جدیدترین مطالب
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أحدث المقالات
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
سياسة تقليص الوجود العسكري الأمريكي في سوريا؛ الدوافع والتداعيات الاستراتيجية

عبد الرحمن فتح اللهي ـ خبير في شؤون المنطقة
الخلفيات والدوافع وراء القرار الأمريكي
ترتكز سياسة تقليص الوجود العسكري الأمريكي في سوريا على شعار “أمريكا أولاً” الذي شدّد عليه دونالد ترامب منذ حملته الانتخابية في عام 2016. ويعتبر ترامب أن الوجود العسكري في المناطق المتأزمة، لا سيما في غرب آسيا، يشكّل عبئاً اقتصادياً واستراتيجياً ثقيلاً على الولايات المتحدة. وقد تعزّز هذا التصوّر خلال ولايته الرئاسية الثانية، ويمكن النظر إلى تقليص القوات العسكرية في سوريا كخطوة في سبيل تحقيق هذا التوجه. وقد أعلن البنتاغون أن هذا التقليص سيتم بعد تقييم الوضع الأمني في شمال وشرق سوريا، وأن الهدف منه هو حصر المهام الأمريكية في المجالات الأمنية التي تحمي المصالح الأمريكية من دون التورّط في التعقيدات الجيوسياسية المحلية. مع ذلك، لا يُعدّ هذا الإجراء انسحاباً كاملاً من سوريا، بل يُعتبر إعادة تعريف للوجود العسكري الأمريكي، مع التركيز على القواعد الأكبر والأكثر أماناً.
أحد الدوافع الرئيسية وراء هذا القرار يتمثّل في الاتفاق الذي أُبرم في مارس/آذار 2025 بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وأحمد الشرع (الجولاني)، الرئيس المؤقت لسوريا وزعيم هيئة تحرير الشام. وقد ركّز هذا الاتفاق على ملاحقة خلايا تنظيم داعش وتبادل المعلومات، مما أتاح للولايات المتحدة تنفيذ سياسة “تقاسم الأعباء الأمنية” بالاعتماد على الفاعلين المحليين. ترى واشنطن أن قسد والقوات المحلية، رغم الخلافات القائمة بينها، قادرتان على إدارة التهديدات الإرهابية، لأن ذلك يسهم في تقليص الوجود العسكري الأمريكي تدريجياً من دون إحداث فراغ أمني فوري. بالإضافة إلى ذلك، فقد لعبت التفاهمات غير المعلنة بين دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان، رئيس الجمهورية التركية، دوراً مهماً في هذا السياق. وتشير التقارير إلى أن أنقرة قدّمت عرضاً بتوفير تسهيلات أمنية واستخباراتية مقابل الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من شمال سوريا، مع ملء هذا الفراغ عبر “الجيش الوطني السوري”. ويسمح هذا الاتفاق لتركيا بتوسيع نفوذها في شمال سوريا وزيادة الضغط على الأكراد، وهو ما يتماشى مع أهدافها الأمنية الاستراتيجية.
على الصعيد الداخلي، قوبل هذا القرار بترحيب من شريحة من الرأي العام الأمريكي التي سئمت من التدخلات العسكرية الطويلة في غرب آسيا. وقد أسهم ما يُعرف بــ “متلازمة العراق – أفغانستان”، والتي أدت إلى سخط شعبي بسبب التكاليف الباهظة والخسائر البشرية، في تعزيز الدوافع نحو تقليص الوجود العسكري في مناطق النزاع الأخرى. مع ذلك، فإن هذه السياسة مشروطة بجملة من المعايير التي طرحتها دوروثي شيا، نائبة المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة، خلال جلسة لمجلس الأمن. وقد أكدت أن تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا مرهون بتحقيق شروط مثل: القضاء الكامل على الإرهاب، منع نفوذ إيران وحلفائها، تدمير أسلحة الدمار الشامل، وضمان أمن جميع السوريين. وتشير هذه الشروط إلى النهج الحذر الذي تتبعه واشنطن من أجل الحفاظ على نفوذها في المنطقة، حتى في حال تقليص وجودها العسكري.
التداعيات الداخلية في سوريا
تُعدّ تداعيات هذا القرار على المستوى الداخلي السوري بالغة الأهمية. فالأكراد، بصفتهم الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في محاربة تنظيم داعش، يرون في هذا التقليص مؤشراً على تغيّر أولويات واشنطن. وقد يدفع هذا الأمر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى البحث عن بدائل أمنية، كروسيا مثلاً، لا سيما في ظل التهديدات التي تواجه المكاسب السياسية التي حققها الأكراد في سبيل إنشاء كيان ذاتي الحكم. كما أن انسحاب الولايات المتحدة قد يؤدي إلى تصاعد التوترات العرقية بين الأكراد والعرب، مما قد يُفضي إلى فوضى أو انقسام جغرافي في شمال وشرق سوريا. من جهة أخرى، قد يُسهِم تقليص الوجود الأمريكي في سوريا في إعادة إحياء تنظيم داعش، نظراً لانخفاض الضغط العسكري عليه، مما يتيح لخلاياه النائمة الفرصة لإعادة تنظيم صفوفها.
التداعيات الإقليمية ودور الأطراف الفاعلة
على الصعيد الإقليمي، يؤثر هذا القرار الأمريكي في العديد من الأطراف الفاعلة. فتركيا ستستغل هذه الفرصة لتوسيع نفوذها واحتواء الأكراد، مما قد يؤدي إلى تصعيد الصراعات في شمال سوريا. أما الكيان الإسرائيلي، الذي يشعر بالقلق من زيادة نفوذ إيران وحلفائها، فيعارض هذا القرار، وقد يلجأ إلى زيادة الهجمات الجوية الوقائية في سوريا أو تعزيز آليات التنسيق مع الأردن وروسيا للسيطرة على جنوب سوريا. ويمكن أن تسهم هذه الإجراءات في تصعيد التوترات في المنطقة. أما روسيا، التي شهدت تراجع نفوذها في سوريا بعد الحرب في أوكرانيا، فقد تستخدم هذه الفرصة للعب دور دبلوماسي أقوى، على الرغم من عدم رغبتها في التواجد المباشر في المناطق المتوترة.
على الصعيد الدولي، يؤثر هذا القرار في مكانة الولايات المتحدة كقوة تدخّلية. قد يؤدي تقليص الوجود العسكري إلى إضعاف مصداقية الولايات المتحدة بين حلفائها، مما قد يشجع المنافسين على ملء الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة في غرب آسيا. أما في العراق، فقد يؤدي هذا القرار إلى تعديلات لوجستية في مواقع القوات الأمريكية، لكن من غير المحتمل أن يغير مهامها. كما أن هذه الخطوة قد تعزز موقف الولايات المتحدة في ملف أوكرانيا على حساب روسيا، التي تعتبر هذا الملف أولوية أكبر بالنسبة لها مقارنة بتوسيع نفوذها في سوريا.
تُعدّ عمليات إعادة تمركز القوات جزءاً مهماً من هذه السياسة. بدأ البنتاغون نقل القوات والمعدات من قواعد دير الزور، بما في ذلك محطة غاز كونوكو وحقل العمر، إلى قواعد في محافظة الحسكة وضواحي شرق حلب. ويُعتبر هذا أكبر نقل للقوات منذ دخول الولايات المتحدة إلى سوريا، وهو ما يتيح للحكومة السورية الجديدة توسيع نفوذها في المناطق الغنية بالنفط والغاز. كما أن واشنطن بصدد بناء قاعدة كبيرة قرب سد تشرين في ضواحي شرق حلب، وتخطط لإنشاء قواعد من رميلان إلى التنف، مثلث الحدود بين سوريا والعراق والأردن. يتيح هذا التغيير التكتيكي للولايات المتحدة تركيز وجودها في مواقع أكثر أماناً واستراتيجية.
إعادة تمركز القوات والدبلوماسية الإقليمية
في الوقت ذاته، تأثرت الدبلوماسية الإقليمية أيضاً بهذه التحولات. كوري ميلز، عضو الكونغرس الأمريكي، الذي أجرى مؤخراً لقاء سرياً مع أحمد الشرع (جولاني)، يحمل رسالة منه إلى دونالد ترامب. وذكر ميلز في حديثه مع وكالة بلومبرغ أنه قد ناقش مع الجولاني مسألة رفع العقوبات عن سوريا وإقامة سلام مع الكيان الإسرائيلي. الجولاني، الذي يحتاج إلى رفع العقوبات لإعادة بناء الاقتصاد السوري المدمَّر وجذب الاستثمارات من دول الخليج الفارسي، أبدى استعداده للتعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب وضمان تدمير الأسلحة الكيميائية. مع ذلك، فإن الكيان الإسرائيلي لا يثق في الجولاني ويعارض رفع العقوبات، خاصة وأن جيش الكيان الإسرائيلي قد نفذ هجمات واسعة ضد المواقع العسكرية السورية بعد صعود الجولاني إلى السلطة.
بشكل عام، فإن سياسة تقليص الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، على الرغم من الدوافع الداخلية والتفاهمات الإقليمية التي أدت إليها، فإنها تحمل تبعات معقدة. قد يؤدي هذا القرار إلى مزيد من عدم الاستقرار في سوريا، وتصعيد التوترات العرقية والطائفية، وتقوية المنافسين الإقليميين. إن نجاح هذه السياسة يعتمد على قدرة الولايات المتحدة في إدارة فراغ القوة والحفاظ على نفوذها من خلال الفاعلين المحليين وحلفائها الإقليميين. مع ذلك، فإن التعقيدات الجيوسياسية في سوريا والمنافسات الإقليمية تجعل هذا المسار يواجه تحديات جدية.
0 Comments