المجلس الإستراتيجي أونلاين ـ رأي: تنوي الصين وروسيا إقامة نظام مالي بعيد عن رقابة الولايات المتحدة يتمتع بالقدر المطلوب من القوة والفاعلية على المستوى العالمي.
علي خوانساري ـ محلل الشؤون الدولية
منذ الحرب العالمیه الثانیه، ظل الدولار العمله الأهم فی العالم؛ وهی أکثر العملات الاحتیاطیه شیوعاً والأکثر استخداماً فی التجاره الدولیه و سائر التعاملات فی أنحاء العالم.
إلغاء الدولار من التبادلات الاقتصادیه بین الدول والاتفافات التی حصلت بهذا الصدد واستبداله بالعملات المحلیه أو باقی العملات الرائجه فی التجاره العالمیه لیس مسأله حدیثه، إلا أنه اکتسب زخماً أکبر فی الأعوام الأخیره بسبب سلوک الإداره الأمریکیه فی عهد ترامب وبایدن؛ حیث شوهت التوترات السیاسیه بین واشنطن والدول الأخرى مصداقیه الدولار الأمریکی فی الأسواق الدولیه.
منذ عام 2014، قررت الصین وروسیا بصفتهما قوتین عظیمتین فی النظام الدولی استخدام العملات المحلیه للتجاره البینیه وتقلیص الاعتماد على الدولار الأمریکی. عقوبات الولایات المتحده ضد روسیا جراء أزمه القرم دفعت الصین وروسیا إلى اتخاذ إجراءات أکثر جدیه لإلغاء الدولار تدریجیاً. واشتدت هذه الوتیره بعد فرض دونالد ترامب رسوماً على مئات ملیارات الدولارات من السلع الصینیه. فی عام 2014، أبرمت بکین وموسکو عقداً لمده ثلاثه أعوام لتبادل العمله الصعبه بقیمه 150 ملیار یوآن (24.5 ملیار دولار). کما أنه خلال زیاره للرئیس الصینی، شی جین بینغ، إلى روسیا فی یونیو 2019، اتفقت موسکو وبکین على استخدام العملات المحلیه بدل الدولار لتسویه الحسابات الدولیه وکذلک تطویر آلیات الدفع بالعملات المحلیه.
تنوی الصین وروسیا إقامه نظام مالی بعید عن رقابه الولایات المتحده یتمتع بالقدر المطلوب من القوه والفاعلیه على المستوى العالمی. و یسعى البلدان إلى إلغاء الدولار فی التجاره واستخدام العملات المحلیه وعملات قویه کالیورو لتسریع تجارتهما العالمیه وتخفیف الآثار السلبیه للعقوبات الأمریکیه القائمه أو المحتمله. وعدا ذلک، یخطط البلدان للتجاره مع الدول الخاضعه لعقوبات الولایات المتحده عبر إلغاء الدولار فی التبادل التجاری العالمی.
إلى جانب ذلک، دعَمَ تحسن العلاقات الروسیه – الصینیه خلال السنوات الأخیره هذا المسار. فی الوقت الراهن، قد توصّل البلدان إلى فهم مشترک للتهدیدات والتجاره الدولیتین؛ إقامه مناورات إستراتیجیه مشترکه وزیاده التبادلات التجاریه والسیاسیه بینهما تبشر بعلاقه أوثق مما مضى والتی من شأنها أن تضمن استقلالیه بیکن وموسکو وأن تدق ناقوس الخطر لأمریکا. لذلک، قد ساهم تعزیز العلاقات بین البلدین فی تسریع وتیره التخلی عن الدولار.
فضلاً غن ذلک، سیؤدی تنفیذ المشروع الاقتصادی الصینی الضخم وهو مبادره ” حزام واحد ـ طریق واحد” إلى زیاده الطلب على الیوآن کعمله احتیاطیه نظراً لکثره الدول المشارکه فی المشروع، ما یعنی التسریع فی إلغاء الدولار تدریجیاً.
لکن ماذا ستکون تداعیات التخلی التدریجی عن الدولار؟ سیکون لذلک تداعیات سیاسیه واقتصادیه مؤلمه للولایات المتحده. تأثرت مختلف الدول بالعقوبات الأمریکیه الجائره؛ سواء الدول الخاضعه للعقوبات أو الدول التی کانت على علاقه اقتصادیه طیبه مع الدول الخاضعه للعقوبات. إلغاء الدولار فی التبادلات التجاریه سیضعف فعلاً فاعلیه هذه الأداه السیاسیه – الاقتصادیه القویه لأمریکا وسیمثل ضربه کبیره لأهم الأدوات الأمریکیه فی سیاستها الخارجیه خلال السنوات الأخیره.
کما أن تراجع استخدام الدولار سیقلص من هیمنه أمریکا على التجاره العالمیه ولن یعود بإمکانها فرض غرامات مالیه هائله على الشرکات بذریعه العلاقه مع الدول الخاضعه للعقوبات.
وهناک احتمال لانضمام الدول والاتحادات الأخرى إلى هذا المسار. الیوم تسعى الصین وروسیا والهند وترکیا وإیران إلى استخدام العملات المحلیه أو العملات البدیله عن الدولار فی تبادلاتها التجاریه فی معظم الأحیان. کما تستخدم باکستان الیوان فی تجارتها مع الشرکات الصینیه. ومن المتوقع أن یزداد عدد الدول التی تقلص من استخدام الدولار فی تبادلاتها التجاریه من خلال الانضمام المحتمل لدول البریکس لهذه السیاسه.
من الناحیه الاقتصادیه، تساعد هیمنه الدولار الأمریکی إداره هذا البلد على إصدار سندات حکومیه بکلفه أقل (حیث لا تضطر لدفع فائده أعلى لاستقطاب المشترین، ما یمثل میزه کبیره لها). ویجدر بالذکر أن روسیا بدأت بتقلیص مستمر لاستثماراتها فی السندات الأمریکیه منذ مایو 2017 رداً على عقوبات البیت الأبیض.
هذا المسار سیکبد القوه العسکریه وتفوق الدولار الأمریکی ضربه أساسیه ـ بصفتهما مقومین مهمین ورئیسیین فی ممارسه أمریکا هیمنتها ـ وسیدفع أمریکا نحو الأفول بسرعه أکثر.
0 Comments