جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
نظرة على جماعات المعارضة السورية والسيناريوهات المحتملة لسوريا

هوشنك شيخي ـ محلل أقدم في معهد حكمت للدراسات الإستراتيجية
لدراسة السيناريوهات التي قد تواجهها سوريا، من المهم جداً قراءة تركيبة وتعداد الجماعات السورية المختلفة التي تزعم تولي السلطة:
أولاً؛ يجب الابتعاد عن التوجه النمطي السائد في بعض وسائل الإعلام والقائل بأن الفاعل الوحيد في ساحة التطورات الراهنة في سوريا هو الجولاني وهيئة تحرير الشام. ثانياً؛ يجب تجنب الخطأ المعرفي، حيث أن المعلومات المتعلقة بأنشطة ومواقف الجماعات النشطة في سوريا بين عامي 2014 و 2017 لن تكون مجدية اليوم وقد تؤدي إلى خطأ استراتيجي. ثالثاً؛ لا ينبغي الاستسلام لإعادة بناء صورة (إعادة تسمية) الجماعات والأفراد من قبل وسائل الإعلام، وتجاهل تاريخهم وحقيقتهم، رغم أنه يجب أن يؤخذ في الاعتبار التحولات التي شهدوها بغية دراسة طبيعتهم الحقيقية وأخيراً، تقديم وصفة استراتيجية وعملياتية؛ لأن تلك الجماعة السلفية التكفيرية التي كانت تستخدم استراتيجيات النكاية والتوحش والتمكين والإنهاك والنصر بالرعب، لجأت اليوم إلى ارتداء ملابس جديدة وعصرية وساعات ذكية وتبنّي أدبيات بعيدة عن فكرة الخلافة ونفي كل استراتيجياتها السابقة. إذن، ليس سجلها بالأمس ولا ادعاءاتها اليوم، كافية بمفردها لتكون معياراً لمعرفة حقيقتها، بل يجب قياس صورتها اليوم بالوضع القائم في الميدان.
في حين أن أكثر من 60 جماعة مختلفة حاضرة في التطورات في سوريا، إلا أن أربع منها أكثر أهمية وكل منها شاركت في الحرب ضد نظام الأسد بشكل ما وهي:
1- الجيش الوطني والذي انبثق من الجيش السوري الحر ويضم جبهتين هما حركة التحرير والبناء والجبهة الوطنية للتحرير؛ وقام خلال التطورات الأخيرة في سوريا، بتشكيل غرفة عمليات فجر الحرية، ومهمتها المعلنة هي السيطرة على الطريق السريع M4، وقطع الوسط عن الشرق والطريق الشرقي – الغربي في سوريا. علاقات وثيقة تجمع هذه الجماعة مع تركيا، وتنضوي تحت رايتها فرقة السلطان مراد، وفرقة السلطان سليمان شاه، ولواء صقور الشام، وحركة أحرار الشام، وجيش النصر، وجيش الأحرار، وعدة مجموعات أخرى.
2- هيئة تحرير الشام، الجماعة الأعلى صوتاً، والتي شكلت غرفة عمليات الفتح المبين، وقائدها هو أحمد الشرع أو أبو محمد الجولاني الشهير، وتضم مجموعة من العناصر المتعددة الجنسيات. يقود الجولاني مجموعة من الفصائل مثل لواء الحق، أنصار الدين، وأنصار التوحيد وصولاً إلى نور الدين زنكي، وجيش العزة والسُّنة، وعدة فصائل أخرى.
3- قوات سوريا الديمقراطية “قسد” (PYD) التي يشكل حزب الاتحاد الديمقراطي التابع لحزب العمال الكردستاني (PKK) نواتها الرئيسية وقد أعلنت إدارة ذاتية في شمال وشمال شرق سوريا منذ عشر سنوات. واستناداً إلى تعاليم حزب العمال الكردستاني قسّمت المنطقة الخاضعة لسيطرتها إلى إقليم واحد فيه ثلاث مقاطعات يُدار بشكل كونفدرالي، وقد خاضت مؤخراً مواجهات مع فصائل معارضة في منبج. وعلى عكس التصور السائد، فإن “قسد” لا يقتصر على الأكراد فقط، ويوجد عدد من العرب، إلى جانب عدد من السريانيين، والآشوريين والتركمان في هذا التحالف. رغم هذا، نشأ تحالف منافس لقسد داخل المجتمع الكردي السوري منذ سنوات، يتكون من عدة مجموعات كردية يعمل تحت اسم المجلس الوطني الكردي في سوريا (ENKS) ويرتبط بالحزب الديمقراطي في كردستان العراق، أي حزب بارزاني، ونشاطه يتعارض مع قسد بشكل عام.
4- في جنوب وجنوب غرب سوريا تم تشكيل غرفة عمليات الجنوب المؤلفة من مقاتلين دروز ولا علاقة لها بالجماعات الثلاث الأخرى، وهم الجماعة المسلحة المرتبطة بالأقلية الدرزية، ويبدو أن إسرائيل تعقد آمالاً كبيرة على هذه المنطقة من سوريا وعلى هذه المجموعة العرقية والدينية.
وفيما يتعلق بإمكانية حصول وحدة بين هذه الجماعات في سوريا الجديدة وطرح الخلافات الكبيرة جانباً، ينبغي القول إنه ربما يظن البعض أن مرحلة السلاح المنفلت قد ولت وأن الجولاني قادر على فرض سيطرته على سوريا وأن صانع القرار سيكون صندوق الاقتراع بدل النار والحديد. هذا النوع من التحليل هو تبسيط لمسألة التطورات المتشابكة والمعقدة والحافلة بالتحديات في سوريا. في ظل غياب سلطة مركزية مقتدرة في دمشق، فإن الجماعات التي قتلت العشرات وحتى المئات من بعضها البعض لن تقبل ببساطة التخلي عن السلطة، وبالتالي يبدو أي اتفاق مستبعداً جداً، بل ومستحيلاً.
أما بشكل عام ما هي السيناريوهات التي يمكن تصورها لمستقبل سوريا:
1- يظهر الوضع الراهن وخلفية الجماعات النشطة في التطورات السورية، الحدود السائلة بينها، حيث هناك إمكانية لتعريف وإعادة تعريف هوية كل منها بشكل منفرد أو متعدد، مما يسهل عمل بعضها ضد الأخرى. في الوقت نفسه، فإن تحولها إلى مجموعات وكيلة للجهات الفاعلة الإقليمية والدولية يُنوّع أيضاً مصفوفة المستقبل. إن الواقع الميداني في سوريا وتجارب المنطقة يشيران إلى أن المرحلة المقبلة ستكون عودة تنين التكفير واحتدام الصراعات العرقية والطائفية والدينية، واحتمال عودة هذه القوى إلى توجهاتها السابقة قوي للغاية، مما يزيد من احتمالات عدم الاستقرار وتداول السلطة بين أطراف مختلفة.
2 – كما أن استمرار ممارسات الكيان الصهيوني التوسعية يعد احتمالاً جدياً، وهو ما سيمهد لاحتلال المزيد من الأراضي العربية والإسلامية في إطار الأيديولوجية التوسعية لهذا الكيان.
3 – كما يتعزز احتمال إعادة تشكيل العلاقات السابقة لدول المنطقة مع الجماعات المتنوعة المذكورة في سوريا لتقليص مزايا ومصالح الخصوم.
4 – وإذا لم يتم احتواء الصراعات والسيطرة عليها، فمن المحتمل أن يمتد الصراع من المنطقة المحيطة بسوريا إلى عمق الأراضي المجاورة لها، خاصة العراق. من جهة أخرى، تركيا بحاجة إلى الاستمرار في تغذية مجموعة متنوعة من الجماعات، غير أن مواردها المحدودة لا تسمح باستمرار هذا الدعم. كما أن خطة تغيير التركيبة السكانية في شمال سوريا وإنشاء منطقة عازلة، والتي تم التخطيط لها من قبل تركيا منذ سنوات، تعتبر قضية حياة أو موت لـقوات سوريا الديمقراطية كفرع لحزب العمال الكردستاني، وفي ظل ذلك، فإن احتمال حدوث توترات في تركيا سيزداد أيضاً.
يبدو، في ظل الوضع الحالي، إن السبيل الوحيد لتقليل احتمالات التوتر وحماية المنطقة من التهديدات هو تعزيز المبادرات الإقليمية والتعاون بين جميع دول المنطقة بما يتماشى مع المصالح المشتركة في ظل إنشاء منطقة آمنة.
0 Comments