جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
استراتيجية الكيان الصهيوني للنفوذ في العراق

في الأشهر الأخيرة قام الكيان الصهيوني بمحاولة غير مسبوقة للتسلل إلى المجتمع العراقي! حتى فشل قمة أربيل ومعاقبة مسؤوليها الداخليين لن يكونا قادرين على وقف جهود الكيان الصهيوني لتمرير مخططاته للنفوذ في العراق. وفي الأيام الأخيرة، قال “عيساوي فريج ” وزير التعاون الإقليمي في حكومة الكيان الصهيوني في مقابلة إذاعية “ذات مغزى”: “في الوقت الحالي، أمامنا العراق إلى جانب دولة إسلامية أخرى في مسار التطبيع”.
الإستراتيجية
يمكن متابعة استراتيجية الكيان الصهيوني لـ”النفوذ” في العراق من خلال سلسلة من الإجراءات في أربعة مجالات:
أ ) المجال السياسي
يتم اتباع الاستراتيجية السياسية بشكل أساسي من خلال ثلاث طرق:1- إقامة علاقات مريبة مع بعض الأحزاب والجماعات والتيارات السياسية الخاصة والعناصر المشبوهة التي أجتذبت بشكل خاص منذ احتجاجات أكتوبر 2019. 2- إعلان الدعم السياسي للأنشطة الكردية. 3- استقرار الموقف وتوسيع النفوذ في شمال العراق.
يتم تقييم حقيقة أن الكيان الصهيوني هو أحد الداعمين الرئيسيين لتشكيل كردستان العراق في هذا الإطار. تعتبر الهجرة و شراء الأراضي في شمال العراق من بين أهم تكتيكات تل أبيب. في فترة سابقة، كشف تقرير حديث للمراسل الأمريكي “فين مادسون”، أن الكيان الصهيوني ينفذ خطة جديدة في العراق تهدف إلى إعادة توطين سكان من اليهود الأكراد العراقيين المقيمين في الأراضي المحتلة إلى مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى والمناطق المحيطة بها. يتم ترحيل اليهود الأكراد العراقيين الذين يعيشون في الأراضي المحتلة تحت ستار رحلاتهم السياحية والدينية إلى العراق ومشاهدة المعالم الأثرية والتاريخية وزيارة المواقع الدينية اليهودية في هذه الدولة. حسب الأدلة المتوفرة فان الكيان الصهيوني لديه خطة محددة لتوسيع نفوذه في العراق بنقل 90 ألف يهودي كردي يعيشون في الاراضي المحتلة الى العراق!
ب) المجال الاستخباري والأمني والعسكري
بعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة، وخاصة في السنوات الأخيرة، بالتزامن مع توسع أنشطة داعش، دخل العديد من عملاء المخابرات والأمن من الكيان الصهيوني بأشكال مختلفة من الصحفيين والأطباء ورجال الأعمال وغيرهم في شمال العراق وحتى المدن الشيعية، ويقومون بنشاطاتهم حالياً. إضافة إلى ذلك، يمتلك الكيان الصهيوني قواعد عسكرية واستخباراتية سرية في مناطق متفرقة من شمال العراق، استهدفت مجموعات المقاومة بعضها مؤخراً. على سبيل المثال، إن شركة “G-42” الإماراتية، التي كان من المفترض أن يُعهد إليها أمن مطار بغداد، كانت إحدى أدوات التستر على نفوذ الكيان الصهيوني في العراق. اليوم، يسافر عملاء الموساد إلى العراق بجوازات سفر مزورة وألقاب مختلفة، سعياً لتقوية البنية التحتية الاستخباراتية للتسلل في العراق.
د) المجال الثقافي والقوة الناعمة
القيام ببعض النشاطات تحت غطاء المنظمات غير الحكومية، والتوجه إلى القضايا الاجتماعية، والتركيز على الفلكلور والعلاقات الثقافية ودور اليهود في تنمية الثقافة والفن والموسيقى العراقية، وإقامة بعض الحفلات الموسيقية المقامية والفولكلورية ليهود العراق في الأراضي المحتلة، والحضور البارز على مواقع التواصل الاجتماعي وإنشاء صفحات افتراضية، كل هذا يعتبر من التكتيكات الثقافية الناعمة للصهاينة للنفوذ في العراق. على سبيل المثال، نشاط صفحات افتراضية كـ “إسرائيل باللهجة العراقية”على فيسبوك، والذي كان في مرحلة ما صريحاً، واستهدف المجتمع العراقي تحديداً؛ و”السفارة الإسرائيلية في بغداد”، و”إسرائيل والعراق يد واحدة “، و”إسرائيل في العراق” صفحات افتراضية مهمة تستقطب أكبر عدد من الفئات العراقية المختلفة، وخاصة الشباب، من خلال إنتاج محتوى ذكي وهادف.
في هذا الصدد، إن اختيار موقعي فيسبوك وتويتر بدلاً من مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى من قبل وزارة خارجية الكيان الصهيوني لم يأت اعتباطياً. لأن الشعب العراقي، على عكس معظم الدول العربية، يستخدم فيسبوك وتويتر أكثر من الشبكات الاجتماعية الأخرى. اللافت للنظر أن الكيان الصهيوني، سعياً منه لتوسيع نفوذه، قام حتى بصنع ألعاب للأطفال العراقيين، يتم استيرادها عبر الأردن وبيعها في مدن عراقية مختلفة!
ج) المجال الاقتصادي والتجاري
يعتبر الاستثمار في البنية التحتية الصناعية وحقول النفط الخاصة ببعض المدن الشمالية من الإجراءات الاقتصادية الهامة للكيان الصهيوني المزيف لتوسيع نفوذه في العراق. بالطبع لابد من التأكيد على أن الأنشطة الاقتصادية للكيان الصهيوني في العراق تشمل بشكل أساسي إقليم كردستان والمناطق الشمالية، وهو ما تقوم به بشكل مباشر وغير مباشر بعض الشركات الأجنبية المستثمرة في العراق.
التداعيات الاستراتيجية
إن محاولات الكيان الصهيوني للتسلل إلى العراق، في ضوء نسيجه الاجتماعي وطابعه الديني وموقعه الاستراتيجي، تتعارض بطبيعتها مع مصالح العراق وأمنه القومي وكذلك بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويمكن أن يكون لها النتائج التالية:
– اكتساب شرعية للكيان الصهيوني من خلال نفوذه في العراق وعلاقاته بأجزاء من هذه الدولة؛
– تسهيل عملية خروج الكيان الصهيوني من المضايقات العربية الإسلامية؛
– تسهيل عملية ما يسمى باستقلال كردستان العراق؛
– حث العراق على عدم تبني نموذج الحكم الشيعي والإسلامي؛
– إقامة قواعد للتنصت حول حدود إيران؛
– تقييد توسع النشاط الاقتصادي الإيراني في العراق؛
– تقليص نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العراق.
الاستنتاج:
لم يكن موضوع نفوذ الكيان الصهيوني المزيف في العراق، والذي يتم متابعته بشكل خاص على هامش تواجد القوات الأمريكية، موضوعاً جديداً، بل كان موجوداً منذ عقود وما زال مستمراً في هذه الدولة منذ عام 2003 حتى اليوم. لكن اليوم، يحاول الكيان الصهيوني علناً إخراج موضوع النفوذ من القنوات الأمنية والاستخباراتية الضيقة ونقله إلى الفضاء المفتوح والاجتماعي للعراق. وقام بتمهيدات وإعداد مسالك دقيقة لهذا الغرض. على أي حال، فإن نفوذ الكيان الصهيوني في العراق هو موضوع لا ينبغي إهماله، خاصة من قبل الفئات والمجتمع العراقي. لأن نفوذ الكيان الصهيوني في هذه الدولة له أبعاد وعواقب مدمرة تدفع بالمجتمع العراقي، الذي مر للتو بأزمة داعش المكلفة، إلى أبعاد أخرى من الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية التي ليس من السهل أن نتصور لها نقطة انتهاء.
0 Comments