا يفرض تكاليف باهظة على دول المنطقة فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى إغلاق سبل الحلول الدبلوماسية. وتدرك باكستان وتركيا جيداً أن جبهة المقاومة تؤدي دوراً حاسماً في تطورات العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأن تجاهل هذه الحقيقة سيؤدي إلى إفشال أي مسعى لتحقيق الاستقرار الإقليمي. إن تفعيل اتفاق مكة في مواجهة مصالح هذه الجبهة لا يفرض تكاليف باهظة على إسلام آباد وأنقرة فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى إغلاق سبل الحلول الدبلوماسية. ولذلك، تتمثل المعضلة الأولى لاتفاق مكة في السؤال التالي: هل يمتلك هذا الهيكل، في مواجهة أزمة ما، القدرة على تحويل «التضامن اللفظي» إلى «عمل عسكري مشترك»، أم أنه سيقتصر على مجرد نادٍ لتبادل المعلومات وتقديم الدعم اللوجستي؟
كما يُظهر تاريخ التحالفات الإقليمية أن الاختلاف في المصالح الوطنية يؤدي عادةً إلى إضعاف الالتزامات الجماعية. فقد انهار كل من اتفاق سعد آباد (1937) بين تركيا وإيران والعراق، وحلف بغداد (1955)، بسبب تضارب مصالح الأعضاء والضغوط الخارجية. وإذا لم يتمكن اتفاق مكة من إيجاد آليات واضحة لإدارة الخلافات الداخلية، فإنه سيواجه مصيراً مماثلاً.
التأثير غير الواضح للصين
في ظل مواجهة أعضاء اتفاق مكة تحديات في سد فجوات الردع والقدرات الاقتصادية لديهم، يحضر «المتغير الصيني» بوصفه أحد الفاعلين العالميين في هذه المعادلة.
فالصين، التي تُعد أكبر شريك تجاري للسعودية وضامناً اقتصادياً-عسكرياً لباكستان، تستطيع أن تكون فاعلة في كلا المجالين، الصلب (من خلال توفير الطائرات المسيّرة المتقدمة وأنظمة الدفاع الجوي وتطوير الصناعات الدفاعية المشتركة بين تركيا وباكستان)، والناعم (من خلال الضمانات الاقتصادية والدبلوماسية لمواجهة الضغوط الغربية). إلا أن بكين لا تزال غير راغبة في الانخراط مباشرةً في تحالف عسكري تقليدي، وتسعى بصورة أكبر إلى ضمان أمن الطاقة ومسارات «الحزام والطريق» في الخليج الفارسي. وتدرك الصين أن الانخراط المباشر في المعادلات الأمنية للخليج الفارسي سيضعها في مواجهة مع الولايات المتحدة، وهو ما لا ينسجم مع استراتيجية «التنمية من دون مواجهة» التي تنتهجها بكين.
وعليه، يمكن تعريف دور الصين في هذا الاتفاق، لا بوصفها «المهندس الرئيسي»، وإنما بوصفها «ضامناً محدوداً لكنه مؤثر». وتفضل بكين زيادة نفوذها من خلال بيع الأسلحة والاستثمارات الاقتصادية والوساطة الدبلوماسية (مثل اتفاق الرياض-طهران في مارس/آذار 2023)، من دون أن تنضم رسمياً إلى تحالف عسكري. ويتيح هذا النهج للصين الحفاظ على علاقات جيدة مع كل من السعودية وإيران، وحماية مصالحها الاقتصادية في المنطقة.
المحصلة؛ خطر تحوّل اتفاق مكة إلى مُقوّض للأمن
لا ينبغي قراءة اتفاق مكة في إطار «ناتو إقليمي» أو باعتباره مجرد أداة لملء فراغ «المظلة الأمنية الأمريكية»، بل يمكن أن يكون هذا الاتفاق بداية «مرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر”.
فإذا لم يتوخَّ أعضاء الاتفاق الحذر، ولم يتمكنوا من إدارة معضلات من قبيل تباين إدراك التهديد، وتعقيدات العلاقات الإقليمية، والقيود العملياتية، فإن هذا الاتفاق سيتحول، بدلاً من تعزيز الأمن، إلى نقيضه، أي إلى مُقوّض للأمن. وسيكون تصعيد التوترات، وإغلاق سبل الحلول الدبلوماسية، وتحول الخليج الفارسي إلى ساحة للتنافس التسليحي، نتيجة طبيعية لهذا التحول. وفي مثل هذا السيناريو، سيتحول اتفاق مكة، بدلاً من إيجاد الردع، إلى أداة لإضفاء الشرعية على الإجراءات العسكرية الأحادية الجانب، وسيجر الدول الأعضاء إلى دوامة من التوترات التي لا سيطرة لهم عليها.
وفي هذه الأثناء، لن يستفيد من هذا الوضع سوى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فاستمرار انعدام الأمن في الخليج الفارسي يوفر ذريعة لتبرير الوجود العسكري لواشنطن في المنطقة، ويجعل مبيعات الأسلحة الأمريكية مبررة. وفي الوقت نفسه، يؤدي تركيز الدول الإسلامية على المنافسات داخل المنطقة إلى تهميش القضية الفلسطينية، ويتيح للكيان الصهيوني مواصلة توسعاته من دون تكلفة سياسية. وتستفيد الولايات المتحدة من انعدام الأمن الإقليمي، لأن هذا الانعدام يكرّس اعتماد دول الخليج الفارسي على المظلة الأمنية لواشنطن، ويحول دون تشكل كتلة إقليمية مستقلة.
وعليه، فإن نجاح اتفاق مكة لا يتوقف على عدد أعضائه أو حجم تسليحاته، وإنما على قدرة أعضائه على إدارة خلافاتهم بذكاء، والحفاظ على القنوات الدبلوماسية مع فاعلين من قبيل جبهة المقاومة، وتجنب الوقوع في فخ لا تعود منافعه إلا على المنافسين الإقليميين. وإذا لم يتمكن أعضاء اتفاق مكة من اجتياز هذه الاختبارات الأولية بنجاح، وأدّى الاتفاق بدلاً من الردع إلى تصعيد التوتر، فإنهم لن يكونوا قد ضمنوا أمنهم فحسب، بل سيتحولون أيضاً إلى أداة غير مقصودة في يد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
0 Comments