جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
من حلم الغرب بانهیار إيران إلى واقع صمودها

محمد اميري ـ خبير في الشؤون الدولية
الفجوة بين نظرية الضغط والواقع الميداني
لم يكن صانعو استراتيجية أقصى الضغوط يتصورون يوماً أن يأتي الوقت الذي لا تنهار فيه إيران فحسب، بل تُجبرهم على طلب وقف إطلاق النار. واليوم تجد واشنطن نفسها في هذه الوضعية بالذات. فقد شدّد محللون كبار في جامعة براندايس الأمريكية، في مقال نُشر في إحدى هذه المراكز البحثية، على أن إيران تحمّلت عقوداً من العقوبات والضغوط الاقتصادية، وأن قدرتها على التكيّف مع الظروف التي تواجهها لم تتلاشَ قط. ورغم أن التكاليف باهظة جداً، فلا توجد أي مؤشرات على انهيار وشيك أو استسلام استراتيجي.
إنّ ردود فعل الفاعلين الغربيين على هذا الصمود تكشف عن عجزهم أمام ظاهرة لم تكن في الحسبان. فالتقرير الأخير لمجلة “ذا نيويوركر” (The New Yorker) يكشف أن وقف إطلاق النار القائم بين إيران والولايات المتحدة لا يشبه إطلاقاً الهدن الكلاسيكية. وقد وصفه محللو المجلة بأنه “وقف إطلاق نار غير وقف لإطلاق النار”؛ أي حالة لا تدور فيها حرب شاملة، ولا يسود فيها سلام مستقر. ودونالد ترامب، الذي كان يتحدث يوماً عن هزيمة إيران السريعة، يسعى اليوم إلى توقيع مذكرة من صفحة واحدة لوقف الاشتباكات. أما الفريق التفاوضي الأمريكي فلا يضم دبلوماسيين مخضرمين، بل صهر الرئيس وصديقه المقرّب، وكلاهما من المستثمرين العقاريين.
في المقابل، يقود الوفد الإيراني مديرون تنفيذيون بارزون وسياسيون محترفون. ولم يكتفِ رئيس البرلمان ووزير الخارجية الإيرانيان بالمطالبة برفع العقوبات وإطلاق الأصول المجمّدة، بل طالبا أيضاً بتعويضات حرب وحقّ السيطرة على مضيق هرمز، وهي شروط تعكس ثقة بالنفس نابعة من ردعٍ أثبت فعاليته.
تكلفة الحرب على الفاعلين وداعميهم
ولعلّ أبلغ شاهد على نجاح استراتيجية المقاومة هو النظر إلى التكاليف التي تكبدها المهاجمون أنفسهم وحلفاؤهم وداعموهم. فقد توقّع صندوق النقد الدولي أن تسجل مؤشرات النمو الاقتصادي في دول مجلس تعاون الخليج الفارسي تراجعاً حاداً في عام 2026: قطر بنسبة تراجع 14.7%، الكويت بنسبة تراجع 4.2%، البحرين بنسبة تراجع 3.8%، الإمارات بنسبة تراجع 1.9%، والسعودية بنسبة تراجع 1.4%.
أما التكاليف على الجانب الأمريكي فقد تكون أكثر إيلاماً. فقد أعلن تقرير مكتب ميزانية الكونغرس، في منتصف مايو/أيار 2026، أن تكلفة بناء ونشر وتشغيل منظومة القبة الذهبية لحماية الأراضي الأمريكية خلال السنوات العشرين المقبلة ستبلغ 1200 مليار دولار. وهو رقم يفوق التقدير الأولي لإدارة ترامب بسبعة أضعاف، ويرى بعض المحللين أنه لا يزال أدنى من الحاجة الحقيقية. وحذّر أحد المحللين من أن نسبة أدوات هذه المنظومة إلى صواريخ العدو قد تصل إلى ألف مقابل واحد، وأن 1200 مليار دولار قد لا تكون كافية حتى للدفاع الكامل. وهذه تكاليف لم تكن يوماً ضمن الحسابات الاستراتيجية لواشنطن، لكنها تحوّلت الآن إلى متغير حاسم.
مأزقٌ يُسمّى الانتصار المكلف
في مثل هذه الظروف، لا يعود الحديث عن “نصر” قابلاً للسماع أو الطرح. ويشير تقرير حديث لمعهد كوينسي، نقلًا عن مسؤول استخباراتي عسكري سابق رفيع في الكيان الإسرائيلي، إلى أن نتنياهو يسعى إلى خلق “حالة حرب لا تنتهي” مع إيران، في إطار استراتيجية “جزّ العشب”؛ أي شنّ هجمات دورية لمنع العدو من تجميع قوته. لكن الإيرانيين لا يقبلون إطلاقاً بمثل هذا الوضع في معادلات المنطقة.
كما شدد محلل بارز في برنامج الشرق الأوسط في معهد تشاتام هاوس، في حديثه إلى مجلة “ذا نيويوركر”، على أن النظام الدولي بات شديد الانقسام، ولم يعد قادراً على تقديم حلول سلام مستدامة. وفي مثل هذا المناخ، تتحول الهدن المؤقتة بحد ذاتها إلى الوضع الطبيعي الجديد؛ وضع لا يحمل أي علامة على السلام، ولا يمنح أي ترخيص لاستئناف حرب شاملة. فواشنطن تبحث عن نصر سريع واستعراضي، بينما تسعى طهران إلى تثبيت المعادلة الجديدة. واليوم، وبعد أشهر من المواجهة، فإن الواقع الميداني يقول إن أياً من الأهداف الأولية للحرب التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي على إيران لم يتحقق. إن العجز عن هزيمة إيران، والعجز عن السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، والعجز عن منع إعادة بناء القدرة العسكرية الإيرانية، ليست مؤشرات صغيرة. وربما يكون الإنجاز الأهم هو أن هذه الوقائع أثبتت أن استراتيجية أقصى الضغوط، مهما بلغت من الشدة، لا يمكنها أن تُخضع دولة تمتلك سنداً اجتماعياً وقدرة عالية على التكيّف والصمود. والولايات المتحدة اليوم لا تبحث عن مخرج من المستنقع بدافع الخير، بل بسبب حسابات الكلفة الهائلة لاستمرار الحرب، وذلك بحدّ ذاته يعني هزيمة استراتيجية.
0 Comments