المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال محلل شؤون الطاقة إنّ الوضع الراهن لسياسات العقوبات الغربية يدل على أنّ من الضروري إعادة تعريف المكانة الجيوطاقية لإيران عبر توظيف الدبلوماسية الذكية للطاقة.
انخفاض اعتماد أوروبا على الغاز الروسی والخیارات البدیله
قال سید محمدعلی خطیبی فی حوار له مع الموقع الالکترونی للمجلس الاستراتیجی للعلاقات الخارجیه: “مع اندلاع الأزمه الأوکرانیه وفرض العقوبات الواسعه على روسیا من جانب الغرب، شهد نظام الطاقه العالمی تحوّلاً عمیقاً ما زال مستمراً حتى الیوم”.
وأضاف: “أوروبا، التی کانت تؤمّن القسم الأکبر من احتیاجاتها من الغاز لعقود طویله من روسیا، وجدت نفسها فجأه أمام واقع الاعتماد الشدید علیها وفراغٍ فی تأمین الطاقه. وبعد توقف أو انخفاض تدفق الغاز عبر خطوط مثل نورد ستریم، لا تزال الدول الأوروبیه، ولا سیما ألمانیا، تبحث بعد أربع سنوات من اندلاع الحرب الأوکرانیه عن حلٍّ مستدام”.
وأوضح الخبیر قائلاً: “صحیح أنّ دور قطر فی تزوید أوروبا بالطاقه، وانخراط الولایات المتحده بشکل أکبر، قد خفّفا إلى حدٍّ ما من حده الأزمه، لکنّ أوروبا ما زالت تبحث عن خیارات أکثر استقراراً وأمناً، تضمن أمن الإمدادات وتُعدّ موثوقه فی إطار العلاقات بین الشرق والغرب”.
وأکد ممثل إیران السابق فی منظمه أوبک أنّ “التطورات الأخیره جعلت المکانه الجیوطاقیه لإیران أکثر بروزاً من أی وقتٍ مضى؛ فإیران تمتلک ثانی أکبر احتیاطی للغاز ورابع أکبر احتیاطی نفطی فی العالم، وهذه القدره الطبیعیه تجعلها محوراً مهماً فی أی معادله جدیده للطاقه”.
وأوضح قائلاً: “صحیح أنّ أوروبا تتجه فی المدى القصیر نحو مصادر کالغاز المسال(LNG) القادم من الولایات المتحده وقطر أو زیاده الواردات من النرویج، لکنّ هذه المسارات لیست مستدامه ولا رخیصه. فتکالیف النقل وتحویل الغاز المسال تُلقی أعباء إضافیه على الاقتصاد الأوروبی وتزید من هشاشه القاره أمام الأزمات الجیوسیاسیه”.
وأشار خطیبی إلى الموقع الجغرافی لإیران قائلاً: “یمکن لإیران، عبر مسارٍ بری آمن وقصیر، أن تؤمّن جزءاً من احتیاجات أوروبا من الغاز عبر ترکیا أو أرمینیا. وحتى لو لم تُرفع العقوبات، فإنّ المصالح الاقتصادیه لأوروبا تقتضی أن تتجه فی المستقبل القریب نحو تعاملٍ أکثر واقعیه مع طهران”.
وأضاف: “لکنّ أوروبا ینبغی أن تتحلّى بالاستقلال فی هذا المسار، وأن تنأى بنفسها عن الإملاءات التی یفرضها علیها الکیان الإسرائیلی والولایات المتحده فی طریقه التعامل مع إیران، وأن تسلک طریق الحوار المباشر مع طهران لتحقیق اتفاقٍ مربح للطرفین فی مجال الطاقه. ومع ذلک، لم تدخل أوروبا بعد هذا المسار”.
عوائق تصدیر الطاقه الإیرانیه
وتابع المحلل فی شؤون الطاقه قائلاً: “على الرغم من القدرات الضخمه التی تمتلکها إیران فی مجالی النفط والغاز، فإن صادراتها من الطاقه خلال السنوات الماضیه واجهت قیوداً بسبب الضغوط السیاسیه والعقوبات الأحادیه الأمریکیه. فمشکله إیران لیست فی الإنتاج ولا فی القدرات التقنیه، بل فی العوائق السیاسیه المفروضه من الخارج. وإذا أصبحت الأجواء الدولیه، ولا سیما فی مجال العقوبات، أکثر منطقیه، فإنّ إیران قادره خلال فتره وجیزه على تصدیر ملیارات الأمتار المکعبه من الغاز إلى وجهات مختلفه”.
وأشار خطیبی إلى وضع الحقول الغازیه فی البلاد، ولا سیما حقل بارس الجنوبی، قائلاً: “لقد تمکنت إیران خلال العقدین الماضیین من إدخال نسبه کبیره من احتیاطاتها الغازیه إلى دائره الإنتاج، إلا أنّ غیاب الاستثمارات الأجنبیه والتقنیات الحدیثه جعل جزءاً من القدرات الکامنه غیر مستغَل. کما أدّى استمرار دوره العقوبات إلى مشکلات فی تأمین الطاقه داخلیاً”.
وأکد قائلاً: “مع عوده الشرکات الأوروبیه أو الآسیویه إلى قطاع الطاقه الإیرانی، یمکن خلال أقل من ثلاث سنوات زیاده مستوى إنتاج الغاز بنسبه 30 بالمئه ومضاعفه الصادرات عده مرات”.
وأضاف خطیبی: “تتمتع إیران بموقعٍ حساس من الناحیه الجیوسیاسیه، لکنها بخلاف کثیر من الدول المصدّره للطاقه، تمتلک استقراراً سیاسیاً وأمناً مضمُوناً لخطوط النقل. فدول المنطقه من الخلیج الفارسی إلى شرق المتوسط شهدت مراراً صراعات عسکریه، بینما حافظت إیران على استقرارها، وهو عامل تحتاجه أوروبا وآسیا لمستقبل أمن الطاقه لدیهما”.
وأوضح: “إنّ العقوبات الأمریکیه على قطاع الطاقه الإیرانی، فی إطار سیاسه “أقصى الضغوط” والسعی إلى تصفیر صادرات النفط، لیست فقط غیر قانونیه ومخالفه لمبادئ التجاره الحره، بل أضرّت أیضاً بالمستهلکین الغربیین أنفسهم. فهذه السیاسه فی عهدی ترامب الأول والثانی لم تنجح یوماً فی وقف إنتاج أو تصدیر الطاقه الإیرانیه”.
وأضاف خطیبی: “لقد أدّت سیاسه أقصى الضغوط إلى اختلال توازن سوق الطاقه. فلو کانت إیران حاضره بفاعلیه فی السوق العالمیه، لما واجهت أوروبا أزمه طاقه حاده إلى هذا الحد، ولما ارتفعت الأسعار بهذه الصوره”.
التعاون المحتمل مع الصین والهند فی مجال تصدیر الطاقه
وأکد ممثل إیران السابق فی أوبک ضروره التوجّه نحو الشرق وتعمیق التعاون مع القوى الصاعده، وقال: “إنّ الصین والهند، باعتبارهما من أکبر مستوردی الطاقه فی العالم، ستؤدیان دوراً محوریاً فی مستقبل السوق العالمی. وإیران، بما تمتلکه من موقعٍ جغرافی متمیز وموارد ضخمه وروابط تاریخیه مع شرق آسیا، تستطیع استثمار هذه الفرصه لإیجاد توازنٍ فی سیاستها الطاقیه”.
وأوضح قائلاً: “لقد أرست طهران وبکین، عبر توقیع وثیقه التعاون الاستراتیجی لمده 25 عاماً، أساساً استراتیجیاً لتطویر التعاون طویل الأمد فی مجال الطاقه. وتسعى الصین إلى تنویع مصادر الطاقه لدیها، ویمکن لإیران أن تکون أحد أکثر الشرکاء موثوقیه فی تزویدها بالنفط والغاز. کما أنّ الهند، مع نموها الاقتصادی السریع، تحتاج إلى کمیات متزایده من الطاقه، ویمکن تصمیم تعاونٍ مستقرّ معها من خلال مشاریع مثل میناء تشابهار وخط أنابیب السلام”.
وبیّن خطیبی أنّ “على إیران أن ترکّز على العقود طویله الأمد، والاستثمار المشترک فی البنى التحتیه التصدیریه، وتطویر تکنولوجیا الغاز المسال، حتى تتمکن من تثبیت حصتها فی السوق العالمیه للطاقه”، مضیفاً: “إنّ السوق العالمی للطاقه یعید تشکیل نفسه حالیاً، والدول التی ستنجح هی تلک التی تبتعد عن السیاسات المؤقته وتتجه نحو شراکاتٍ مستدامه وذکیه”.
وأکد الخبیر: “إنّ العالم الیوم یدخل مرحله جدیده من المنافسات الجیوطاقیه؛ وهی مرحله ستکون فیها موارد إیران من النفط والغاز ضروریه لیس فقط لاستقرار المنطقه، بل أیضاً لأمن الطاقه العالمی”.
واختتم الحوار قائلاً: “لقد أثبتت العقوبات على روسیا أنّ اعتماد أوروبا على مورد واحد هو خطأ استراتیجی. وفی ظل هذه الظروف، یمکن لإیران بما تمتلکه من قدرات هائله واستقرار داخلی وموقع جغرافی فرید أن تصبح عمود التوازن فی سوق الطاقه، شرط أن تُتّبع سیاسه تعاون عقلانیه ومربحه مع الشرق والغرب على حدٍّ سواء”.
0 Comments